قال الله تبارك وتعالى عن مشتقات كلمة لين "فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ" ﴿طه 44﴾ لَّيِّنًا صفة، اذهب يا موسى أنت وأخوك هارون بآياتي الدالة على ألوهيتي وكمال قدرتي وصدق رسالتك، ولا تَضْعُفا عن مداومة ذكري، اذهبا معًا إلى فرعون، إنه قد جاوز الحد في الكفر والظلم، فقولا له قولا لطيفًا، لعله يتذكر أو يخاف ربه، و "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" ﴿آل عمران 159﴾ لن فعل، تَ ضمير، لِنْتَ لَهُمْ: كنت لينا معهم، فبرحمة من الله لك ولأصحابك أيها النبي منَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب، لانْصَرَفَ أصحابك من حولك، و "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ" ﴿سبإ 10﴾ وَ حرف عطف، أَلَ فعل، نَّا ضمير، وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ: جعلنا الحديد بين يديه مثل العجين يفتله كيف يشاء، ولقد آتينا داود نبوة، وكتابًا وعلمًا، وقلنا للجبال والطير: سبِّحي معه، وألنَّا له الحديد، فكان كالعجين يتصرف فيه كيف يشاء، و "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" ﴿الزمر 23﴾ تَلِينُ فعل، تَلِينُ جُلُودُهُمْ: تسكن وتطمئن، الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، متشابهًا في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تثنى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، تقشعر من سماعه، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم؛ تأثرًا بما فيه مِن ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم، استبشارًا بما فيه من وعد وترغيب، ذلك التأثر بالقرآن هداية من الله لعباده، و "مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ" ﴿الحشر 5﴾ لِّينَةٍ اسم، لينة اي نخلة، لينة: كل شيء من النخل سوى العجوة، أو النخلة الكريمة بلغة الأوس، ما قطعتم أيها المؤمنون من نخلة أو تركتموها قائمة على ساقها، من غير أن تتعرضوا لها، فبإذن الله وأمره، وليُذلَّ بذلك الخارجين عن طاعته المخالفين أمره ونهيه.
وردت كلمة الن ومشتقاتها في القرآن الكريم: لِنتَ، لَيِّنًا، وَأَلَنَّا، تَلِينُ، لِينَةٍ. عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: خير نسائكم الخمس احداهن الهينة اللينة المواتية التي إذا غضب زوجها لم تكتحل بغمض حتى يرضى.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: راح موسى عليه السلام يدعو فرعون بلين ورفق وأسلوب جميل، وبأسلوب مرغب دعاه لأن يتطهر طهارة مطلقة من الشرك والكفر، ومن الظلم والفساد وتنقل لنا الآية المباركة هذا المعنى: "فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا" ﴿طه 44﴾. قوله تعالى "فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (ال عمران 159) هذه الآية و إن كانت تتضمن سلسلة من التعاليم الكلية الموجهة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و تشتمل من حيث المحتوى على برامج كلية و أساسية، و لكنها من حيث النزول ترتبط بواقعة أحد لأنه بعد رجوع المسلمين من أحد أحاط الأشخاص الذين فروا من المعركة برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و أظهروا له الندامة من فعلتهم و موقفهم، و طلبوا منه العفو. أصدر اللّه سبحانه إلى نبيه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أمره بأن يعفو عنهم، و يتجاوز عن سيئهم و يستقبل المخطئين التائبين منهم بصدر رحب. إذ قال تعالى: "فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (ال عمران 159) و لقد أشير في هذه الآية قبل أي شيء إلى واحدة من المزايا الأخلاقية لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، ألا و هي اللين مع الناس و الرحمة بهم، و خلوه من الفظاظة و الخشونة. الفظّ في اللغة هو الغليظ الجافي الخشن الكلام، و "غليظ القلب" هو قاسي الفؤاد الذي لا تلمس منه رحمة، و لا يحس منه لين. أمير المؤمنين عليه السّلام وصف هذه الحقيقة بأفضل وجه في الخطبة الخاصة بالمتقين، إذ قال: (أمّا الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، و يستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، و تطلعت نفوسهم إليها شوقا، و ظنوا أنّها نصب أعينهم، و إذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، و ظنوا أنّ زفير جهنم و شهيقها في أصول آذانهم).
قوله تعالى "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" (الزمر 23) سبب النّزول: نقل بعض المفسّرين عن عبد اللّه بن مسعود أنّ جمعا من الصحابة ملّوا و تضجّروا، فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: حدّثنا حديثا يزيل السأم من نفوسنا و الملل من قلوبنا، فنزلت أول آية من الآيات المذكورة أعلاه معرّفة القرآن ب (أحسن الحديث). إنّه لوصف و تجسيد لطيف و جميل لنفوذ آيات القرآن العجيب إلى أعماق القلوب، إذ أنّه في بداية الأمر يبعث في القلب شيئا من الخوف و الرهبة، الخوف الذي يكون أساسا للصحوة و لبدء الحركة، و الرهبة التي تجعل الإنسان يتحسس مسئولياته المختلفة. ثمّ تأتي مرحلة الهدوء و قبول آيات اللّه و تتبعها السكنية و الاستقرار. هذه الحالة التدريجية التي تبيّن مراحل السلوك إلى اللّه المختلفة، يمكن إدراكها بسهولة، فالقلوب تقشعر فور ما تسمع آيات التهديد و التحذير النازلة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثمّ تهدأ فور ما تسمع آيات الرحمة. قوله تعالى "ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ" (الحشر 5) "لينة" من مادّة لون تقال لنوع جيّد من النخل، و قال آخرون: إنّها من مادّة لين بمعنى الليونة التي تطلق على نوع من النخل، و التي لها أغصان ليّنة قريبة من الأرض و ثمارها ليّنة و لذيذة. و تفسّر "ليّنة" أحيانا بألوان و أنواع مختلفة من شجر النخيل، أو النخل الكريم، و التي جميعها ترجع إلى شيء واحد تقريبا.







اسعد الدلفي
منذ 3 ايام
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
تسييس الدراما
إعمار البصرة
EN