تكملة للحلقة السابقة قال الله تبارك وتعالى عن كلمة خشع ومشتقاتها "خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ" ﴿القمر 7﴾ خشعا اسم، خشّعا أبصارُهمْ: ذليلة خاضِعة من شدة الهوْل، خاشعا: أي ذليلا، وفي قراءة خُشَّعا بضم الخاء وفتح الشين مشددة، ذليلة أبصارهم يخرجون من القبور كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم للحساب جرادٌ منتشر في الآفاق، مسرعين إلى ما دُعُوا إليه، و "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" ﴿البقرة 45﴾ الْخَاشِعِينَ: الْ اداة تعريف، خَاشِعِينَ اسم، الخاشِعينَ: الخاضعين لطاعته ، الخائفين من سطوته، إلا على الخاشعين: الساكنين إلى الطاعة، واستعينوا في كل أموركم بالصبر بجميع أنواعه، وكذلك الصلاة، وإنها لشاقة إلا على الخاشعين، و "وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" ﴿آل عمران 199﴾ وإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب،، و "وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" ﴿الإسراء 109﴾ خشوعا: تواضعا لله، ويقع هؤلاء ساجدين على وجوههم، يبكون تأثرًا بمواعظ القرآن، ويزيدهم سماع القرآن ومواعظه خضوعًا لأمر الله وعظيم قدرته، و "يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا" ﴿طه 108﴾ وَخَشَعَتِ: وَ حرف عطف، خَشَعَتِ فعل، وَخَشَعَتِ: سكنت، في ذلك اليوم يتبع الناس صوت الداعي إلى موقف القيامة، لا محيد عن دعوة الداعي؛ لأنها حق وصدق لجميع الخلق، وسكنت الأصوات خضوعًا للرحمن، فلا تسمع منها إلا صوتًا خفيًا، و "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" ﴿الأنبياء 90﴾ خاشعين اسم، خَاشِعِينَ: متذللين، خاضعين، خائفين، فاستجبنا له دعاءه ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى، وجعلنا زوجته صالحة في أخلاقها وصالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عاقرًا، إنهم كانوا يبادرون إلى كل خير، ويدعوننا راغبين فيما عندنا، خائفين من عقوبتنا، وكانوا لنا خاضعين متواضعين، و "الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" ﴿المؤمنون 2﴾ خَاشِعُونَ: خائفون ساكنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون: متواضعون، الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، تَفْرُغُ لها قلوبهم، وتسكن جوارحهم.
جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (خشع) "خاشعين" (ال عمران 199) (الانبياء 90) (الشورى 45) متواضعين، و "خشعت الأصوات للرحمن" (طه 108) أي خضعت من شدة الفزع وخفيت فلا تسمع إلا همسا وهو الذكر الخفي، والخشوع أعم. ن الخضوع، قال تعالى: "والذين هم في صلاتهم خاشعون" (المؤمنون 2) وقال: "خاشعة أبصارهم" (القلم 43) (المعارج 44) و "خشعت الأصوات للرحمن" (طه 108) و "خاشعة أبصارهم" (القلم 43) (المعارج 44) لا يستطيعون النظر من هول ذلك اليوم، والخشوع في الصلاة: خشية القلب والتواضع، وقيل: الخشوع في الصلاة أن ينظر موضع سجوده، قال تعالى: "والذين هم في صلاتهم خاشعون" (المؤمنون 2) قيل: كان النبي صلى الله عليه وآله يرفع بصره إلى السماء فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه ونظر إلى مصلاه، وقوله: "ترى الأرض خاشعة" (السجدة 39) أي ساكنة مطمئنة.
روى الحبري الكوفي باسناده عن ابن عباس: (قوله: "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ" (البقرة 45) الخاشع: الذليل في صلاته المقبل عليها، يعني رسول الله صلّى الله عليه وعلي عليه السّلام). روى الحاكم الحسكاني باسناده عن ابن عباس قال: (الخاشع: الذليل في صلاته المقبل عليها، يعني رسول الله وعلياً، نزلت في علي وعثمان بن مظعون، وعمّار بن ياسر وأصحاب لهم رضي الله عنهم).
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: جاء في حديث عن الرّسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلّم حين شاهد رجلا يلهو بلحيته و هو يصلّي قوله: (أمّا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه). ارة منه صلى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أنّ الخشوع الباطني يؤثّر في ظاهر الإنسان. و كان كبار قادة المسلمين يؤدّون صلاتهم بخشوع حتّى تحسبهم في عالم آخر، يذوبون في اللّه، حيث نقرأ عنهم في حديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّه كان يرفع بصره إلى السّماء في صلاته، فلمّا نزلت الآية طأطأ رأسه و رمى ببصره إلى الأرض. إذا اعتبر الركوع و السجود و القراءة و التسبيح جسم الصلاة، فالتوجّه الباطني إلى حقيقة الصلاة، و إلى من يناجيه المصلّي، هو روح الصلاة. و الخشوع ما هو إلّا توجّه باطني مع تواضع. و على هذا يتبيّن أنّ المؤمنين لا ينظرون إلى الصلاة كجسم بلا روح، بل إنّ جميع توجّههم إلى حقيقة الصلاة و باطنها. و هناك عدد كبير من الناس يودّ بشوق بالغ أن يكون خاشعا في صلاته، إلّا أنّه لا يتمكّن من تحقيق ذلك. قوله تعالى "أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه" (الزمر 23) تخشع من مادّة خشوع بمعنى حالة التواضع مقترنة بالأدب الجسمي و الروحي، حيث تنتاب الإنسان هذه الحالة- عادة- مقابل حقيقة مهمّة أو شخصية كبيرة. و من الواضح أنّ ذكر اللّه عزّ و جلّ إذا دخل أعماق روح الإنسان، و سماع الآيات القرآنية بتدبّر فإنّها تكون سببا للخشوع، و القرآن الكريم هنا يلوم بشدّة قسما من المؤمنين لعدم خشوعهم أمام هذه الأمور. لأنّه قد ابتلى كثير من الأمم السابقة بمثل هذا من الغفلة و الجهل. و هذه الغفلة تؤدّي إلى قساوة القلب و بالتالي إلى الفسق و العصيان.







اسعد الدلفي
منذ 4 ايام
أبناؤنا بينَ الواقعِ والمواقع
في رثاء العقيلة زينب (ع)
هل كان الشيخ الوائلي يعلم؟!
EN