تكملة للحلقة السابقة قال الله سبحانه وتعلى عن الرجفة ومشتقاتها "لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا" ﴿الأحزاب 60﴾ وَالْمُرْجِفُونَ: وَ حرف عطف، الْ اداة تعريف، مُرْجِفُونَ اسم، لئن لم يكفَّ الذين يضمرون الكفر ويظهرون الإيمان والذين في قلوبهم شك وريبة، والذين ينشرون الأخبار الكاذبة في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبائحهم وشرورهم، لنسلِّطنَّك عليهم، ثم لا يسكنون معك فيها إلا زمنًا قليلا. مطرودين من رحمة الله، في أي مكان وُجِدوا فيه أُسِروا وقُتِّلوا تقتيلا ما داموا مقيمين على النفاق ونشر الأخبار الكاذبة بين المسلمين بغرض الفتنة والفساد، و "يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا" ﴿المزمل 14﴾ تَرْجُفُ فعل، تَرْجُفُ: تتزلزل، وتتحرك، يوم ترجُف الأرض: تضطرب و تتزلزل (يوم القيامة)، يوم تضطرب الأرض والجبال وتتزلزل حتى تصير الجبال تَلا من الرمل سائلا متناثرًا، بعد أن كانت صُلبة جامدة، تَرْجُفُ فعل، و "يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ" ﴿النازعات 6﴾ الرَّاجِفَةُ: ال اداة تعريف، رَّاجِفَةُ اسم، يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ: نفخة الموت، الراجفة: النفخة الأولى أو هي الأرض أو الزلزلة، يوم ترجف الراجفة: النفخة الأولى بها يرجف كل شيء، أي يتزلزل فوصفت بما يحدث منها، أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا، والملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بنشاط ورفق، والملائكة التي تَسْبَح في نزولها من السماء وصعودها إليها، فالملائكة التي تسبق وتسارع إلى تنفيذ أمر الله، فالملائكة المنفذات أمر ربها فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير خالقه، فإن فعل فقد أشرك لتُبعثَنَّ الخلائق وتُحَاسَب، يوم تضطرب الأرض بالنفخة الأولى نفخة الإماتة، تتبعها نفخة أخرى للإحياء.
قال الله تبارك وتعالى "فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ" ﴿العنكبوت 37﴾ جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: التكذيب سببا في أن تصيبهم زلزلة شديدة فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين أي مكبوبين على وجوههم ميتين. و الجاثم مشتق من جثم على زنة سهم ومعناه الجلوس على الركبة والتوقف في مكان ما. ولا يبعد أن يكونوا نائمين عند وقوع هذه الزلزلة الشديدة. فهذا التعبير إشارة إلى أنهم عند وقوع هذه الحادثة نهضوا وجثوا على الركب، إلا أن الحادثة لم تمهلهم حيث انهارت الجدران عليهم ونزلت عليهم الصاعقة التي تزامنت معها فماتوا. قوله تعالى "يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ" التّفسير: صيحة الموت المرعبة: بعد أن أكّد القرآن الكريم على حقيقة القيامة و حتمية وقوعها في الآيات السابقة، تتعرض الآيات أعلاه لبعض ما يصاحب يوم القيامة من علامات و أحداث، فتقول: "يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ" (النازعات 6)، أي: يوم تحدث الزلزلة العظيمة المهولة، "ثمّ: تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ" (النازعات 7) "الراجفة": من الرجف، بمعنى الاضطراب و التزلزل، و لذا يقال للأخبار التي توقع الاضطراب بين أوساط الناس بالأراجيف. "الرادفة": من "الردف"، و هو الشخص أو الشيء الذي يأتي بعد نظيره تتابعا، و لذا يقال لمن يركب خلف آخر، رديفه. و يعتقد كثير من المفسّرين بأنّ "الراجفة": هي الصيحة و نفخة الصور الاولى التي تعلن عن موت جميع الخلائق، و "الرادفة" هي الصيحة و نفخة الصور الثّانية التي يبعث فيها الخلق مرّة اخرى ليعيشوا يوم القيامة. ينبغي ملاحظة أنّ فعل رجف قد يأتي متعديا و قد يأتي لازما، فعلى الحالة الاولى تكون "الراجفة" بمعنى الزلزلة العظيمة التي تزلزل كلّ الأرض و الموجودات، و على الحالة الثّانية تعني الأرض دون غيرها. و عليه، فالآيتان تشيران إلى نفس ما أشارت إليه الآية (68) من سورة الزمر: "وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ". و قيل: "الراجفة": إشارة إلى الزلزلة التي تدمّر الأرض، و "الرّادفة": إشارة إلى الزلزلة التي تدمّر السماوات. و التّفسير الأوّل كما يبدو أقرب للصواب. و تأتي الآية الاخرى لتقول: "قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ" (النازعات 8). فقلوب العاصين شديدة الاضطراب خوفا من الحساب و الجزاء. "واجفة": من الوجف، بمعنى سرعة السير، و أوجفت البعير: حملته على الإسراع، و تستعمل أيضا للاضطراب الشديد لما يصاحبه من اهتزاز و إسراع. و يكون التزلزل الداخلي من الشدّة بحيث يظهر على وجوه كلّ المذنبين، و لذا يقول القرآن: "أَبْصارُها خاشِعَةٌ" (النازعات 9). فيبدو الاضطراب و الخوف ظاهرا على أعين المذنبين، و تتوقف حركتها و كأنّها قد فقدت حاسة النظر لما أصابها من خوف شديد. و في الآية التالية ينتقل الحديث من أخبار يوم القيامة إلى الحياة الدنيا: "يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ" (النازعات 10) "الحافرة": من الحفر، بمعنى شقّ الأرض، و ما ينتج من ذلك يسمى حفرة، يقال: حافر الفرس، تشبيها لحفرة الأرض في عدوه، و "الحافرة": كناية لمن يرد من حيث جاء، كما لو سار إنسان على أرض، فيترك فيها حفرا لتحمل آثار قدمه، ثمّ يعود إلى نفس تلك الحفر، فالحافرة: تعني الحالة الاولى.
وردت كلمة رجفة ومشتقاتها في القرآن الكريم: الرَّجْفَةُ، وَالْمُرْجِفُونَ، تَرْجُفُ، الرَّاجِفَةُ. جاء في كتاب علوم القرآن عن القصص القرآنية للسيد محمد باقر الحكيم: النصر الإلهي للأنبياء: بيان نصرة الله لأنبيائه وان نهاية المعركة تكون في صالحهم مهما لاقوا من العنت والجور والتكذيب كل ذلك تثبيتا لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه وتأثيرا في نفوس من يدعوهم إلى الايمان. وقد نص القرآن الكريم على هذا الهدف الخاص أيضا بمثل قوله تعالى: "والى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين * فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" (العنكبوت 36-37). فهذه هي النهاية الحتمية التي يريد ان يصورها القرآن الكريم لمعارضي الأنبياء والمكذبين بدعوتهم.







اسعد الدلفي
منذ يومين
صراع حضارات أم حوار حضارات ؟
من أدب الدفاع المقدس.. ( لا تكتملُ البهجة إلا بحزن )
هل كذب الفرزدق؟
EN