أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
من كلامه عليه السلام
كتاب كتبه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام وقد بايعه الناس:
بسم الله الرحمن
الرحيم من عبد الله الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فان الله
بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين ، فأظهر به الحق ، ودفع به الباطل
، وأذل به أهل الشرك ، وأعز به العرب عامة ، وشرف به من شاء منهم خاصة ، فقال
تعالى : « وإنه لذكر لك ولقومك ».
فلما قبضه الله
تعالى تنازعت العرب الامر بعده ، فقالت الانصار : منا أمير ومنكم أمير ، وقالت
قريش : نحن أولياؤه وعشيرته ، فلا تنازعوا سلطانه ، فعرفت العرب ذلك لقريش ، ونحن
الآن أولياؤه وذوو القربى منه ولا غرو إن منازعتك إيانا ، بغير حق في الدين معروف
، ولا أثر في الاسلام محمود ، والموعد الله تعالى بيننا وبينك ، ونحن نسأله تبارك
وتعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا به في الآخرة.
وبعد فان أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما نزل به الموت ولاني هذا الامر من بعده
، فاتق الله يا معاوية ، وانظر لامة محمد (صلى الله عليه وآله) ما تحقن به
دماءهم وتصلح امورهم والسلام.
ومن كلامه عليه السلام
ما كتبه في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين معاوية حيث رأى حقن الدماء وإطفاء
الفتنة ، وهو : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي
طالب معاوية بن أبي سفيان : صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين ، على أن
يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسيرة الخلفاء الصالحين
وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا بل يكون الامر من بعده
شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم ، وعراقهم
وحجازهم ويمنهم ، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم.
وعلى معاوية بن
أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء ، وبما
أعطى الله من نفسه ، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولأخيه الحسين ولا لاحد من أهل
بيت رسول الله صلى الله عليه وآله غائلة سرا ولا جهرا ، ولا يخيف أحدا منهم في
افق من الآفاق.
شهد عليه بذلك فلان وفلان وكفى بالله شهيدا والسلام.
ولما تم الصلح
وانبرم الامر ، التمس معاوية من الحسن عليه السلام أن يتكلم بمجمع من الناس
ويعلمهم أنه قد بايع معاوية وسلم الامر إليه فأجابه إلى ذلك فخطب وقد حشد الناس
خطبة حمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله فيها ، وهي من كلامه
المنقول عنه عليه السلام وقال : أيها الناس إن أكيس الكيس التقى ، وأحمق الحمق
الفجور وإنكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله
ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين ، وقد علمتم أن الله هداكم بجدي محمد ، فأنقذكم
به من الضلالة ورفعكم به من الجهالة ، وأعزكم بعد الذلة ، وكثركم بعد القلة ، وإن
معاوية نازعني حقا هو لي دونه ، فنظرت لصلاح الامة ، وقطع الفتنة ، وقد كنتم
بايعتموني على أن تسالموا من سالمت ، وتحاربوا من حاربت ، فرأيت أن اسالم معاوية وأضع
الحرب بيني وبينه ، وقد بايعته ، ورأيت أن حقن الدماء خير من سفكها ولم ارد بذلك
إلا صلاحكم وبقاءكم ، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
بيان : يقال «
لا غرو » أي ليس بعجب قوله « ولا أثر » الجملة حالية أي والحال أنه ليس لك أثر
محمود ، وفعل ممدوح في الاسلام.
أقول : سيأتي في
كتاب الغيبة في الخبر الطويل الذي رواه المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام في
الرجعة أنه عليه السلام قال : يا مفضل ويقوم الحسن عليه السلام إلى جده (صلى الله
عليه وآله) فيقول : يا جداه كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في دار هجرته
بالكوفة حتى استشهد بضربة عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله فوصاني بما وصيته يا جداه
وبلغ اللعين معوية قتل أبي فأنفذ الدعي اللعين زيادا إلى الكوفة في مائة ألف
وخمسين ألف مقاتل ، فأمر بالقبض علي وعلى أخي الحسين ، وسائر إخواني وأهل بيتي
وشيعتنا وموالينا ، وأن يأخذ علينا البيعة لمعاوية لعنه الله ، فمن أبى منا ضرب
عنقه ، وسير إلى معاوية رأسه.
