0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

ضوابط الاختصاص القضائي الدولي في العقود الذكية

المؤلف:  مريم باسم قاسم حميد

المصدر:  القانون واجب التطبيق والمحكمة المختصة في منازعات الذكاء الاصطناعي

الجزء والصفحة:  ص 63-72

2026-10-07

68

+

-

20

يُعد غياب اتفاق أطراف العقد الذكي على تحديد المحكمة المختصة، من الصعوبات الجوهرية التي تتم مواجهتها في تلك العقود، وذلك بسبب الطبيعة اللامركزية لهذه العقود، فضلاً عن كونها تنفذ تلقائياً على شبكات البلوك تشين، من دون تحديد مكان إبرامها أو تنفيذها، لذلك في حال عدم تضمين العقد الذكي بنداً يشير إلى محكمة مختصة، سواء تم تضمين هذا البند في العقد الأساسي المدعوم بالعقد الذكي او في العقد الذكي مباشرة من خلال الكود البرمجي، قد تضطر المحاكم حال نشوء نزاع بين أطراف العقد الذكي، إلى البحث عن ضوابط قانونية بديلة لتحديد المحكمة المختصة. (1) لذلك فإنّ غياب الاتفاق على تحديد المحكمة المختصة في العقود الذكية، يثير العديد من إشكالات، منها ما يتعلق بتحديد الجهة القضائية المختصة بسبب البيئة الرقمية لسلسلة الكتل، وصعوبة تحديد هوية الأطراف في سلاسل الكتل العامة، فإنّ الطبيعة العابرة للحدود لهذه التقنية، تؤدي إلى حدوث تحديات تتعلق بتطبيق قواعد القانون الدولي الخاص، المتعلقة بتحديد الجهة القضائية المختصة. (2)
إن تطبيق قواعد القانون الدولي الخاص لتحديد الجهة القضائية المختصة، يمكن أن يؤدي إلى عدم استقرار العلاقات التعاقدية، لأن هذه القواعد قد تؤدي إلى نتائج لا تنسجم مع إرادة الأطراف المفترضة، ومن ثم قد يكون هناك درجة من عدم اليقين القانوني في المعاملات التي تتم من خلال العقود الذكية، إذ أنّ غياب اتفاق الأطراف على تحديد الجهة القضائية المختصة، قد يدفع بأحد الأطراف أن يقيم الدعوى أمام محكمة يعتقد انها ملاءمة لمصلحته، الأمر الذي يدفع بالطرف الآخر الدفاع في أكثر من جهة قضائية، ومن ثمّ قد يتطلب هذا الأمر نفقات مالية وتنظيمية. (3)
في هذا السياق، تُعدّ لائحة بروكسل الأولى المعدلة، الإطار التنظيمي لتحديد الجهة القضائية المختصة في الاتحاد الأوروبي، عند غياب اتفاق أطراف العقد على تحديد المحكمة المختصة للنظر في النزاع ، فعلى وفق المادة (1/7) من هذه اللائحة، ينعقد الاختصاص القضائي لمحاكم الدولة العضو التي يقع فيها مكان تنفيذ الالتزام محل النزاع (4)، يمكن تطبيق هذه المادة على منازعات العقود الذكية، فبسبب الصعوبات العملية في تحديد المكان المادي لإبرام تلك العقود أو تنفيذها، واستناداً لهذه المادة يتوقف تحديد المحكمة المختصة على الدولة التي يتم فيها تنفيذ الالتزام، ففي عقود بيع السلع يكون مكان تنفيذ الالتزام هو الدولة التي يتم فيها تسليم السلع فعلياً أو كان ينبغي تسليمها وفقاً للعقد، أما في عقود الخدمات فيكون مكان تنفيذ الالتزام في الدولة التي يتم فيها تقديم الخدمات أو كان ينبغي تقديمها إنّ هذه