جاء في كتاب التفسیر الموضوعی و التفسیر التجزیئی فی القرآن الكریم للسيد محمد باقر الصدر: اجتناب عبادة الطاغوت: ما هی الصفة الأساسیة الممیزة التی ذكرها القرآن لمن اجتنب عبادة الطاغوت قال "فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" (الزمر 17-18). یعنی لم یجعلوا هناك قیدا علی ذهنهم، لم یجعلوا اطارا محدودا لا یمكنهم ان یتجاوزوه، جعلوا الحقیقة مدار همّهم جعلوا الحقیقة هدفهم و لهذا یستمعون القول فیتبعون أحسنه یعنی هم فی حالة طموح، فی حالة تطلع و موضوعیة فی حالة تسمح لهم بان یجدوا الحقیقة. بینما لو كانوا یعبدون الطاغوت، حینئذ سوف یكونون فی اطار هذا الواقع الذی یریده الطاغوت، سوف لن یستطیعوا أن یستمعوا الی القول فیتبعون أحسنه، و انما یتبعون فقط ما یراد لهم ان یتبعوه. هذا هو السبب الثانی لا تباع و تبنی هذه المثل. اذن خلاصة ما مرّ بنا حتی الآن: أن التاریخ یتحرك من خلال البناء الداخلی للانسان، الذی یصنع للانسان غایاته هذه الغایات تبنی علی أساس المثل الاعلی الذی تنبثق عنه تلك الغایات. لكل مجتمع مثل أعلی و لكل مثل أعلی مسار و مسیرة، و هذا المثل الاعلی هو الذی یحدد فی تلك المسیرة معالم الطریق و هذا المثل الاعلی علی ثلاثة أقسام حتی الآن استعرضنا القسم الأول من المثل العلیا و هو المثل الاعلی الذی ینبثق تصوره عن الواقع و یكون منتزعا عن الواقع الذی تعیشه الجماعة و هذا مثل أعلی تكراری، و تكون الحركة التاریخیة فی ظل هذا المثل الاعلی حركة تكراریة، أخذ الحاضر لكی یكون هو المستقبل و قلنا بان تبنی هذا النوع من المثل الاعلی یقود الی أحد سببین بحسب تصورات القرآن الكریم: السبب الأول سبب نفسی و هو الألفة و العادة و الضیاع. و السبب الآخر سبب خارجی و هو تسلط الفراعنة و الطواغیت علی مرّ التاریخ.
وعن علاقة المثل الأعلى وأديان التجزئة يقول آية الله السيد محمد باقر الصدر: اذن المثل الاعلی لا ینفك عن الثوب الدینی سواء كان ثوبا دینیا صریحا، او ثوبا دینیا مستترا مبرقعا تحت شعارات اخری فهو فی جوهره دین و فی جوهره عبادة و انسیاق. الا ان هذه الادیان التی تفرزها هذه المثل العلیا المنخفضة ادیان محدودة تبعا لمحدودیة نفس هذه المثل، لمّا كانت هذه المثل مثلا منخفضة و محدودة قد حولت بصورة مصطنعة الی مطلقات و الا هی فی الحقیقة لیست الا تصورات جزئیة عبر الطریق الطویل الطویل للانسان، الا أنها حولت الی مطلقات بصورة مصطنعة.
اذن هذه المحدودیة فی المثل تعكس الادیان التی تفرزها، فالادیان التی تفرزها هذه المثل او بالتعبیر الأحری الادیان التی یفرزها الانسان من خلال صنع هذه المثل، و من خلال عملقة هذه المثل و تطویرها من تصورات الی مطلقات، هذه الادیان تكون ادیانا محدودة ضئیلة، أدیان التجزئة، هذه الأدیان هی أدیان التجزئة فی مقابل دین التوحید الذی سوف نتكلم عنه حینما نتحدث عن مثله الأعلی القادر علی استیعاب البشریة بابعادها، هذه الأدیان أدیان التجزئة هذه الآلهة، الآلهة التی یفرزها الانسان بین حین و حین هی التی یعبر عنها القرآن الكریم بقوله "إِنْ هِیَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّیْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ" (النجم 23) هذا الإله الذی یفرزه الانسان، هذا الدین الذی یصنعه الانسان، و هذا المثل الاعلی الذی هو نتاج بشری، هذا لا یمكن ان یكون هو الدین القیم، لا یمكن ان یكون هو المصعّد الحقیقی للمسیرة البشریة، لان المسیرة البشریة لا یمكن ان تخلق إلهها بیدها. القاعدة الجماهیریة الواسعة فی هذه الامة سوف تتمزق وحدتها لأن وحدة هذه القاعدة انما هی بالمثل الواحد فاذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة. هذه الامة بعد ان تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب بالتشتت، بالتمزق، بالتبعثر، تكون كما وصف القرآن الكریم "بَأْسُهُمْ بَیْنَهُمْ شَدِیدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِیعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّی ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا یَعْقِلُونَ" (الحشر 14) بأسهم