فلما علمت ذلك
من فعل معاوية ، خرجت من داري فدخلت جامع الكوفة للصلاة ورقأت المنبر واجتمع الناس
فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت : معشر الناس عفت الديار ، ومحت الآثار ، وقل
الاصطبار ، فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين ، الساعة والله صحت
البراهين ، وفصلت الآيات ، وبانت المشكلات ، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية
تأويلها قال الله عزوجل : « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو
قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله
الشاكرين ».
فلق مات والله
جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقتل أبي عليه السلام وصاح الوسواس الخناس
في قلوب الناس ، ونعق ناعق الفتنة ، وخالفتم السنة ، فيالها من فتنة صماء عمياء ،
لا يسمع لداعيها ، ولا يجاب مناديها ، ولا يخالف واليها ، ظهرت كلمة النفاق ،
وسيرت رايات أهل الشقاق ، وتكالبت جيوش أهل المراق ، من الشام والعراق ، هلموا رحمكم
الله إلى الافتتاح ، والنور الوضاح ، والعلم الجحجاح ، والنور الذي لا يطفى والحق
الذي لا يخفى.
أيها الناس
تيقظوا من رقدة الغفلة ، ومن تكاثف الظلمة ، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ،
وتردى بالعظمة ، لئن قام إلي منكم عصبة بقلوب صافية ، ونيات مخلصة ، لا يكون فيها
شوب نفاق ، ولا نية افتراق لأجاهدن بالسيف قدما قدما ولأضيقن من السيوف جوانبها ،
ومن الرماح أطرافها ، ومن الخيل سنابكها فتكلموا رحمكم الله.
فكأنما الجموا
بلجام الصمت عن إجابة الدعوة إلا عشرون رجلا فانهم قاموا إلي فقالوا : يا ابن رسول
الله ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا ، فها نحن بين يديك لأمرك طائعون ، وعن رأيك
صادرون ، فمرنا بما شئت ، فنظرت يمنة ويسرة ، فلم أر أحدا غيرهم.
فقلت : لي اسوة
بجدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين عبد الله سرا ، وهو يومئذ في تسعة وثلاثين
رجلا ، فلما أكمل الله له الاربعين صار في عدة وأظهر أمر الله فلو كان معي عدتهم
جاهدت في الله حق جهاده.
ثم رفعت رأسي
نحو السماء فقلت : اللهم إني قد دعوت وأنذرت ، وأمرت ونهيت ، وكانوا عن إجابة
الداعي غافلين ، وعن نصرته قاعدين ، وفي طاعته مقصرين ولأعدائه ناصرين ، اللهم
فأنزل عليهم رجزك وبأسك ، وعذابك الذي لا يرد عن القوم الظالمين ، ونزلت.
ثم خرجت من
الكوفة داخلا إلى المدينة ، فجاءوني يقولون : إن معاوية أسرى سراياه إلى الانبار
والكوفة ، وشن غاراته على المسلمين ، وقتل من لم يقاتله وقتل النساء والاطفال ،
فأعلمتهم أنه لا وفاء لهم ، فأنفذت معهم رجالا وجيوشا وعرفتهم أنهم يستجيبون
لمعاوية ، وينقضون عهدي وبيعتي ، فلم يكن إلا ما قلت لهم وأخبرتهم.
أقول : أوردت
الخبر بتمامه وشرحه في كتاب الغيبة.
وقال عبد الحميد
بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : روي أن أبا جعفر محمد ابن علي الباقر عليهما السلام
قال لبعض أصحابه : يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا ، وما لقي
شيعتنا ومحبونا من الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبض وقد أخبر أنا
أولى الناس بالناس فتمالت علينا قريش حتى أخرجت الامر عن معدنه واحتجت على الانصار
بحقنا وحجتنا ، تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ، ونصبت
الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الامر في صعود كؤود حتى قتل.
فبويع الحسن
ابنه وعوهد ، ثم غدر به ، واسلم ، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه
وانتهب عسكره ، وعولجت خلاخيل امهات أولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته
، وهم قليل حق قليل.
ثم بايع الحسين
عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به ، وخرجوا عليه ، وبيعته في
أعناقهم فقتلوه.
ثم لم نزل أهل
البيت نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا
ودماء أولياءنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى
أوليائهم ، وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالاحاديث الموضعة
المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره
زمن معاوية ، بعد موت الحسين عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الايدي
والارجل على الظنة ، وكان من ذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت
داره.
ثم لم يزل
البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام ثم جاء
الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو
كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي ، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون
ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة ، من تفضيل من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق
الله تعالى شيئا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن
لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 66 ]
تاريخ النشر : 2026-08-03