عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: عجبت لمن فزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: "حسبنا الله ونعم الوكيل" فاني سمعت الله جل جلاله يقول بعقبها: "فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء" (ال عمران 174). وعجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" (الانبياء 87) فاني سمعت الله عز وجل يقول بعقبها: "فاستجبنا له ونجَّيْنَاهُ من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين" (الانبياء 88). وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله: "وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" (غافر 44) فاني سمعت الله جل وتقدس يقول بعقبها: "فَوَقَاهُ الله سيئات ما مكروا" (غافر 45). وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" (الكهف 39) فاني سمعت الله عز اسمه يقول بعقبها: "إن تَرَنِ أنا أقلَّ منك مالا وولداً فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنَّتِك" (الكهف 39).
عن تفسير الميسر: وقوله تعالى "وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ" (النمل 87) فإن فزعهم بالنفخ وإسراعهم في المشي إلى عرصة المحشر وإتيانهم إليها أفواجا كقيامهم ينظرون حوادث متقارنة لا يدفع بعضها بعضا. ففزع من في السماوات ومن في الأرض: خافوا الخوف المفضي إلى الموت كما في آية أخرى فصعق، والتعبير فيه بالماضي لتحقق وقوعه، واذكر أيها الرسول يوم يَنفخ الملَك في القرن ففزع مَن في السموات ومَن في الأرض فزعًا شديدًا مِن هول النفخة، إلا مَنِ استثناه الله ممن أكرمه وحفظه من الفزع، وكل المخلوقات يأتون إلى ربهم صاغرين مطيعين،
عن دلالة الفزع الهائل يقول الدكتور محمد حسين علي الصغير في كتابه الصوت اللغوي في القرآن: استعمل القرآن طائفة من الألفاظ، ثم اختيار أصواتها بما يتناسب مع أصدائها، واستوحى دلالتها من جنس صياغتها، فكانت دالة على ذاتها بذاتها، فالفزع مثلاً، والشدة، والهدة، والاشتباك، والخصام، والعنف، دلائل هادرة بالفزع الهائل والمناخ القاتل. 1ـ قف عند مادة صرخ في القرآن، وصرخة الصّيحة الشديدة عند الفزع، والصراخ الصوت الشديد. لتلمس عن كثب، وبعفوية بالغة: الاستغاثة بلا مغيث، في قوله تعالى "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً" (فاطر 37). مما يوحي بأن الصراخ قد بلغ ذروته، والاضطراب قد تجاوز مداه، والصوت العالي الفظيع يصطدم بعضه ببعض، فلا أذن صاغية، ولا نجدة متوقعة، فقد وصل اليأس أقصاه، والقنوط منتهاه، فالصراخ في شدة إطباقه، وتراصف إيقاعه، من توالى الصاد والطاء، وتقاطر الراء والخاء، والترنم بالواو والنون يمثل لك رنة هذا الاصطراخ المدوي (والاصطراخ الصياح والنداء والاستغاثة: افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لأجل الصاد الساكنة قبلها، وإنما نفعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد في الاستعلاء والإطباق، ويوافق التاء في المخرج). والإصراخ هو الإغاثة، وتبلية الصارخ، وقوله تعالى "ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي" (ابراهيم 22). تعني البراءة المتناهية، والإحباط التام، والصوت المجلجل في الدفع، فلا يغني بعضهم عن بعض شيئاً، ولا ينجي أحدهما الآخر من عذاب الله، ولا يغيثه مما نزل به، فلا إنقاذ ولا خلاص ولا صريخ من هذه الهوة، وتلك النازلة، فلا الشيطان بمغيثهم، ولا هم بمغيثيه. والصريخ في اللغة يعني المغيث والمستغث، فهو من الأضداد، وفي المثل: عبد صريخه أمة، أي ناصره أذل منه. وقد قال تعالى "فلا صريخ لهم ولا هم ينفذون" (يس 43). فيا له من موقف خاسر، وجهد بائر، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة، ولا إجارة مما وقعوا فيه. والاستصراخ الإغاثة، واستصرخ الإنسان إذا أتاه الصارخ، وهو الصوت يعلمه بأمر حادث ليستعين به. قال تعالى "فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه" (القصص 18). طلب للنجدة في فزع، ومحاولة للإنقاذ في رهب، والاستعانة على العدو بما يردعه عن الإيقاع به، وما ذلك إلا نتيجة خوف نازل، وفزع متواصل، وتشبث بالخلاص. ومن هنا نفيد أن دلالة الفزع فيما تقدم من ألفاظ أريدت بحد ذاتها لتهويل الأمر، وتفخيم الدلالة، وهذا أمر مطرد في القرآن، وقد يمثله قوله تعالى "فغشيهم من اليم ماغشيهم" (طه 78).
والهول بمعنى الفزع والخوف "مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ" (النحل 89)، و"لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ" (الأنبياء 103)، و"وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ" (النمل 87). "حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" (سبأ 23). "إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ" (ص 22). قال الشاعر: قومٌ إذا فَزِعوا الصَريخَ رَأَيْتَهُمْ * من بين مُلْجِمِ مُهْرِهِ أو سافِعِ. جاء في الحديث الشريف (يُعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه، يُكفَّر عنه كل خطيئة، ويَرى مقعده من الجنة، ويُزوَّج من الحور العين، ويؤمَّن مِن الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويُحلى حلة الإيمان). جاء في تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي: في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: كان علي إذا أهاله أمر فزع قام إلى الصلوة ثم تلا هذه الآية: "واستعينوا بالصبر والصلوة " (البقرة 45).







د.أمل الأسدي
منذ 4 ايام
تذكرة شهر رمضان المبارك
لبيك يا حسين
إرهاب الميديا
EN