القواعد يتم تطبيقها على العقود الذكية أيضاً، فيما إذا كان العقد يتعلق بنقل سلعة أو تقديم خدمات عبر الوسائط الرقمية، إذ يعتمد على مكان التنفيذ الافتراضي أو الفعلي للالتزام، إلّا أنّه هنالك بعض الإشكاليات، وهي عندما يتعلق العقد الذكي بمحتوى رقمي أو سلع افتراضية، لأنه من الصعب تحديد موقعها مادياً، كالعقود الذكية الخاصة ببيع الأصول المشفرة تلك المتعلقة بنقل الملكية الرقمية عبر تقنية البلوك تشين، وفي هذا الشأن، أشارت محكمة العدل الأوروبية في قضية متعلقة بتنزيل برامج حاسوبية، على اعتبار إتاحة المحتوى الرقمي للعميل من خلال تنزيله بأنه "بيعاً"، إذ عدته من الناحية القانونية عملية مشابهة لتنزيل تلك البرامج على أقراص مضغوطة، لأن كلتا الطريقتين تؤديان إلى نقل حق الملكية في النسخة الرقمية ، وقد أكدت المحكمة على عدم وجود فارق جوهري بين هاتين الطريقتين، لأنّ كليهما يمثلان عملية نقل لحق الملكية، لكن في بعض الأحيان لا توجد نية لنقل ملكية النسخة الرقمية، وإنما فقط إتاحة النسخة للعميل لمدة محدودة من الزمن في هذه الحالة لا يمكن عدها عملية بيع للسلع، وقد يكون الدليل في مثل هذه الحالات هو عقد الترخيص الذي يوضح من خلاله منح العميل حق استعمال مؤقت للنسخة الرقمية، الأمر الذي يجعل هذه المعاملة أقرب إلى عقد تقديم الخدمات، لذلك يفضل أن تُصنف تلك العقود التي لا يتم فيها نقل ملكية النسخة الرقمية على أنها عقود خدمات، وذلك من أجل تطبيق أحكام المادة (1/7) (ب) من لائحة بروكسل الأولى المعدلة، يتضح مما تقدم، أن تحديد مكان تسليم السلع أو تقديم الخدمات في العقود التي تنفذ التزاماتها عبر الإنترنت من أبرز الإشكاليات المعقدة والمتعلقة بتطبيق قواعد الاختصاص القضائي على المعاملات الرقمية، هنالك معايير عدة يمكن الاستناد إليها من أجل تحديد نقطة اتصال ذات صلة لمعرفة الجهة القضائية المختصة منها المكان الذي يرسل منه المحتوى الرقمي، أو موقع الخادم الذي يستضيف المحتوى الرقمي، أو موطن مقدم الخدمة او البائع، فضلاً عن المكان الذي يتم فيه تسلم المعلومات، استناداً إلى توجهات الفقه والقضاء الأوروبي، جعلوا من موطن مقدم الخدمة المكان الرئيسي لتقديم الخدمة بموجب العقد، وذلك في الحالات التي يتم تقديمها عبر الإنترنت، بوصفها الجهة التي تدار منها العناصر الأساسية المرتبطة بتنفيذ الالتزامات الرقمية لغرض إتاحتها للمستفيد، نجد أن المشرع الأوروبي قد منح حماية خاصة للمستهلكين، وذلك بمنحه منتدى قضائي يعكس مركزه الاقتصادي والقانوني كونه الطرف الضعيف مقارنة بالمهني، وذلك استناداً إلى المادة (18) من لائحة بروكسل الأولى المعدلة، حيث قيدت الاختصاص القضائي على المهني، بحيث لا يجوز له رفع دعوى ضد المستهلك إلا أمام محاكم الدولة العضو التي يقيم فيها. (5)
