أزمة الحياد في اختيار القانون الواجب التطبيق
المؤلف:
زكي عادل عبد العالي الظالمي
المصدر:
تطويع منهج الاسناد في القانون الدولي الخاص
الجزء والصفحة:
ص 29-36
2026-09-28
58
من أهم الخصائص التي تتميز بها قاعدة الإسناد هي خاصية الحياد، والتي تعني أن القاضي حين يطبق قاعدة الإسناد على علاقة قانونية ذات عنصر أجنبي، لا يعلم ما هو القانون الذي ترشد إليه قاعدة الإسناد، فقد يطبق قانونه أو يطبق قانون أجنبي، لذلك هي قاعدة لا تميل إلى قانون على حساب قانون آخر (1)، لذلك يأتي ضابط الإسناد دائما مجرداً لا يحدد قانون دولة معينة بالذات ليكون هو الواجب التطبيق، بل هو يشير إلى قانون الدولة التي تتركز فيها العلاقة محل النزاع وتبدو أنها اوثق الصلة بها أياً كانت تلك الدولة، حيث يعد ضابط الإسناد هو الركن الأساسي في قاعدة التنازع وعن طريقه تنهض هذه القاعدة بوظيفتها، لذا فأن صفة التجريد أو الحياد في ضابط الإسناد يجعل قاعدة التنازع ذاتها تكتسب صفة التجريد، وهذا يعني ان قواعد التنازع لا تختار قانون دولة معينة بالذات بالنظر لمضمون أحكام ذلك القانون وقواعده الذاتية ليبين النظام القانوني للعلاقة محل النزاع، ووفقاً لذلك تعتبر قواعد التنازع بأنها قواعد غير محددة المضمون، بل تكتفي فقط بالربط بشكل مجرد بين مجموعة من العلاقات ذات العنصر الأجنبي وأحد القوانين التي تتصل بتلك العلاقات الذي يبدي قابليته لحكمها، وذلك بالاستناد إلى معايير مجردة تظهرها ضوابط الإسناد في هذه القواعد كالموطن أو الجنسية أو مكان وجود المال ...الخ، فهي تنص فقط على ان تلك الطائفة من العلاقات الخاصة الدولية يحكمها القانون الذي يرتبط بالعنصر الأساسي فيها، وهذا ما يبرز بشكل واضح في النصوص التي تتضمن قواعد الإسناد في التشريعات المختلفة والتي تأتي متوافقة مع الطابع المجرد الذي تتسم به قواعد الإسناد، حيث يتضح ذلك الحياد بالنص الذي أورده القانون المدني العراقي في المادة (18/1) على ان الأهلية" يسري عليها قانون الدولة التي ينتمي إليها الشخص بجنسيته (2) ، بدلاً من أن يقول ليسري" على أهلية العراقيين القانون العراقي".
فالمشرع عند صياغة قاعدة الإسناد يصيغها بشكل مجرد ( حيادي)، بحيث لا تختار قانون دولة معينية بالذات، بل تكتفي بتفضيل بطريقة مجردة بين القوانين التي تتصل بالمسألة محل النزاع وتبدي قابليتها لحكمها واختيار أنسب وأفضل القوانين، وبهذه المثابة فأن قاعدة الإسناد سوف تختار احد تلك القوانين المتزاحمة الذي يبدو أكثر ملاءمة ومناسبة دون النظر الى المضمون الموضوعي لأحكام ذلك القانون، حيث يتم تقدير تلك الملاءمة بالنظر الى العناصر الخارجية للعلاقة القانونية فقط، وهذا يقودنا الى نتيجة مفادها، أن الحياد المشار إليه يسلب السلطة التقديرية للقاضي ولا يحق له أن يبحث في المضمون الذاتي للقوانين المتزاحمة، فطالما القاضي عليه أن يجهل من حيث المبدأ وطوال مدة تحديد القانون الواجب التطبيق مضمون القوانين المتزاحمة المعروضة، فأنه يكون من غير المتصور اختيار القانون الواجب التطبيق وفقا لمضمون أحكامه، وعندما يصل القاضي الى مرحلة تطبيق القانون المرشح فأنه يتبين المضمون الموضوعي لأحكام ذلك القانون، إلا أنه لا يستطيع هجره اذا ظهر عدم ملاءمته للمسالة المعروضة أمامه محل النزاع (3) ، لذلك توصف قواعد الإسناد بأنها قواعد غير مباشرة(4) تقوم بتعيين القانون الواجب التطبيق دون الأخذ بالحسبان النتيجة المادية التي تترتب على هذا الاختيار، وبغض النظر أيضا عن كون اختيار القانون الواجب التطبيق يحقق العدالة الملاءمة للنزاع، فهي قواعد ميكانيكية تقوم باختيار القانون الواجب التطبيق ويكون هذا الاختيار بمثابة السقوط في دياجير الظلام(5).
