تُعدّ لائحة روما الثانية الإطار الرئيسي في مجال تنازع القوانين في الاتحاد الأوروبي، ويتجسد هدفها في تحديد القانون الوطني واجب التطبيق على الالتزامات غير العقدية، متى ما كان النزاع يتضمن عناصر ذات طابع أجنبي، وتعمل الجهات القضائية المختصة في الدولة العضو على تطبيق قواعد هذه اللائحة، على نحو يضمن قدراً من الانسجام بين النظم القانونية المختلفة (1) .
عند حلول وقت التفاوض على لائحة روما الثانية، كانت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتبنى قواعدها الوطنية الخاصة بها، لتحديد القانون واجب التطبيق على الالتزامات غير العقدية، إلّا أن الحلول المقدمة على المستوى الوطني قد تباينت في نتائجها، من هذا المنطلق جاء تدخل المشرع الأوروبي في إطار لائحة روما الثانية لغرض البحث عن حلول تحد من مخاطر تضارب القوانين، وتوازن بين التقاليد المختلفة للدول الأعضاء (2) .
ويقتصر تطبيق لائحة روما الثانية على المسائل المدنية والتجارية وعلى الرغم من كون قواعد اللائحة ذات أصل أوربي، إلا أن يتم تطبيقها عالمياً، فوفقاً للتطبيق العالمي لو تسبب نظام ذكاء اصطناعي تديره شركة خارج الاتحاد الأوروبي - كبريطانيا مثلاً ، بضرر لشخص موجود في دولة
عضو، فإن محكمة هذه الدولة ستحدد القانون واجب التطبيق وفقاً لقواعد لائحة روما الثانية. (3) أن لائحة روما الثانية لا تتضمن أحكاما خاصة لتنازع القوانين في القضايا المتعلقة بتقنيات معينة، مثل قضايا الانترنت والذكاء الاصطناعي، فالسؤال الذي يطرح هل هناك ضرورة لوجود قواعد قانونية تنظم قضايا الذكاء الاصطناعي العابرة للحدود، أو تُعدّ القواعد العامة الواردة في لائحة روما الثانية كافية لتنظيم هذه القضايا (4) .
للإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إن قواعد تنازع القوانين الواردة في لائحة روما الثانية تعد ممكنة التطبيق على قضايا المسؤولية التقصيرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي(5) .
فقد اعتمدت لائحة روما على مجموعة من القواعد الموضوعية، لتحديد القانون واجب التطبيق في الالتزامات غير التعاقدية، وتبرز في هذا الشأن ستة قواعد، والتي سنبين مدى ملاءمتها للمنازعات الناشئة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، وعلى النحو الآتي:
أولاً: القاعدة العامة
تعد قاعدة مكان الإصابة أو قاعدة مكان تحقق الضرر الخيار الأول في المادة (4/1) من لائحة روما الثانية، إذ نصت على أنّه : (مالم ينص على خلاف ذلك في هذه اللائحة يكون القانون واجب التطبيق على الالتزام غير التعاقدي الناشئ عن فعل ضار / مخالفة، هو قانون الدولة التي وقع فيها الضرر، وبغض النظر عن الدولة التي وقع فيها الحدث المسبب للضرر، وبغض النظر عن الدولة أو الدول التي وقعت فيها التداعيات غير المباشرة لذلك الحدث )، نجد أن هذه الفقرة تمنح مسألة تنظيم التعويض عن الأفعال غير المشروعة، لقانون الدولة التي يظهر فيها أثر الفعل الضار . (6) إلا إنَّه في حال كان أطراف النزاع مقيمين في الدولة نفسها وقت وقوع الضرر، فسيتم اخضاع النزاع لقانون الدولة التي يتخذ فيها الطرفان محل إقامة معتادة مشتركة، وإذا انتفى هذا الاستثناء يُطبق القاعدة العامة الخاصة بقانون مكان تحقق الضرر ، وقد ورد هذا الاستثناء في الفقرة الثانية من المادة نفسها (7) .