وفي ضوء ما تقدم، فإنّ العقود الذكية التي لا تحتوي على اتفاق لتحديد المحكمة المختصة، يصبح من الضروري اللجوء إلى القواعد العامة لتحديد المحكمة المختصة للنظر في النزاع، بحيث يتم تفعيل المنتديات التقليدية للاختصاص القضائي، منها قاعدة موطن المدعى عليه، وقاعدة مكان تنفيذ الالتزام، وسنتكلم عن هاتين القاعدتين على النحو الآتي: (6)
أولاً: قاعدة موطن المدعى عليه
وفقاً لهذه القاعدة، ينعقد الاختصاص القضائي في الدعاوى التي ترفع على الأجنبي المدعى عليه، لمحاكم الدولة التي يوجد بها موطنة أو محل إقامته، ويُعدّ هذا الضابط من أكثر الضوابط شيوعاً في التشريعات الوطنية، كما يُعدّ ضابطاً إقليميا لأنه قائماً على أساس الرابطة التي تربط الشخص بإقليم دولة ما، فضلاً عن ذلك، فإنّ لهذا الضابط أهمية خاصة، وذلك بسبب كون الدولة التي تقوم بإصدار الحكم في مواجهة المدعى عليه، ستكون هي الأقدر على إلزامه به، لتوفر الرابطة الجدية بين المدعى عليه وتلك الدولة، والمتمثلة في موطنه على أراضي تلك الدولة. (7)
في العقود الذكية القائمة على شبكة البلوك تشين، تكون هنالك حالات تنشئ قدراً من الارتباط الإقليمي بجهة قضائية معينة، الأمر الذي يسمح بإنشاء السلطة القضائية لتلك الجهة، هذا الأمر قد يكون محدوداً في الواقع العملي، إلا أنه يكون ممكنا في سلاسل الكتل الخاصة، لأنها تعد من الأنظمة التي ترتبط بولاية قضائية معينة، خلافاً لما عليه في سلاسل الكتل العامة، كونها تفتقر إلى روابط إقليمية، لذلك في حال وجود نزاع ناشئ عن عقد ذكي، فإن هذا النزاع يكون عابراً للحدود، الأمر الذي يجعل جمع الأدلة الرقمية أمراً في غاية الصعوبة، ويجعل من تحديد المحكمة المختصة أمراً معقداً بدرجة أكبر. (8)
فأن من أهم الإشكاليات التي تواجه قاعدة عنوان المدعى عليه في العقود الذكية، هي عدم كشف الأطراف عن هوياتهم، مما يجعل إمكانية معرفة المدعى عليه ومكان إقامته أمراً في غاية التعقيد، في بعض حالات التي تحدث على شبكة البلوك تشين مثل سرقة الأصول المشفرة أو تحويلها عبر الشبكة، تؤدي مجهولية الهوية إلى استحالة معرفة من قام بفعل السرقة أو من بحيازته تلك الأصول، ومن ثم فإن عدم معرفة من قام بفعل السرقة يجعل من الصعب رفع دعوى على السارق أمام محكمة موطنه لتعذر معرفة موطنه. (9)
كما إن مجهولية الهوية لا تؤثر في تحديد الاختصاص القضائي فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى مسائل أخرى منها ، صحة تكوين العقد، وأهلية أطراف العقد، إضافة إلى إمكانية تنفيذ الأحكام القضائية على الطرف مجهول الهوية (10) .
في اليابان، تتمتع المحاكم اليابانية باختصاص قضائي خاص على الدعاوى المرفوعة ضد الأطراف التي تمارس اعمالاً تجارية في اليابان، حتى وإن لم يكن لهم مقر فعلي فيها، مثل الشركات التي تقدم خدمات عبر الإنترنت، أو تعتمد على تقنية البلوك تشين، حتى وإن لم يكن لها موقع مادي داخل الدولة، إذ يستند ذلك إلى معايير ،واقعية، مثل لغة الموقع الإلكتروني للشركة، وطبيعة الخدمات الرقمية التي تقدمها، فضلاً عن سهولة تقديم خدماتها للمستخدمين داخل اليابان (11) .