ووظيفة هذه القواعد هي تحقيق العدالة الشكلية حيث تقوم بإسناد العلاقة القانونية بصورة تلقائية إلى أكثر النظم القانونية المرتبطة بهذه العلاقة وفقاً للسياسات التشريعية التي تضعها الدولة، بغض النظر عن النتائج المادية التي يؤدي إليها هذا التطبيق، فقواعد الإسناد بهذا المعنى تؤدي إلى تحقيق العدالة الشكلية تاركة العدالة المادية لقواعد الإسناد (6)، إذ إن العدالة التي قصدها المشرع بهذا الصدد هي عدالة حسابية آلية، لأن واضع القاعدة القانونية لا يعلم سلفا بمضمون القانون الذي سيحكم العلاقة القانونية (7).
يظهر من ذلك أن مبدأ الحياد يؤدي إلى عدالة القانون الدولي الخاص (العدالة الشكلية غالباً) فالأخيرة تتطلب تطبيق القواعد التي تحقق نتيجة أعدل من حيث المكان بعكس العدالة الواقعية التي تتطلب تطبيق القانون الأكثر اتصالاً بالعلاقة محل النزاع، لذلك تزايدت انتقادات الفقه الأمريكي للطابع الآلي لقواعد الإسناد، لأنهم ادركوا أن الطابع الميكانيكي لقواعد الإسناد يؤدي إلى تنصل القاضي من البحث عن القانون الأكثر عدالة وأنصافاً من بين القوانين المرشحة ، لذلك طالبوا بضرورة النظر إلى جوهر القوانين المتزاحمة ومقارنة النتائج المحتملة كجزء من عملية اختيار القانون الواجب التطبيق(8)، فالعدالة المادية تمنح القاضي سلطة تقديرية يستطيع من خلالها البحث عن القانون الأكثر ملاءمة بالنزاع، وتتحقق العدالة المادية من خلال إيراد المشرع ضوابط إسناد متعددة أما على سبيل التخيير أو على سبيل التدرج، هذه السمه تمنح القاضي سلطة الموازنة بين القوانين المتزاحمة وترجيح أفضلها لحكم العلاقة محل النزاع،
يتضح مما تقدم أن صفة الحياد في قواعد الإسناد لا تهدف إلى تحقيق مصلحة وطنية ولا تهدف أيضا إلى تحقيق مصلحة الأفراد وإنما غايتها الأولى والأخيرة هي تعيين القانون الأفضل من حيث الصلة بالواقعة سواء كان وطنيا ام أجنبيا دون البحث عن النتائج المادية التي سوف يحققها ذلك الاختيار، إلا أن هذه الصفة (الحياد) قد تتراجع في بعض الأحيان ويطبق القاضي قانونه بدلا من القانون الأجنبي، وهذا ما سيتضح في بعض المصاديق التي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر.
أولا - رفض الأخذ بالإحالة:
تعد نظرية الإحالة من المسائل الجوهرية التي تسبب أزمة الحياد لقاعد الإسناد، حيث تعرف الإحالة بأنها " تخلي القانون الأجنبي عن اختصاصه إلى قانون آخر قد يكون قانون القاضي أو قانون أجنبي (9) يتضح ان الإحالة على نوعين الإحالة على درجة واحدة، والإحالة على درجتين، فإذا كنا أمام إحالة من الدرجة الثانية فأن ذلك، لا يسبب لنا أزمة الحياد في اختيار القانون الواجب التطبيق، لأن قاعدة الإسناد ستعمل على اختيار أفضل القوانين وتطبيقه على العلاقة، أما إذا كنا أمام إحالة من الدرجة الأولى أو رفض الإحالة أصلا فأن ذلك سيؤدي إلى هدم خصيصة الحياد لقاعدة الإسناد، فإذا تمعنا النظر في التشريعات والقضاء المقارن نجد اغلبها ترفض فكرة الإحالة سواء كانت على درجة واحدة أو على درجتين ومنها مصر والعراق، ومنها ما تأخذ بالحالة من درجتين كما في فرنسا، وبعض الدول تأخذ بالإحالة من الدرجة الواحدة (10) .
أما بخصوص المشرع العراقي فقد رفض صراحة فكرة الإحالة وذلك وفق المادة (31) من القانون المدني العراقي والتي تقضي " إذا تقرر ان قانونا أجنبيا هو واجب التطبيق فإنما، يطبق منه أحكامه الموضوعية دون التي تتعلق بالقانون الأولي الخاص" وأيضا القانون المدني المصري في المادة (27) ذهب لنفس الحكم.
