أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
لما مات أمير المؤمنين عليه السلام خطب الحسن بالكوفة فقال : أيها الناس إن
الدنيا دار بلاء وفتنة ، وكل ما فيها فالى زوال واضمحلال ، فلما بلغ إلى قوله :
وإني ابايعكم على أن تحاربوا من حاربت ، وتسالموا من سالمت ، فقال الناس : سمعنا
وأطعنا فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين فأقام بها شهرين.
قال أبو مخنف : قال ابن عباس كلاما فيه : فشمر في الحرب ، وجاهد عدوك ودار
أصحابك ، واستتر من الضنين دينه بما لا ينثلم لك دين ، وول اهل البيوتات والشرف ،
والحرب خدعة ، وعلمت أن أباك إنما رغب الناس عنه ، وصاروا إلى معاوية ، لأنه آسا
بينهم في العطاء.
فرتب عليه السلام العمال ، وأنفذ عبد الله إلى البصرة ، فقصد معاوية نحو
العراق فكتب إليه الحسن عليه السلام : أما بعد فان الله تعالى بعث محمدا رحمة
للعالمين ، فأظهر به الحق وقمع به الشرك ، وأعز به العرب عامة ، وشرف به من شاء
منها خاصة فقال : « وإنه لذكر لك ولقومك » فلما قبضه الله تعالى تنازعت العرب
الامر من بعده ، فقالت الانصار : منا أمير ومنكم أمير ، فقالت قريش : نحن أولياؤه
وعشيرته ، فلا تنازعونا سلطانه ، فعرفت العرب ذلك لقريش ، ثم جاحدتنا قريش ما قد
عرفته العرب لهم ، وهيهات ما أنصفتنا قريش. الكتاب.
فأجابه معاوية على يدي جندب الازدي موصل كتاب الحسن عليه السلام : فهمت ما
ذكرت به محمدا (صلى الله عليه وآله) وهو أحق الاولين والآخرين بالفضل كله ،
وذكرت تنازع المسلمين الامر من بعده ، فصرحت بنميمة فلان وفلان ، وأبي عبيدة
وغيرهم ، فكرهت ذلك لك ، لان الامة قد علمت أن قريشا أحق بها ، وقد علمت ما جرى من
أمر الحكمين ، فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك ، وقد خرج أبوك منه. ثم
كتب أما بعد فان الله يفعل في عباده ما يشاء ، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ،
فاحذر أن تكون منيتك على يدي رعاع الناس وآيس من أن تد فينا غميزة ، وإن أنت أعرضت
عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت ، وأجزت لك ما شرطت ، وأكون في ذلك كما قال
أعشى بني قيس :
وإن أحد أسدى إليك كرامة
فأوف
بما تدعى إذا مت وافيا
فلا تحسد المولى إذا كان ذا غنى
ولا
تجفه إن كان للمال نائيا
ثم الخلافة لك من بعدي ، وأنت أولى الناس بها ، وفي رواية ولو كنت أعلم أنك
أقوى للأمر ، وأضبط للناس ، وأكبت للعدو ، وأقوى على جمع الأموال مني لبايعتك لأنني
أراك لكل خير أهلا ثم قال : إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر [ وأبيك ] بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله.
فأجابه الحسن عليه السلام : أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت وتركت
جوابك خشية البغي ، وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق فانك تعلم من أهله « وعلي إثم
أن أقول فأكذب ».
فاستنفر معاوية الناس فلما بلغ جسر منبج بعث الحسن عليه السلام حجر بن عدي
واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا ، ثم خف معه أخلاط من شيعته ومحكمة وشكاك وأصحاب
عصبية وفتن ، حتى أتى حمام عمر.
أقول : وساق الكلام نحوا مما مر إلى أن قال : وأنفذ إلى معاوية عبدالله بن
الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب فتوثق منه لتأكيد الحجة أن يعمل فيهم بكتاب
الله وسنة نبيه ، والامر من بعده شورى ، منه وأن يترك سب علي وأن يؤمن شيعته ، ولا
يتعرض لاحد منهم ، ويوصل إلي كل ذي حق حقه ويوفر عليه حقه ، كل سنة خمسون ألف درهم
، فعاهده على ذلك معاوية ، وحلف بالوفاء به ، وشهد بذلك عبدالله بن الحارث ، وعمرو
بن أبى سلمة ، وعبدالله بن عامر ابن كريز ، وعبد الرحمن بن أبي سمرة ، وغيرهم.