لقد أكد جانب من الفقه على ضرورة التزام الشركات والمستهلكين ممن يمارسون نشاطاً اقتصادياً على شبكة البلوك تشين بالكشف عن هوياتهم، كما إن أحكام التوجيه الأوروبي للتجارة الإلكتروني اكد هذا الالتزام في المادة (5) ، إذ ألزمت هذه المادة مقدمي الخدمات الالكترونية، بإتاحة بيانات التعريف للمستخدمين والسلطات المختصة بما في ذلك اسم مقدم الخدمة، والعنوان الجغرافي الذي يوجد فيه مقدم الخدمة والعلامات التي تسمح بالتواصل السريع مع مقدم الخدمة لإقامة اتصال مباشر وفعال معه، بما في ذلك عنوان بريده الإلكتروني (12)، لذلك فإنّ الحل الأمثل هذا بحسب التوجيه الزام مستخدمي ومشغلي منصة البلوك تشين بربط المستخدمين بهوية رقمية سواء من خلال أنظمة التوقيع الرقمي، أو من خلال إجراءات التحقق الشخصي، الأمر الذي يسمح بالكشف عن الهوية، لاسيما عند حصول نزاع من اجل تحديد الجهة القضائية المختصة، وقد ذهب جانب من الفقه منهم الفقيه Burke والفقيه ong-Ling Tsui، الى الاعتماد على البنية التحتية للمفتاح العام (Public Key Infrastructure PKI)، لغرض التحقق من هوية الأطراف في المعاملات الرقمية، هذا الأمر يتيح للمحاكم القدرة على معرفة الطرف المسؤول عند نشوء نزاع داخل البيئة الرقمية . (13) ولصعوبة معرفة موطن المدعى عليه لتحديد المحكمة المختصة للنظر في نزاعات العقود الذكية، فإنّه ينبغي البحث عن ضابط اسناد آخر ، كمكان التنفيذ لتحديد المحكمة المختصة في النظر بنزاعات العقود الذكية القائمة على البلوك تشين، وهذا ما سنتطرق إليه في الفقرة الآتية.(14)
ثانياً : قاعدة مكان تنفيذ الالتزام
يقصد به انعقاد الاختصاص القضائي لمحكمة المكان الذي يتم فيه تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وقد أخذ بهذا الضابط بعض القوانين الوطنية، منها القانون المدني العراقي وقانون المرافعات المدنية والتجارية المصري، وقانون الإجراءات المدنية الفرنسي، إذ يُلجأ إلى هذا الضابط في الحالات التي لا يكون فيها موطن للمتعاقدين أو محل إقامة معتادة، كذلك في الحالات التي لا يتفق فيها الأطراف على تحديد المحكمة المختصة. (15)
في العقود الذكية يُعد مكان تنفيذ الالتزام من القواعد المهمة لتحديد المحكمة المختصة حال غياب اتفاق أطراف العقد الذكي على تحديد المحكمة المختصة للنظر في النزاع، إلا أن هذه القاعدة تقتضي تحديد الأداء المميز للعقد وكذلك تحديد موقعه، ففي القانون الدولي السويسري على سبيل المثال، نجد أن المادة (13) من هذا القانون، ميزت بين أنواع العقود من أجل تحديد الأداء المميز، ففي عقود نقل الملكية يكون التزام ناقل الملكية هو الأداء المميز، وفي عقود الضمان والكفالة يكون التزام الضامن أو الكفيل هو الأداء المميز ، إلّا أنّ هناك أنواعاً معينة من العقود يصعب فيها تحديد الأداء المميز، مثل عقود المقايضة، لتوضيح هذه الصعوبة في العقود الذكية، نفترض أن هناك عقداً ذكياً مبرماً بين منظمة مستقلة لامركزية DAO وطرف ثالث، ينص العقد على انه إذا بلغ سعر الاثير ether 3500 دولار أمريكي، تلتزم منظمة DAO بنقل وحدة واحدة من الاثير إلى الطرف الثالث، لكن على الطرف الثالث التزام وهو أن يقوم بتحويل 15000 من عملة dogecoins إلى ،DAO بموجب القانون السويسري يُعدّ هذا العقد الذكي من عقود المقايضة، وهذه العقود يصعب فيها تحديد الأداء المميز من أجل تحديد مكان التنفيذ، ومن ثم يصعب تحديد موقعه استنادا إلى مبدأ أقرب اتصال، لكن بما أنّ العقد الذكي يبرم بالكامل على شبكة البلوك تشين، وموضوعه في هذا المثال تبادل عملات مشفرة موجودة أيضاً على البلوك تشين، ففي هذه الحالة يعتد بمبدأ أقرب اتصال، على أساس أن اقرب اتصال للعقد مع شبكة البلوك تشين وليس بولاية قضائية، لذلك لا يوجد منتدى قائم على مكان تنفيذ العقد الذكي في سويسرا .