ومن التطبيقات الأخرى لهذه القاعدة في منازعات العملات المشفرة، نجد قضية Fetch.ai إذ تمكن أشخاص مجهولين الهوية من الوصول إلى حساب التداول الخاص بالمدعي، إذ كان يحتوي على مجموعة من العملات المشفرة، فقاموا ببيعها بقيمة أقل من قيمتها السوقية، ونقلوا هذه العملات لحساب أطراف ثالثة، وجد القاضي المعروض أمامه النزاع أنّ هذه الدعوى تندرج ضمن نطاق المسؤولية التقصيرية، ومن ثم تخضع لأحكام المادة (4/1) من لائحة روما الثانية، وعبر هذه القضية يظهر كيفية تطبيق القاعدة العامة حتى في المنازعات العابرة للحدود المرتبطة بدفتر الأستاذ الموزع، إلا أنه في الوقت نفسه هناك بعض الصعوبات التي تنطوي على تطبيق هذه القاعدة على منازعات الأصول الرقمية أو معملات تتم في بيئة رقمية عابرة للحدود. (8)
أن قاعدة مكان تحقق الضرر يمكن تطبيقها بشكل جيد، على الأضرار المادية وحوادث المرور التي تتسبب بها المركبات ذاتية القيادة، إلا أن هناك بعض الصعوبات التي تواجه تطبيق هذه القاعدة على الأضرار غير المادية أو الافتراضية، كالانتهاكات الرقمية وأضرار البيانات والنتائج الخوارزمية العابرة للحدود، الأمر الذي يبدو معه صعوبة تحديد مكان تحقق الضرر (9).
ونجد صعوبة تطبيق قاعدة مكان تحقق الضرر في النزاعات التي تحدث في البيئة الرقمية، ففي قرار محكمة العدل الأوروبية في قضية (C-131/12,2014)- Google Spain، كان هناك نزاع يتعلق بظهور روابط تتضمن بيانات قديمة لأحد الأفراد ضمن نتائج محركات البحث، وعلى الرغم من كون هذه البيانات قد نشرت بشكل مشروع في الصحيفة، عدت المحكمة أن مشغل محرك البحث يُعدّ "معالجاً" ومسؤولاً عن البيانات وإتاحتها للجمهور، ومن ثم يكون ملزماً وفي ظروف معينة بإزالتها إذا أصبحت غير ملاءمة، وذلك حماية لحق الخصوصية، إلا أن المحكمة طبقت قانون حماية البيانات الأوروبية على هذه القضية استناداً إلى ارتباط هذا النشاط بمستخدم داخل الاتحاد الأوروبي، وليس على أساس اعتماد ضابط مكان تحقق الضرر أو مكان ارتكاب الفعل الضار (10) . كما أن هناك منازعات تتعلق بالمسؤولية التقصيرية عابرة للحدود تحدث في الممارسات القائمة على البلوك تشين، فإنّ تحديد القانون واجب التطبيق عليها وفقاً لهذه القاعدة قد يكون أمراً معقداً، إذ يصعب تحديد مكان تحقق الضرر خاصة في الممارسات القائمة على سلسلة الكتل الموزعة (11) .
ثانياً: قاعدة مكان السلوك
تعد قاعدة مكان السلوك في لائحة روما الثانية الخيار الثاني، الذي يمكن تطبيقه فيما يخص دعاوى المسؤولية التقصيرية المتعلقة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد نصت لائحة روما الثانية على قاعدة مكان السلوك في المادة (17) تحت عنوان قواعد السلوك والسلامة : (على المحكمة عند تطبيقها للقانون واجب التطبيق، يجب أن تراعي قواعد السلامة والسلوك السارية في الزمان والمكان اللذين وقع فيهما السلوك المسبب للضرر) (12).
إن مكان السلوك قد يكون المكان الذي تم فيه تشغيل أو تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، هذه القاعدة ستمكن المطورين والمشغلين بسهولة التنبؤ بالقانون واجب التطبيق على مسؤوليتهم في القضايا العابرة للحدود، ومن ثم سيجري تطبيق قانون موطن هؤلاء على الأنشطة التي تؤدي إلى أضرار بالغير خارج الولاية القضائية لدولهم (13).
كما أن هذه القاعدة تؤثر على المنافسة في السوق، إذ يكون بوسع الجهات الفاعلة الاقتصادية دخول السوق مع الخضوع لقواعد المسؤولية المدنية في دولتهم، الأمر الذي يجعلهم يتمتعون بميزة تنافسية على الجهات الفاعلة الاقتصادية المحلية في السوق المحلية (14) .