فلما سمع ذلك قيس بن سعد قال :
أتاني بأرض العال من أرض مسكن
بأن
إمام الحق أضحى مسالما
فما زلت مذ بينته متلددا
اراعي
نجوما خاشع القلب واجما
وروي أنه قال الحسن عليه السلام في صلح معاوية : أيها الناس إنكم لو طلبتم
ما بين جابلقا وجابرسا رجلا جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما وجدتموه
غيري وغير أخي وإن معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الامة ، وحقن دمائها ،
وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت ، وقد رأيت أن اسالمه ، وأن يكون ما صنعت
حجة على من كان يتمنى هذا الامر ، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
وفي رواية : إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها ، وإشفاقا على نفسي وأهلي والمخلصين
من أصحابي وروي أنه عليه السلام قال : يا أهل العراق إنما سخي عليكم بنفسي ثلاث :
قتلكم أبي ، وطعنكم إياي ، وانتهابكم متاعي.
ودخل الحسين عليه السلام على أخيه باكيا ثم خرج ضاحكا فقال له مواليه : ما
هذا؟ قال : العجب من دخولي على إمام اريد أن اعلمه ، فقلت : ماذا دعاك إلى تسليم
الخلافة؟ فقال : الذي دعا أباك فيما تقدم ، قال : فطلب معاوية البيعة من الحسين
عليه السلام فقال الحسن : يا معاوية لا تكرهه فانه لا يبايع أبدا أو يقتل ولن يقتل
حتى يقتل أهل بيته ، ولن يقتل أهل بيته حتى يقتل أهل الشام.
وقال المسيب بن نجبة الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي للحسن بن علي عليهما السلام
: ما ينقضي تعحبنا منك ، بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل
البصرة والحجاز فقال الحسن عليه السلام : قد كان ذلك ، فما ترى الآن فقال : والله
أرى أن ترجع لأنه نقض [ العهد ] ، فقال : يا مسيب إن الغدر لا خير فيه ولو اردت
لما فعلت وقال حجر بن عدي : أما والله
لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم ، فانا رجعنا راغمين بما
كرهنا ، ورجعوا مسرورين بما أحبوا.
فلما خلا به الحسن عليه السلام قال : يا حجر قد سمعت كلامك ، في مجلس
معاوية وليس كل إنسان يحب ما تحب ، ولا رأيه كرأيك ، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء
عليكم ، والله تعالى كل يوم هو في شأن ، وأنشأ عليه السلام لما اضطر إلى البيعة.
احامل أقواما حياء ولا أرى
قلوبهم
تغلي علي مراضها
وله عليه السلام :
لئن ساءني دهر عزمت تصبرا
وكل
بلاء لا يدوم يسير
وإن سرني لم أبتهج بسروره
وكل
سرور لا يدوم حقير
ايضاح : قوله عليه السلام « استتر من الضنين » الضنين البخيل أي استر دينك
ممن يبخل بدينه منك ، بأن لا يظهر ، لك دينه ، أو لا يوافقك في الدين ، على وجه لا
يضر بدينك بأن يكون على وجه المداهنة ، ويقال : « ليس له فيه غميزة » أي مطعن وأسدى
وأولى وأعطى بمعنى ، قوله « بما تدعى » أي أوف جزاء تلك الكرامة إيفاء تصير به
معروفا بعد موتك ، بأنك كنت وافيا.
قوله « إن كان للمال نائيا » أي بعيدا عن المال فقيرا وفلان يتلدد أي يلتفت
يمينا وشمالا ورجل ألد بين اللدد ، وهو شديد الخصومة ، والواجم الذي اشتد حزنه
وأمسك عن الكلام.
قوله عليه السلام : « إنما سخي عليكم » أي جعلني سخيا في ترككم قال
الجوهري : سخت نفسه عن الشيء إذا تركته قوله عليه السلام « ولا أرى قلوبهم » أي
اجاملهم ولا أنظر إلى غليان قلوبهم للحقد والعداوة ، ويحتمل أن تكون « لا » زائدة.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 55 ]
تاريخ النشر : 2026-08-03