(16) لنأخذ مثالاً آخر لنفرض أنّ هناك عقداً ذكياً بين منظمة مستقلة لامركزية DAO ومهندس برمجيات، تطلب منه تطوير حل لتكنولوجيا المعلومات، ينص العقد على أن يتم سداد أجر المهندس بالاثير شهرياً عند تحقيق أهداف لكل شهر ولحين اكتمال المشروع، يُعد هذا العقد الذكي عقداً تجارياً، فعند تحديد الجهة القضائية المختصة يكون الأمر معقداً، وذلك لأن العقد يتم تنفيذه عبر الانترنت، فقد يعمل المهندس عبر مواقع متعددة أو قد يعمل باسم مستعار، كما إن ربط مكان تنفيذ العقد بأجهزة الكومبيوتر قد يكون أيضاً من دون جدوى، فالحل الأمثل في هذه الحالة، السماح لأطراف العقد الذكي بتحديد مكان تنفيذ العقد بأنفسهم، وبذلك يمكن ربطه مع سلطة قضائية معينة. (17) أما في المملكة المتحدة، فقد اكتسبت وثيقة المشورة الحكومية الصادر عن فرقة العمل المختصة بالاختصاص القضائي بشأن الأصول المشفرة والعقود الذكية لسنة 2019 أهمية كبيرة، إذ أشار إلى ضرورة معاملة العملات المشفرة بوصفها اصولاً غير مادية وقابلة للملكية، فالنتيجة المهمة المترتبة على هذا التكييف عند تحديد المحكمة المختصة إذا كان الالتزام يتعلق بتسليم مبلغ من العملات المشفرة، فيمكن وصف هذا الالتزام بأنّه التزام بتسليم شيء، واستناداً إلى التحليل القانوني الذي قام به الفقيه Laurent Martinez لعقد البيع بالبيتكوين، إذ عده عقد مقايضة يتم فيه مبادلة شيء مقابل شيء آخر، غير أنّ هذا التكيف يُوجد صعوبات عند تحديد الاختصاص القضائي الدولي، لذلك ، يرى من الأجدر الرجوع إلى المنهج التحليلي التوزيعي، الذي يشترط لمعرفة المحكمة المختصة ضرورة الرجوع إلى القانون الذي يحكم العقد هذا بدوره يفرض الالتزام بأحكام لائحة روما الأولى، كونها المرجع القانوني للقانون الواجب التطبيق على العقد، لذلك يجب فحص كل عقد على حدة لمعرفة التكييف القانوني وتطبيق المنهج التوزيعي ومن ثم تحديد مكان التنفيذ. (18)
كما حددت تلك الوثيقة عوامل عدة، لمعرفة فيما إذا كانت المحاكم الإنجليزية هي الجهة المختصة في النظر بالنزاعات الناشئة عن العقود الذكية أم لا، وهي كالتالي :
(1) مكان نشوء العقد القانوني الذكي.
(2) موقع موضوع العقد.
(3) مكان تنفيذ الالتزام أو الإخلال به.
(4) موقع العقد في السجل الموزع ( Distributed Ledger)، إذا أمكن تحديده.
(5) موقع الأطراف المتعاقدة، وأي شهود أو أدلة إضافية ذات صلة.
(6) القانون المطبق على العقد، بما في ذلك تعقيدات القضايا القانونية المتعلقة به.
(7) موطن الأطراف المتعاقدة.
(8) المراكز الرئيسية للاهتمام بالنسبة للأطراف المتعاقدة.
(9) موقع منصة العقود القانونية الذكية.
وبناء على العوامل المتقدمة، فإذا ثبت اختصاص المحاكم الإنجليزية، يجب على تلك المحاكم الأخذ بجملة من الإرشادات التي ينبغي العمل بها عند النظر بالنزاع. (19)
لذلك، يتضح أن تحديد مكان التنفيذ في العقود الذكية لتحديد المحكمة المختصة، يُعد أمراً في غاية الصعوبة، وذلك بسبب صعوبة تحديد موقع المعاملات رقمياً، كونها معاملات غير مرتبطة بأي إقليم جغرافي، إذ إنها تتم بصورة لامركزية، فضلاً عن الطبيعة الخاصة للأصول المشفرة التي تستخدم لأغراض متعددة في العقود الذكية، كون هذه الأصول يُحتفظ بها في دفاتر موزعة، بالتالي يصعب نسبتها إلى دولة معينة كونها لا تمتلك موقعاً مادياً. (20)