بینهم شدید باعتبار أن التناقضات تبدأ فی داخل هذه الأمة هذه الامة التی لا یجمعها مثل اعلی لا تجمعها طریقة مثلی، لا یجمعها سبیل واحد قلوب متفرقة أهواء متشتتة، ارواح متبعثرة، عقول مجمدة فی حالة من هذا القبیل لا تبقی امة و انما یبقی شبح امة فقط. و فی ظل هذا الشبح سوف ینصرف كل فرد فی هذه الامة ینصرف الی همومه الصغیرة، الی قضایاه المحدودة لانه لا یوجد هناك مثل اعلی تلتف حوله الطاقات، تلتف حوله القابلیات و الامكانات تحشد من اجله التضحیات لا یوجد هذا المثل الاعلی، حینما یسقط هذا المثل الاعلی تسقط الرایة التی توحد الامة، یبقی كل انسان مشدود الی حاجاته المحدودة، الی مصالحه الشخصیة، الی تفكیره فی اموره الخاصة، كیف یصبح
وعن أفق الانسان يقول الشهيد السيد الصدر قدس سرع في كتابه: هذا الانسان الذی یقف علی طریق التاریخ الطویل، علی طریق المسیرة البشریة، له افق بحكم قصوره الذهنی، بحكم محدودیة الذهن البشری، له افق كذلك الافق الجغرافی و لكن هذا الافق یجب ان یتعامل معه كافق، لا كمطلق كما اننا نحن علی الصعید الجغرافی لا نتعامل مع هذا الافق الذی نراه علی بعد عشرین مترا او مائتی متر انه نهایة الارض، و انما نتعامل معه بأنه أفق، كذلك ایضا هنا یجب ان یتعامل هذا الانسان معه كافق لا یحول هذا الافق التاریخی الی مثل اعلی و الا كان من قبیل من یسیر نحو سراب. انظروا الی التمثیل الرائع فی قوله سبحانه و تعالی: "وَ الَّذِینَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِیعَةٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّی إِذا جاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِیعُ الْحِسابِ" (النور 39). یعبر القرآن عن كل هذه المثل المصطنعة من دون اللّه سبحانه و تعالی بانها كبیت العنكبوت یقول سبحانه و تعالی: "مَثَلُ الَّذِینَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِیاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَیْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُیُوتِ لَبَیْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا یَعْلَمُونَ" (العنكبوت 41).
وعن الفترة الزمانية يبين السيد محمد باقر الصدر في كتابه: فی هذه الفترة الزمنیة تمر الامة بمراحل فی الحقیقة، یمكننا تلخیصها فی أربعة مراحل: المرحلة الاولی هی مرحلة فاعلیة هذا المثل بحكم انه قد بدأ مشتقا من طموح مستقبلی و من نظرة مستقبلیة فهذا المثل یكون له فی المرحلة الاولی فاعلیة و عطاء و تجدید بقدر ما یكون له من ارتباط بالمستقبل. و لكن طبعا هذه الفاعلیة و هذا العطاء و هذا التجدید هو عطاء یسمیه القرآن بالعاجل، مكاسب عاجلة، و لیست مكاسب علی الخط الطویل. هذه المكاسب مكاسب عاجلة لان عمر هذا المثل قصیر، لان عطاء هذا المثل محدود، لان هذا المثل سوف یتحول فی لحظة من اللحظات الی قوة إبادة لكل ما اعطاه من مكاسب و لهذا یسمی هذا بالعاجل. انظروا الی قوله تعالی "مَنْ كانَ یُرِیدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِیها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعی لَها سَعْیَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْیُهُمْ مَشْكُوراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً" (الاسراء 18-20) اللّه سبحانه و تعالی خیر محض، عطاء محض، جود كله، فبقدر ما تتبنی الامة مثلا قابلا للتحریك، اللّه سبحانه و تعالی ایضا یعطی، لكنه یعطی بقدر قابلیة هذا المثل یعطی شیئا عاجلا لا اكثر. فی حالة من هذا القبیل تكون السلطة التی تمثل هذا المثل، تكون هذه السلطة ذات مثل اعلی، ذات مثل یعطی و یبدع و تكون قیادة موجهة للامة فی حدود هذا المثل و تكون للامة دور المشاركة فی صنع هذا المثل و فی تحقیق هذا المثل. هذه المرحلة سوف تؤدی الی مكاسب، و لكنها فی النظر القرآنی العمیق الطویل الامد مكاسب عاجلة تعقبها جهنم، جهنم فی الدنیا و جهنم فی الآخرة. هذه المرحلة الاولی مرحلة الابداع و التجدید.







اسعد الدلفي
منذ يومين
في ذكرى سقوطه
وفد المرجعية .. عمل دؤوب لا إعلام كذوب
السجن والسجين والسجان
EN