وخلافا لما تقدم فقد أخذ القضاء الفرنسي بالإحالة من الدرجة الثانية في تطوير قواعد الإسناد من خلال حماية التوقعات المشروعة للأفراد، ففي قضية تتلخص وقائعها في زوجين سوريين من الديانة اليهودية يقيمان في بريطانيا بصورة دائمه وهو موطنهما الأصلي، حيث ابرم عقد زواجهما وفق القانون السوري وهو قانون جنسيتهما في دولة إيطاليا أثناء وجودهما بها بشكل عابر ، وفي وقت لاحق حصل نزاع بينهما في فرنسا أثناء أقامتها العابرة أيضا في مسألة صحة زواجهما من حيث الشكل، إذ إنّ قاعدة الإسناد في القانون الفرنسي تجعل الاختصاص بشكل التصرفات إلى قانون محل إبرام عقد الزواج، وهذا يؤدي إلى بطلان الزواج لو طبق القانون الإيطالي، إلا أن محكمة النقض الفرنسية لم تذهب لذلك الحكم وتقرر أبطال العلاقة الزوجية بينهما، وإنما جعلت الزواج صحيحاً لقبولها الإحالة من الدرجة الثانية من القانون الإيطالي إلى القانون السوري، إذ إنّ الإحالة في هذا الواقعة يعد حلاً نموذجياً يحمي التوقعات المشروعة الأطراف ويحقق الأمان القانوني لهم وبنفس الوقت يحقق العدالة المادية(11).
إذاً، فالإحالة يمكن أن تكون سبباً لتطويع قواعد الإسناد من خلال إعطاء القاضي السلطة التقديرية في قبول الإحالة بنوعيها بشرط عدم مخالفة النظام العام، ففي قضية تتلخص وقائعها بأن (امرأة إنجليزية توفيت وتركت أموالا منقولة وكان موطنها المختار في فرنسا وقت وفاتها، حيث عاشت هناك لسنوات طويلة دون أن تحصل على الجنسية الفرنسية، وتركت المتوفاة وصية تقسم أموالها بحسب قواعد القانون الإنجليزي، إلا أن هذه الوصية كانت تخالف النظام القانوني الفرنسي الذي يفرض قيوداً حرجة لصالح الأبناء والتي كانت تحرم الأبناء في هذه الحالة من ثلثي التركة، وعند عرض النزاع أمام محكمة الإنجليزية لتحديد القانون الواجب التطبيق على تركة المنقولات وصحة الوصية واجهت المحكمة تنازعاً في قواعد الإسناد، ووفقاً لقواعد الإسناد الإنجليزية فأن القانون الواجب التطبيق على تركة المنقولات هو قانون موطن المتوفى وقت الوفاة وهو القانون الفرنسي في هذه الحالة وبالمقابل فأن قواعد الإسناد في القانون الدولي الخاص الفرنسي كانت تسند حكم التركات لرعايا الدول الأجنبية إلى قانون جنسيتهم وهو القانون الإنجليزي، عندها تبنى القاضي منهج الإحالة المزدوجة لحل هذه الحلقة المفرغة، حيث قرر أن المحكمة الإنجليزية يجب أن تضع نفسها في مقام المحكمة الفرنسية تماماً وتفصل في النزاع بالأسلوب ذاته الذي كانت ستفصل به محكمة فرنسية لو عرض عليها النزاع في باريس وبناء على التحليل الفرضي للموقف الفرنسي وجد القاضي أن محكمة فرنسية كانت ستحيل النزاع أولاً إلى القانون الإنجليزي وهو قانون الجنسية ولكن بما أن القانون الفرنسي يأخذ بنظرية الإحالة البسيطة أو المنفردة فأن المحكمة الفرنسية كانت ستقبل الإحالة المرتدة إليها من القانون الإنجليزي، ومن ثم ستطبق قانونها الوطني الداخلي، وتأسيساً على ذلك، انتهت المحكمة الإنجليزية إلى قبول الإحالة وقضت بتطبيق القانون الموضوعي الفرنسي مما ترتب عليه بطلان الوصية فيما جاوز الثلث نظراً لعدم مشروعيتها بموجب أحكام الميراث في القانون الفرنسي)(12).