مما تقدم، يتضح أن كلا من القاعدتين التقليديتين، وهما عنوان المدعى عليه ومكان تنفيذ الالتزام يواجهان بعض الصعوبات عند تطبيقهما على نزاعات العقود الذكية، كذلك عند استخدام الأصول المشفرة لتحديد المحكمة المختصة أيضاً يُعد أمراً معقداً، لذلك ظهرت بعض الاتجاهات، التي أخذت بالاعتماد على موقع الخادم لتحديد المحكمة المختصة. أن قاعدة موطن المدعى عليه، تُعدّ من القواعد الأساسية في تحديد الاختصاص القضائي في المنازعات التجارية والمدنية في التشريعات المقارنة، ومنها القانون الصيني، إلا أن الاعتماد على هذه القاعدة في العقود الذكية يواجه العديد من الصعوبات والتي تم توضيحها عند الكلام عن قاعدة عنوان المدعى عليه لتحديد المحكمة المختصة، الأمر الذي يجعل الاختصاص الشخصي غير ملاءم للتطبيق في أغلب النزاعات التي تحدث على شبكة البلوك تشين، بناءً على ذلك، نجد أن المشرع الصيني اعتمد مقاربة مختلفة، فقد أجازت المادة (256) من قانون الإجراءات المدنية الصيني المعدل لسنة 2017، للمحكمة التي يقع دائرتها جهاز الحاسوب أو الخادم الذي يخزن فيه المفتاح الخاص، ممارسة الاختصاص القضائي، على أساس أنّ هذا الموقع مكان وجود الشيء، أو مكان وجود المال القابل للحجز (21)، وبذلك تكون المحاكم الصينية مختصة بالنظر في النزاعات المتعلقة بالأصول المشفرة، ويستند ذلك إلى فكرة وهي أن الموقع القانوني للملكية الرقمية يتمثل بالخادم الذي يحتفظ بالمفتاح الخاص، كون المفتاح الخاص يمثل الأداة التي تمكن من السيطرة الفعلية على الأصول المشفرة، فإذا حصل نزاع متعلق بعقد ذكي مرتبط بعملات مشفرة، فإنّ المحكمة المختصة تكون محكمة مكان تنفيذ الالتزام أو المكان الذي تم فيه تنفيذ الالتزام غير النقدي، .....
أما بالنسبة إلى إمارة موناكو ، فنجد أنّ مشروع قانون امارة موناكو رقم 237 تبني موقفاً واسعاً من الاختصاص القضائي، بحيث تنظر محاكم إمارة موناكو بجميع المنازعات الخاضعة لقانون الإمارة، سواء كانت المنازعات داخل الإمارة أو خارجها، بما في ذلك المنازعات الناشئة عن العقود الذكية أو الناتجة عن استخدام العملات المشفرة أو العمليات الخوارزمية، كما يجوز استدعاء أي شخص سواء كان مقيماً أو غير مقيم أمام محاكم الإمارة متى ما ارتبطت التزاماته بأنشطة أو أشخاص داخل الإمارة، كما إنّ أي شخص مقيم في الإمارة يمكن أن يمثل أمام محكمة في موناكو للالتزامات التي تعاقد عليها في دولة أجنبية على شبكة البلوك تشين عن طريق الاثير أو عن طريق عقد ذكي، كونه جزءاً من عملية خوارزمية. (22)
أما بالنسبة إلى العقود الذكية التي يكون أحد أطرافها مستهلكاً ، فإنّه لا يوجد إشكال في حال غياب الاتفاق على تحديد محكمة مختصة، كونه يتمتع بنظام قانوني يوفر نظام حماية خاص للطرف الضعيف، وذلك استناداً إلى ما تقرره لائحة بروكسل الأولى المعدلة وكذلك اتفاقية لوغانو من قواعد، تعطي للمستهلك الحق في رفع دعوى أمام محاكم دولة موطنه أو أمام محاكم موطن المهني (23) .
مما تقدم، يتضح أنّ غياب اتفاق أطراف العقد الذكي على تحديد المحكمة المختصة في منازعات الذكاء الاصطناعي، يفضي إلى تحديات عملية، لذلك فإنّ ضوابط الاختصاص القضائي التقليدية قد تكون غير مجدية في بعض الأحيان، لذلك لابد من البحث عن بدائل قادرة على مواكبة التطور التقني، ..... (24) .
_______________
1- Gabriel Olivier Benjamin Jaccard, Smart Contracts and the Role of Law, Jusletter IT, 2017, p.20.
2-Florence Guillaume, Op. Cit., p.78.
3- Jurisdiction Clause, UpCounsel, https://www.upcounsel.com/jurisdiction-clause, Visited on: 11/13/2025.