ثالثاً: مبدأ الاختيار
يُعد مبدأ الاختيار هو الخيار الثالث يقوم هذا المبدأ على الجميع بين كل من القاعدة العامة الخاصة بمكان تحقق الضرر وقاعدة مكان السلوك، ونصت لائحة روما على هذا المبدأ في المادة (7) تحت عنوان الأضرار البيئية، على أنه : (القانون واجب التطبيق على الالتزام غير تعاقدي الذي يلحق الأشخاص أو الممتلكات نتيجة مثل هذا الضرر ، يكون القانون المحدد وفقاً للمادة (4/1)، مالم يختار الشخص الذي يلتمس التعويض عن الضرر أن يؤسس دعواه على القانون المعمول به في الدولة التي وقع فيها الحدث الذي أدى إلى ضرر ) (15)، فوفقاً لهذه القاعدة يمنح للمضرور الحق باختيار القانون الذي يحقق له حماية أوسع، فيمكن تطبيق القاعدة نفسها على الأضرار المعقدة التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وذلك لضمان حماية المؤسسات والأفراد، فاستخدام هذا المبدأ يؤدي إلى تعزيز التعويض العادل وتستند هذه القاعدة إلى الحق في حماية البيئة، الذي يفترض تحقيق مستوى عالٍ من الحيطة واتخاذ التدابير الوقائية، وتقديم المعالجات التصحيحية عند المصدر، فضلاً عن مبدأ "الملوث يدفع "، لذلك يعد هذا المبدأ الوسيلة التي ترجح حماية المتضررين، وتحقق لهم أكبر قدر في مواجهة الأضرار المعقدة (16) .
رابعاً : قاعدة استهداف السوق
تعد هذه القاعدة الخيار الرابع، تستخدم هذه القاعدة لتحديد القانون واجب التطبيق على المنازعات العابرة للحدود، تقوم هذه القاعدة على اسناد الاختصاص التشريعي إلى قانون الدولة التي تم توجيه المنتج إليها أو النظام التقني قصداً من خلال إتاحة الخدمات رقمياً، أو عبر سياسات التسويق وتنظيم قنوات التوزيع، الأمر الذي يجعل دخول المنتج أمرا متوقعاً، فيمكن تطبيق هذه القاعدة على الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من قاعدة مكان السلوك والقاعدة العامة (17) .
وقد نصت المادة (5/1) من لائحة روما الثانية على هذه القاعدة، تحت عنوان مسؤولية المنتج، إذ نصت على انه : (1 - دون الاخلال بأحكام المادة 4(2) ، يكون القانون واجب التطبيق على الالتزام غير التعاقدي، عن الضرر الناتج عن منتج ما كما يلي: أ - القانون في دولة الإقامة المعتادة للشخص الذي تكبد الضرر وقت وقوعه، إذا كان المنتج قد تم تسويقه في تلك الدولة، أو إذا لم يطبق ذلك ؛ بالقانون في الدولة التي تم شراء المنتج إذا كان المنتج قد تم تسويقه في تلك الدولة، أو إذا لم يطبق ذلك ؛ ج - القانون في الدولة التي وقع فيها الضرر، إذا كان المنتج قد تم تسويقه في تلك الدولة، ومع ذلك يكون القانون واجب التطبيق قانون الدولة التي يقيم فيها المدعى عليه إذا كان من غير المعقول أن يتوقع هذا الشخص، تسويق المنتج أو منتج من نفس النوع في الدولة التي يكون قانونها معمولاً به بموجب البند أ وب وج ).(18)
من خلال نص المادة (5)، نلاحظ أنها نظمت سلسلة هرمية من الروابط القانونية لتحديد القانون واجب التطبيق، كما أنّ هذه المادة تسعى إلى توفير حماية للمضرور الذي عادة ما يكون المستهلك، وكذلك تمكن المنتج من توقع القانون واجب التطبيق، إلا أنه ينبغي الإشارة بخصوص تفسير مفهوم "المنتج"، إذ يجب تفسيره بشكل مستقل في اطار القانون الأوروبي ، كون تعريف المنتج في توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن مسؤولية المنتج، يتعلق فقط بالسلع المادية أما البرمجيات والبيانات المستقلة فإنها تُعدّ من الإشكاليات التي تواجه تطبيق القانون، إلّا أنّ هناك بعض المبادرات التي تدعو إلى تحديث قواعد المسؤولية عن المنتج بشكل يتلائم مع البيئة الرقمية (19) .