ثانيا - تعدد الجنسيات
يعد ضابط الجنسية من أهم ضوابط قاعدة الإسناد، وخصوصاً في اختيار القانون الواجب التطبيق في مجال الأحوال الشخصية في الدول اللاتينية، إلا أن هذا الضابط يثير صعوبات عملية في التطبيق عندما تكون جنسية دولة القاضي من بين الجنسيات المتنازعة، أما إذا كان قانون القاضي ليس من ضمن القوانين المتنازعة فلا يثير ذلك أية صعوبة، فالغالب لدى التشريعات المقارنة تجعل الاختصاص إلى الجنسية الفعلية (13)، لذلك فإذا لم يكن قانون القاضي أحد القوانين المتنازعة فلا يثور في هذا الصدد أزمة الحياد في اختيار القانون الواجب التطبيق.
تظهر أزمة الحياد عندما تكون جنسية قانون القاضي أحد القوانين المرشحة، كما لو حدث نزاع أمام القاضي وكان هنالك عدة قوانين تتنازع لحكم العلاقة، وكان من بين تلك القوانين جنسية قانون القاضي، فلا شك في أن اغلب الفقه والقضاء والتشريعات المقارنة تعتد بقانون القاضي لتطبيقه على العلاقة، بصرف النظر عن الجنسية الفعلية أو الواقعية (14)، وان هذا المبدأ أصبح عالمياً وأخذ الفقه يدافع عنه بقولهم أنه لا يوجد تنازع بين جنسية قانون القاضي وجنسية القوانين الأخرى، لأن هذه الأخيرة ليست سوى مجرد واقعة إلا أن هذا التوجه الأخير نحو تطبيق قانون القاضي على العلاقة له سند سياسي وليس قانوني كما في نظرية دارجتيه التي تقضي بإقليمية القوانين (15) ، وهذا ما قضت به المادة (33/2) من القانون المدني العراقي " على أن الأشخاص الذين تثبت لهم في وقت وأحد بالنسبة إلى العراق الجنسية العراقية والبنسبة إلى دولة أجنبيه أو عدة دول أجنبية جنسية تلك الدول فالقانون العراقي هو الذي يجب تطبيقه، وذهب القانون المدني المصري إلى المعنى بنفس في المادة (25/2) (16)
حيث يؤخذ على هذا التوجه انه يعطي الهيمنة والغلبة في سائر الفروض لقانون جنسية القاضي بصرف النظر عن الصلة الأوثق بالقانون، وكذلك اهمال التوقعات المشروعة لأطراف العلاقة، يضاف إلى ذلك أن هذا الحل سيؤدي إلى التباين في الجنسية التي سيعتد بها بالنسبة لمتعدد الجنسية، فلو افترضنا أن شخصاً ما يحمل جنسيتين عراقية ومصرية، وثار نزاع بشأن جنسيته أمام القضاء المصري فسوف يعتبره مصرياً من جميع الوجوه، بينما إذا ثار النزاع أمام القضاء العراقي فأنه سيعتبره عراقياً، وهكذا فأن الحل المتقدم لا يعدو أن يكون حلاً ظاهريا (17) ، كما انه يتناقض مع ما لقاعدة الإسناد من خصيصة وهي الحياد، وقد مر علينا ان وظيفة قاعد الإسناد هي إرشاد القاضي إلى القانون الأفضل والأكثر صلة بأطراف العلاقة، وليس الأكثر صلة بالقاضي (18) ، ومن مبررات الركون إلى قانون القاضي لحل النزاع ينبغي ان يكون ذلك في عدم وجود حجة ذات صلة من جانب الأطراف، والمعرفة غير الكافية للمحكمة بالقانون الأجنبي الواجب التطبيق، واعتقاد المحكمة بأن قانون القاضي يحقق فاعلية أكثر وعدالة لأطراف النزاع (19) .