4- Regulation (EU) No 1215/2012, supra note X, art, 7/1:
A person domiciled in a Member State may be sued in another Member State:
(a) in matters relating to a contract, in the courts for the place of performance of the obligation in question;
(b) for the purpose of this provision and unless otherwise agreed, the place of performance of the obligation in question shall be:
- in the case of the sale of goods, the place in a Member State where, under the contract, the goods were delivered or should have been delivered,
- in the case of the provision of services, the place in a Member State where, under the contract, the services were provided or should have been provided;
(c) if subparagraph (b) does not apply then subparagraph (a) applies.
5- د. مريم بن خليفة، إشكالات تحديد الاختصاص القضائي الدولي بخصوص المنازعات الناشئة عن العقود الالكترونية، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية، المجلد 20 ، العدد 1، 2023، ص272-273
6- Pedro de Miguel Asensio, Op. Cit., p.p.45-46.
7-Rail Ruiz Rodrigue, Op. Cit., p.17.
8- Elçin Aktan, Op. Cit., p.p.247-248.
9- Tetsuo Morishita, Op. Cit., p.769.
10- Raúl Ruiz Rodríguez, Op. Cit., p.18.
11- Tetsuo Morishita, Op. Cit., p.771.
12- European Parliament and Council, Directive 2000/31/EC of 8 June 2000 on certain legal aspects of information society services, in particular electronic commerce, in the Internal Market, Article 5,: "Member States shall ensure that the service provider renders easily, directly and permanently accessible to recipients and competent authorities at least the following information: (a) name; (b) geographic address; (c) contact details, including email address...", Available at: https://eur-lex.europa.eu/eli/dir/2000/31/2024-02- 17/eng.
13- Raúl Ruiz Rodríguez, Op. Cit., p.p.19-20.
14- Elçin Aktan, Op. Cit., p.247.
15- ينظر : سفيان جابري، الاختصاص القضائي في منازعات العقود الدولية مقال منشور على الموقع: https://highatlasfoundation.org/ar/البصائر / الاختصاص - القضائي - في منازعات العقود - الدولية، : تمت زيارته في: 2025/11/15.
16- استاذنا أ.د جليل حسن الساعدي ود. لبنى عبد الحسين السعيدي، أزمة القانون الدولي الخاص في منازعات الذكاء الاصطناعي، الطبعة الأولى لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2023، ص 112-111
17- Florence Guillaume and Sven Riva, Blockchain Dispute Resolution for Decentralized Autonomous Organizations, The Rise of Decentralized Autonomous Justice, in Blockchain and Private International Law, ed. Andrea Bonomi and Matthias Lehmann (Leiden: Brill Nijhoff), 2022, p.25.
18- Raúl Ruiz Rodríguez, Op. Cit., p.p. 23-24.
19- Emiliana Garay Call, Smart Legal Contracts and Their Inherent Jurisdictional Issues (Bachelor's thesis, Pontificia Universidad Javeriana), 2024, p.p.10-11.
20- Elçin Aktan, Op. Cit., p.p. 247-248.
21- ARE RA (Civil Procedure Law of the People's Republic of China), amend. 2017, art. 265:
因合同纠纷或者其他财产权益纠纷,对在中华人民共和国领域内没有住所的被告 提起的诉讼,如果合同在中华人民共和国领域内签订或者履行,或者诉讼标的物在中华人民共和国领域内,或者被告在中华人民共和国领域内有可供扣押的财产 ,或者被告在中华人民共和国领域内设有代表机构,可以由合同签订地、合同履行 地、诉讼标的物所在地,可供扣押财产所在地、侵行为地或者代表机构住所地人 RE
,Available,at:https://www.hongfanglaw.com/wp-content/uploads/2019/10/Civil- Procedure-Law-of-the-Peoples-Republic-of-China-2017-AmendmentENCN.pdf?
22- Monaco, Proposition de loi n° 237 relative à la blockchain, art. 5.
23- Raúl Ruiz Rodríguez, Op. Cit., p.25.
24- A. U. Janssen and Tom J. Vennmanns, Smart Dispute Resolution in the Digital Age: The Potential of Smart Contracts and Online Dispute Resolution for Dispute Prevention and Resolution in Consumer Law Cases, International Journal on Consumer Law and Practice 9, 2021, p.57.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد