أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/أهل البيت (عليهم السلام)/ظلامة أهل البيت (عليهم السلام) ومصائبهم والبكاء والحزن عليهم/الإمام السجاد (عليه السلام)
عبيد الله بن
الفضل بن محمد بن هلال عن سعيد بن محمد عن محمد بن سلام الكوفي عن أحمد بن محمد
الواسطي عن عيسى بن أبي شيبة القاضي عن نوح بن دراج عن قدامة بن زائدة عن أبيه قال
قال علي بن الحسين عليه السلام بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله أحيانا
فقلت إن ذلك لكما بلغك فقال لي فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل
أحدا على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا فقلت والله
ما أريد بذلك إلا الله ورسوله ولا أحفل بسخط من سخط ولا يكبر في صدري مكروه ينالني
بسببه فقال والله إن ذلك لكذلك فقلت والله إن ذلك لكذلك يقولها ثلاثا وأقولها
ثلاثا فقال أبشر ثم أبشر ثم أبشر فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون.
إنه لما أصابنا
بالطف ما أصابنا وقتل أبي عليه السلام وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله
وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا
فيعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج وتبينت ذلك مني عمتي
زينب بنت علي الكبرى فقالت ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي فقلت
وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم
مرملين بالعراء مسلبين ـ لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر
كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر فقالت لا يجزعنك ما ترى فو الله إن ذلك لعهد من
رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك ولقد أخذ الله ميثاق أناس من
هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون
هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر
أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن
أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا
علوا.
فقلت وما هذا
العهد وما هذا الخبر فقالت حدثتني أم أيمن أن رسول الله صلى الله عليه واله زار
منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الأيام فعملت له حريرة صلى الله عليها وأتاه
علي عليه السلام بطبق فيه تمر ثم قالت أم أيمن فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد فأكل رسول
الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام من تلك الحريرة وشرب رسول الله صلى
الله عليه واله وشربوا من ذلك اللبن ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر بالزبد ثم غسل
رسول الله يده وعلي يصب عليه الماء.
فلما فرغ من غسل
يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا فيه السرور في وجهه
ثم رمق بطرفه نحو السماء مليا ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو ثم خر ساجدا
وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر
كأنها صوب المطر فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم لما رأينا من رسول
الله وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة ما يبكيك يا رسول
الله لا أبكى الله عينيك وقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك فقال يا أخي سررت بكم
وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هاهنا فقال يا حبيبي إني سررت بكم سرورا ما
سررت مثله قط وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم إذ هبط علي جبرئيل
فقال يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك
وسبطيك فأكمل لك النعمة وهنأك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في
الجنة ـ لا يفرق بينك وبينهم يحيون كما تحيا ويعطون كما تعطى حتى ترضى وفوق الرضا
على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون
أنهم من أمتك براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا قتلا شتى مصارعهم نائية قبورهم
خيرة من الله لهم ولك فيهم فاحمد الله جل وعز على خيرته وارض بقضائه فحمدت الله
ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.
ثم قال جبرئيل
يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك متعوب من أعدائك ثم مقتول بعدك يقتله
أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو مغرس
شيعته وشيعة ولده وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم وإن سبطك هذا وأومأ
بيده إلى الحسين عليه السلام مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك
بضفة الفرات بأرض تدعى كربلاء من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء
ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته وهي أطهر بقاع الأرض وأعظمها حرمة وإنها لمن
بطحاء الجنة.
فإذا كان ذلك
اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله وأحاطت بهم كتائب أهل الكفر واللعنة تزعزعت الأرض
من أقطارها ومادت الجبال وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها وماجت السماوات
بأهلها غضبا لك يا محمد ولذريتك واستعظاما لما ينتهك من حرمتك ولشر ما يتكافى به
في ذريتك وعترتك ولا يبقى شيء من ذلك إلا استأذن الله عز وجل في نصرة أهلك
المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك.
فيوحي الله إلى
السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن إني أنا الله الله الملك القادر والذي
لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع وأنا أقدر على الانتصار والانتقام وعزتي وجلالي
لأعذبن من وتر رسولي وصفيي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهله ـ (
عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) فعند ذلك يضج كل شيء في
السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك فإذا برزت تلك العصابة إلى
مضاجعها تولى الله جل وعز قبض أرواحها بيده وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء
السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة
وطيب من طيب الجنة فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب
وصلى الملائكة صفا صفا عليهم.
ثم يبعث الله
قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية
فيوارون أجسامهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علما لأهل الحق
وسببا للمؤمنين إلى الفوز وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة
ويصلون عليه ويسبحون الله عنده ويستغفرون الله لزواره ويكتبون أسماء من يأتيه
زائرا من أمتك متقربا إلى الله وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم
ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء
فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار يدل
عليهم ويعرفون به.
وكأني بك يا
محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عدده ونحن
نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم
وشدائده وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك ـ لا
يريد به غير الله جل وعز وسيجد أناس ممن حقت عليهم من الله اللعنة والسخط أن يعفوا
رسم ذلك القبر ويمحوا أثره فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا.
ثم قال رسول
الله صلى الله عليه واله فهذا أبكاني وأحزنني.
قالت زينب فلما
ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي عليه السلام ورأيت أثر الموت منه قلت له يا أبه حدثتني
أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك فقال يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن
وكأني بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين ـ ( تَخافُونَ أَنْ
يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ) فصبرا صبرا فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على
ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم ولقد قال لنا رسول الله حين أخبرنا
بهذا الخبر إن إبليس في ذلك اليوم يطير فرحا فيجول الأرض كلها في شياطينه وعفاريته
فيقول يا معشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة وبلغنا في هلاكهم الغاية
وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم
وحملهم على عداوتهم وإغرائهم بهم وأوليائهم حتى تستحكم ضلالة الخلق وكفرهم ولا
ينجو منهم ناج ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ) وهو كذوب أنه لا ينفع مع
عداوتكم عمل صالح ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر.
قال زائدة ثم
قال علي بن الحسين بعد أن حدثني بهذا الحديث خذه إليك أما لو ضربت في طلبه آباط
الإبل حولا لكان قليلا.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 45 / صفحة [ 191 ]