ويُعد قانون الدولة التي يقيم فيها المضرور إقامة معتادة هو العامل الأول الذي ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار، شرط أن يكون المنتج قد تم تسويقه في تلك الدولة، أما باقي العوامل فتفعل في حالة عدم تحقق الشرط الخاص بتسويق المنتج في دولة إقامة المضرور، مع الأخذ بالاعتبار أن قانون دولة ثانية يمكن تطبيقه متى ما تبين من ظروف القضية أن هناك قانوناً أوثق صلة بالنزاع، وذلك بالاستناد إلى المادة (5/2) (20).
خامساً: قانون بلد الحماية
أدخلت لائحة روما الثانية نظاماً قانونياً خاصاً للالتزامات غير العقدية الناشئة عن انتهاك حقوق الملكية الفكرية، ويتجسد هذا التنظيم في المادة (8) من هذه اللائحة، إذ نصت على أنه : (1- يُطبق قانون الدولة التي يُطالب فيها بالحماية على أي التزام غير تعاقدي ناشئ عن انتهاك حق من حقوق الملكية الفكرية. 2- في حالة الالتزام غير التعاقدي الناشئ عن انتهاك حق من حقوق الملكية الفكرية الموحدة للاتحاد الأوروبي، يُطبق قانون الدولة التي ارتكب فيها فعل الانتهاك، وذلك في أي مسألة لا ينظمها الصك الاتحادي ذي الصلة. 3- لا يجوز مخالفة القانون المطبق بموجب هذه المادة بموجب اتفاق وفقاً للمادة (14)(21) .
تنص هذه المادة على مبدأ قانون الدولة التي يطلب الحماية بموجبها هو القانون واجب التطبيق وقد وضحت المادة هذا المبدأ باستخدام عامل الربط المتمثل في مكان الانتهاك، ويلاحظ أن هذه اللائحة قد منعت الأطراف من اختيار القانون الواجب التطبيق، وذلك تطبيقاً لمبدأ إقليمية حقوق الملكية الفكرية"، أما في مجال منازعات الذكاء الاصطناعي فإن تطبيق هذه المادة قد يواجه صعوبات، هذا يرجع إلى الطبيعة الجامدة لهذه المادة، فهي لا تسمح للأطراف بحرية الاختيار على خلاف القاعدة العامة الواردة في المادة (4) من هذه اللائحة، إذ تسمح بالاستناد إلى قانون مكان وقوع الضرر أو المكان الأكثر ارتباطاً بالنزاع، وتتجلى الصعوبة الأخرى في حالة حدوث انتهاكات متعددة الدول ولاسيما في البيئة الرقمية، فعند تطبيق هذه القاعدة قد يؤدي إلى خضوع النزاع لقوانين متعددة وذلك استناداً إلى الدول التي وقع فيها النزاع، وقد يؤدي في الوقت نفسه إلى صعوبة تحديد مكان وقوع الانتهاكات ولاسيما في ظل المعالجة السحابية واللامركزية الخوارزمية، إضافة إلى صعوبات مرتبطة بانتشار النتائج عبر عدة ولايات وتعدد مواقع وقوع الضرر، هذا يحدث في حال استخدام الذكاء الاصطناعي لانتهاك البيانات المحمية بحقوق الملكية الفكرية (22).
.... ، فهناك صعوبات أكثر تعقيداً عندما يحدث انتهاك لحقوق الملكية الفكرية عبر شبكة البلوك تشين، إذ إنّ البيانات أو المحتوى يكون موجوداً في دول عديدة، الأمر الذي يتطلب إنفاذ الحماية على نطاق عالمي، لذلك فإنّ وقف انتهاك لمصنف محمي بحقوق الطبع والنشر موجود على شبكة بلوك تشين موزعة عالمياً، يتطلب إجراءات قانونية تتجاوز حدود دولة واحدة، هناك من يقترح استخدام تقنية دفتر الأستاذ الموزع لحماية وإدارة حقوق الملكية الفكرية بدلاً من قانون بلد الحماية إلا أنّ هذا المقترح لم يحظ بقبول (23) .
لذلك يرى بعض الفقه ضرورة مراجعة القواعد الحالية لتنازع القوانين الخاصة بالملكية الفكرية في منازعات الذكاء الاصطناعي، بإدخال قدر من المرونة على مبدأ قانون مكان الحماية بوصفه القاعدة الأساسية، لأنه يمثل الانعكاس لمبدأ الإقليمية في حماية حقوق الملكية الفكرية (24).
إضافة لما تقدم، فأنّ الضرر المنصوص عليه في لائحة روما الثانية لا يقتصر على الضرر المادي بل يشمل الضرر المعنوي أيضاً في منازعات الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، شركة مقرها في إسبانيا تعمل على إنتاج أداة تحتوي أنظمة ذكاء اصطناعي، تم تسويق تلك الأداة في سوق داخل الاتحاد الأوروبي، هذه الأداة قامت بإنتاج مقطع فيديو معدل ونشر عبر الإنترنت، لشخص مقيم في بولندا، وتسبب هذا المقطع بإلحاق ضرر بسمعة هذا الشخص ، لتحديد القانون واجب التطبيق على هذه القضية، يمكن مراعاة التسلسل الهرمي للمادة (5) من لائحة روما الثانية، إلا أنه ينبغي لتطبيق هذه المادة مراعاة أن المنتج المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد طرح في السوق المعنية أم لا (25) .
أما فيما يتعلق باستثناء النظام العام، فعلى القاضي الوطني رفض تطبيق أي قانون أجنبي، متى ما تعارضت نتائج تطبيقه مع القيم الأساسية لقانونه الوطني (26) . فبموجب لائحة روما الثانية، هناك آلية تعرف بـ "فرامل "الطوارئ" أي استثناء النظام العام، بموجب هذه الآلية يحق للمحاكم الأوربية المختصة، رفض تطبيق القانون الأجنبي متى ما تبين أن هذا القانون يتعارض مع المبادئ والقيم الأساسية للدولة العضو تكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في منازعات الذكاء الاصطناعي الناشئة عن المسؤولية التقصيرية، إذ إنّه في الاتحاد الأوروبي يمكن تصور وجود سياسة عامة، تهدف إلى تحقيق التوازن بين الشجيع على الابتكار وضمان المسؤولية في تنظيم الذكاء الاصطناعي، فبموجب هذه الآلية يمكن رفض تطبيق قانون يتعارض مع السياسة العامة للاتحاد الأوروبي (27) .
من خلال ما تقدم، يتبين لنا أن لائحة روما الثانية في الوقت الحاضر، لا تتطلب تعديلاً تشريعياً فورياً، وإنما ينبغي العمل على توجيه تفسير قواعد تنازع القوانين المنصوص عليها في اللائحة، بما ينسجم مع الأهداف التي نص عليها نظام المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي على مستوى الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يجب أن يشكل النظام القانوني إطاراً يوازن بين تيسير الحصول على التعويض، وتوفير اليقين القانوني الكافي لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي (28) .
سادساً: القانون الاوثق صلة بالنزاع استناداً إلى الطبيعة العابرة للحدود فيما يخص الأضرار التي تتسبب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يستدعي البحث عن قواعد اسناد تكون أكثر ملاءمة، بحيث تتجاوز الإشكاليات التي تواجه تطبيق قواعد الإسناد التقليدية، فلابد من وجود درجة من التوافق والتنسيق الدولي لمواجهة هذه التحديات (29) .
وفي هذا السياق يستفاد من النهج الذي كرسه الاتحاد الأوروبي في المادة (4/3) من لائحة روما الثانية إذ نصت على أنه : "عندما يتضح من جميع ظروف القضية أن الفعل غير التعاقدي (الضرر الخلاف) مرتبط ارتباطاً واضحاً بدولة غير تلك المشار إليها في الفقرتين 1 أو 2، فيجري تطبيق قانون تلك الدولة الأخرى. ويمكن أن يستند الارتباط الواضح بدولة أخرى إلى علاقة قائمة مسبقاً بين الأطراف، مثل عقد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفعل غير التعاقدي محل النزاع."، فيعد معيار القانون الأوثق صلة بالنزاع من المعايير التي تفسح مجالاً للقاضي، متى ما تبين له أن عناصر النزاع ترتبط ارتباطاً واضحاً بقانون دولة أخرى غير قانون مكان تحقق الضرر وقانون مكان الإقامة المعتادة للأطراف، بحيث يلجأ إليه لاعتباره أكثر ملاءمة في تحقيق العدالة وتوازن المصالح (30).
يُعد هذا المعيار من المقترحات التي تبناها الفقه حديثاً، لمعالجة الإشكاليات الناشئة عن تحديد القانون واجب التطبيق في منازعات الذكاء الاصطناعي، وهو بخلاف المعايير التقليدية، إذ إنه يرتكز على فلسفة قانونية تقوم على اعتبار القانون الأصلح للتطبيق هو القانون الأوثق ارتباطاً بالوقائع الأساسية للنزاع، إنّ هذا المعيار يسمح القاضي بموازنة العناصر المتعلقة بتلك القضايا، مثل مقر تشغيل النظام الذكي ومقر تشغيل الخوارزمية والبنية التقنية التي استخدمت في الواقعة، وقد أيد الفقيه السويدي (UlfMaunsbach) هذا المعيار، إذ يرى أنّ النزاعات الرقمية يجب أن تستند إلى مبدأ العلاقة الموضوعية والواقعية الأوثق صلة ولا يمكن ضبطها من خلال قواعد تنازع القوانين الخطية (31) .
إن معيار الأوثق صلة أصبح موضع اهتمام في القوانين المقارنة ، ففي القانون الكندي تم تبني هذا المعيار في بعض القرارات التي أصدرتها محكمة العدل العليا تحت مسمى "الارتباط الحقيقي الجوهري"، إذ يُعد المصطلح العملي لمعيار الأوثق صلة. فقد استخدمته المحاكم لتحديد القانون واجب التطبيق في قضايا التعدي على الخصوصية في الإنترنت وغيرها من القضايا المتعلقة بالمجال الرقمي والتي تتصف بالتعقيد، كما أوصت لجنة إصلاح القانون (ALRC) في استراليا عام 2022، بإضافة قانون الأوثق صلة ضمن المعايير المرجحة لتحديد القانون واجب التطبيق على القضايا المرتبطة بأنظمة ذكية متعددة الجنسيات، وذلك من خلال تعديل قانون المسؤولية المدنية، أما في الإمارات العربية المتحدة فقد ظهرت مناقشات ضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031" ، كانت هذه المناقشات تدور حول تحديث قانون المعاملات لاعتماد قواعد اسناد أكثر مرونة وقد كان معيار الأوثق صلة احد الحلول المقترحة، أن هذا المعيار يتضمن معايير تقنية دقيقة مثل، موقع تطوير البرمجيات ومكان استضافة الخوادم، إضافة إلى طبيعة التفاعل بين الإنسان والأنظمة الذكية، الأمر الذي يجعل هذا المعيار أكثر انسجماً مع بيئة الذكاء الاصطناعي المتغيرة.(32) على الرغم مما يوفره هذا المعيار من مزايا، إلّا أنّ العمل به في المنازعات العابرة للحدود التي تحدث في الفضاء الافتراضي يواجه تحديات، فالقضاء يواجه صعوبة عند تحديد هذا المعيار، لاسيما في النزاعات المتعلقة بالمنظمات اللامركزية المستقلة، كونها تفتقر لوجود مادي، مما يستدعي القيام بتقييم قانوني دقيق لتحديد مراكز ثقل النشاط الرقمي لتحديد القانون الأكثر ملاءمة للنزاع. (33) نرى من خلال هذا المبحث أنّ عدم وجود قواعد اسناد خاصة لتنظيم تنازع القوانين في المنازعات العابرة للحدود لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يقتضي الرجوع إلى القواعد التقليدية المنصوص عليها سواء في التشريعات الوطنية أو تلك الواردة في لائحة روما الثانية، على الرغم مما تعتري تطبيق تلك الضوابط من صعوبات، إلا أن تطبيقها على تلك المنازعات يقتضي وجود قدراً من المرونة والتفسير الموسع، بحيث تنسجم مع ما تتمتع به تلك الأنظمة من خصوصية رقمية، فإن إعمال تلك القواعد في منازعات الذكاء الاصطناعي الناشئة عن المسؤولية التقصيرية، يمثل خطوة أساسية لتحقيق التوازن بين حماية المضرور واليقين القانوني، كون هذه المنازعات ذات طبيعة عابرة للحدود، الأمر الذي يقتضي البحث عن المحكمة المختصة للنظر في تلك المنازعات.
____________
1-Daria Lunca,Towards a Coherent EU Civil Liability Regime for AI-Caused Harm, European Journal of Law and Public Administration, vol. 12, no. 1, 2025, p.34
2- Benedetta Cappiello, AI-Systems and Non-Contractual Liability: A European Private International Law Analysis (Torino: Giappichelli), 2021, p.37.
3- Jan von Hein, Forward to the Past: A Critical Evaluation of the European Approach to Artificial Intelligence in Private International Law, Cambridge University Press, p. 213.
4- Michal Malacka, AI Legislation, Private International Law and the Protection of Human Rights in the European Union, European Studies - the Review of European Law, Economics and Politics 11, no. 1, 2024, p.129.
5- Ibid
6- Regulation (EC) No 864/2007 of the European Parliament and of the Council of 11 July 2007 on the law applicable to non-contractual obligations (Rome II), art. 4(1), OJ L 199, 31.7.2007, which provides that:
1-Unless otherwise provided for in this Regulation, the law applicable to a non- contractual obligation arising out of a tort/delict shall be the law of the country in which the damage occurs, irrespective of the country in which the event giving rise to the damage occurred and irrespective of the country or countries in which the indirect consequences of that event occur.
2- However, where the person claimed to be liable and the person sustaining damage both have their habitual residence in the same country at the time when the damage occurs, the law of that country shall apply. Available at : https://eur-lex.europa.eu/legal - content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A32007R0864.
7- Marek Świerczyński and Zbigniew Więckowski, Liability for Damages Caused by Artificial Intelligence Systems - Main Challenges to Be Addressed by the European Union Conflict-of-Laws Regulations, Prawo w Działaniu. Sprawy Cywilne 54, 2023, p.p.213-214.
8- Sophia Hurst, Decrypting Conflict of Laws, Butterworths Journal of International Banking and Financial Law, 2023, p.161.
9- Michal Malacka, Op. Cit., p.129.
10- Court of Justice of the European Union, Google Spain SL and Google Inc. v Agencia Española de Protección de Datos (AEPD) and Mario Costeja González, Case C-131/12, Judgment of 13 May 2014, Press Release No. 70/14, available at: https://curia.europa.eu/jcms/upload/docs/application/pdf/2014-05/cp140070en.pdf,
Visited on 25/12/2025.
11- European Union Blockchain Observatory and Forum, Legal and Regulatory Framework of Blockchains and Smart Contracts, Thematic Report (European Commission, n.d.), p.13.
12- Council of the European Union, Regulation (EC) No. 864/2007 of 11 July 2007 on the law applicable to non-contractual obligations (Rome II), OJ L 199, 31 July 2007, 40-49, Art. 17:"In assessing the conduct of the person claimed to be liable, account shall be
taken,as a matter of fact and in so far as is appropriate, of the rules of safety and conduct which were in force at the place and time of the event giving rise to the liability."
13- أستاذنا د. جليل حسن الساعدي ود. لبنى عبد الحسين السعيدي، أزمة القانون الدولي الخاص في منازعات الذكاء الاصطناعي، الطبعة الأولى لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2023 ، ص212.
14- Michiel Poesen, Op. Cit., p.11.
15- Council of the European Union, Regulation (EC) No. 864/2007 of 11 July 2007 on the law applicable to non-contractual obligations (Rome II), OJ L 199, 31 July 2007, 40-49, Art.7: Environmental damage:
"The law applicable to a non-contractual obligation arising out of environmental damage or damage sustained by persons or property as a result of such damage shall be the law determined pursuant to Article 4(1), unless the person seeking compensation for damage chooses to base his or her claim on the law of the country in which the event giving rise to the damage occurred."
16- Michiel Poesen, Op. Cit., p.11.
17- Daria Lunca, Op. Cit., p.35.
18- Council of the European Union, Regulation (EC) No. 864/2007 of 11 July 2007 on the law applicable to non-contractual obligations (Rome II), OJ L 199, 31 July 2007, 40- 49, Art 5: Product liability: Without prejudice to Article 4(2), the law applicable to a non- contractual obligation arising out of damage caused by a product shall be:
(a) the law of the country in which the person sustaining the damage had his or her habitual residence when the damage occurred, if the product was marketed in that country; or, failing that,
(b) the law of the country in which the product was acquired, if the product was marketed in that country; or, failing that,
(c) the law of the country in which the damage occurred, if the product was marketed in that country.
However, the law applicable shall be the law of the country in which the person claimed to be liable is habitually resident if he or she could not reasonably foresee the marketing of the product, or a product of the same type, in the country the law of which is applicable under (a), (b) or (c).
2- If it is clear from all the circumstances of the case that the non-contractual obligation is more closely connected with a country other than those referred to in paragraph 1, the law of that other country shall apply.
19- Jan von Hein, Op. Cit., p.p.217-218.
20- Michiel Poesen, Op. Cit., p.12.
21- Council of the European Union, Regulation (EC) No. 864/2007 of 11 July 2007 on the law applicable to non-contractual obligations (Rome II), OJ L 199, 31 July 2007, 40-49, Art. 8: Infringement of intellectual property rights:
1. The law applicable to a non-contractual obligation arising from an infringement of an intellectual property right shall be the law of the country for which protection is claimed.
2. In the case of a non-contractual obligation arising from an infringement of a unitary Community intellectual property right, the law applicable shall, for any question that is not governed by the relevant Community instrument, be the law of the country in which the act of infringement was committed.
3. The law applicable under this Article may not be derogated from by an agreement pursuant to Article 14.
22- Marek Świerczyński and Zbigniew Więckowski, Intellectual Property and Artificial Intelligence - Selected Issues, Prawo i Więź 41, no. 3, 2022, p.p. 192-196.
23- Andrea Bonomi, Matthias Lehmann, and Shaheeza Lalani, eds., Blockchain and Private International Law, International and Comparative Business Law and Public Policy, vol. 4 (Leiden and Boston: Brill/Nijhoff, 2023), p.414.
24- Marek Świerczyński and Zbigniew Więckowski, Op. Cit., p.196.
25- Daria Lunca, Op. Cit., p.36.
26- Ministère de la Culture (France), Executive Summary - Mission Report on the Applicable Law, under the Rules of Private International Law, to Generative Artificial Intelligence Models Available at the European Union, report presented to the High Council of Literary and Artistic Property, chaired by Tristan Azzi, rapporteur Yves El Hage (Paris, 2023).
27- Michiel Poesen, Op. Cit., p.15.
28- Marek Świerczyński and Zbigniew Więckowski, Op. Cit., p.211.
29- محمد جمال أبو رحاب المسؤولية المدنية الدولية الناشئة عن قرارات الذكاء الاصطناعي: إشكالية الفعل الضار عبر الحدود مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، المجلد 37 ، العدد 2 2025، ص 363.
30- Feriha Bilge Tanrıbilir, "Milletlerarası Özel Hukukta Ürün Sorumluluğuna İlişkin Kurallara Genel Bakış," in Sorumluluk ve Tazminat Hukuku Sempozyumu, 2009, p.289.
31- هدى عبد الزهرة باش الاعرجي القانون واجب التطبيق في نزاعات المسؤولية التقصيرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، رسالة ماجستير، كلية القانون - جامعة القادسية، 2025 ص 156.
32- هدى عبد الزهرة باش الاعرجي القانون واجب التطبيق في نزاعات المسؤولية التقصيرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، رسالة ماجستير، كلية القانون - جامعة القادسية، 2025 ص 158-160.
33- Ana Mercedes Lopez Rodriguez, Consumer Protection in Blockchain-Based Metaverses: A Comparative Study of Cross-Border Legal Gaps and Platform Governance, Op. Cit., p.8.