وحتى يتم رفع أزمة الحياد التي تعاني منها قاعدة الإسناد، فقد أوجد الفقه الحديث الجنسية الفعلية، والتي تقضي أن القاضي سيطبق قانون الجنسية الفعلية حتى وان كان قانون جنسيته من ضمن القوانين المرشحة لحل التنازع، وبهذه المثابة فأن تطبيق الجنسية الفعلية سيحقق الأمان القانوني، على أساس أن الحل الذي سيتم تطبيقه في جميع الفروض سيكون واحدا سواء تم إثارة النزاع أمام الدول التي يحمل جنسيتها أو أمام الدول التي لم يحمل جنسيتها فأن الحل واحد وهو تطبيق الجنسية الفعلية للشخص، ومع ذلك فأن الركون إلى الجنسية الفعلية على النحو المتقدم لا يخلو من بعض المثالب، بسبب الاختلاف الشديد حول مفهومها، وعدم وضوح عناصرها، حيث تكون مبعثا لوجود نوع من عدم الأمان القانوني، فقد تتباين الأنظمة فيما بينها في تقديرها لفكرة الجنسية الفعلية، مما يولد اختلاف في تقدير الحل بحسب ما إذا أثار النزاع أمام محاكم هذه الدولة أو تلك، وقد يترتب على هذا التباين مشاكل فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام الأجنبية، كما لو افترضنا ان عراقياً يحمل الجنسية الفرنسية في نفس الوقت وقدر القاضي العراقي ان الجنسية العراقية هي الجنسية الفعلية بينما قدر القاضي الفرنسي الجنسية هي الجنسية الفرنسية الفعلية فأن التباين في النظر سوف يقف عقبة أمام تنفيذ الحكم الصادر من القضاء العراقي في فرنسا والعكس صحيح، يتضح مما تقدم من الصعوبة أعمال الجنسية الفعلية، وذلك بسبب الانتقادات التي وجهت إليها، زد على ذلك أنها تصدم بحقيقة وضعية، وهي أن التشريعات تفرض الحل القاتل وذلك بترجيح جنسية قانون القاضي متى ما كانت جنسيته من ضمنها، لذلك فلا بُدّ من إيجاد حل آخر لأزمة الحياد في اختيار القانون الواجب التطبيق، وهذا الحل يتمثل بنظرية الحل الوظيفي (20).
تنطلق فكرة الحل الوظيفي من ركيزتين أساسيتين الأولى في حالة إذا حصل نزاع بسبب مزدوج الجنسية أمام القاضي وكان قانون جنسية القاضي من بينها، ثم قام القاضي بتطبيق قانون الجنسية الأجنبية في مسألة كان فيها قانون الجنسية هو واجب التطبيق فأن ذلك لا يعني إنكار الصفة الوطنية، إذ من الثابت انه ليس بمقدور اي سلطة من سلطات الدول إنكار الصفة الوطنية للشخص بمقتضى تطبيق قوانين الجنسية فيها. الثانية على القاضي عند عرض النزاع أمامه الخاص بتزاحم الجنسيات ان يتحرر من التقييد بحل عام يعمله في كل الفروض، بل عليه أن يتعامل مع المسألة على أنها قائمة بذاتها لها حل واحد في كافة الأحوال والنظر إليها من حيث طبيعتها والغاية أو الهدف منها والروح الكامنة وراء رصدها، بمعنى أن القاضي لا يقتصر على تطبيق قاعدة الإسناد المقررة في قانونه بطريقة آلية وهو تطبيق الجنسية دولة القاضي، بل يبحث عن الجنسية التي تحقق الغرض العملي أو الوظيفة الاجتماعية التي تسعى إليها قاعدة الإسناد في العلاقة محل النزاع (21)، لذلك يمكن رفع الحياد من قاعدة الإسناد الخاصة بتعدد الجنسيات من خلال نظرية الحل الوظيفي، حيث سنزيدها تفصيلاً في الفصل الثاني.
ثالثا - النظام العام:
إذا ثبت للقاضي أن القانون الأجنبي الواجب التطبيق يخالف النظام العام في دولته، فأنه يمتنع من تطبيقه، وبهذا الصدد فأن القاضي يستبعد القانون الأجنبي لكونه مخالف للنظام العام لدولته، فأي قانون يطبقه القاضي على النزاع (22) ، فمثلاً القانون المدني العراقي نص في المادة (31) "لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي قررته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام مخالفة للنظام العام والآداب في العراق " وقد أورد القانون المدني المصري الحكم نفسه في المادة (28) ورغم أن المشرع العراقي والمصري وغيرهم من التشريعات قد اكتفت بإبراز الأثر السلبي للنظام العام، إلا أن كل من القضاء والفقه
الغالب يسلم بضرورة تطبيق قانون القاضي بدلاً من القانون الذي تم استبعاده بسبب تعارضه مع أحكام قانون القاضي (23).
إن الحل الذي أخذت به التشريعات المقارنة (24) والفقه القانوني بتطبيق قانون القاضي على النزاع في حال استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق، إلا أن هذا الحل قد يؤدي إلى إهدار متطلبات الحياة الأولية، وعدم تحقيق العدالة المطلوبة، زد على ذلك فأن هذا الحل يتعارض مع ما لقاعدة الإسناد من خصيصة وهي الحياد، خصوصاً إذا كان قانون القاضي لا يتوافق مع معطيات العلاقة القانونية، مما يؤدي إلى خلق أزمة في حياد قاعدة الإسناد لاختيار القانون الواجب التطبيق (25) .
نتيجة للانتقادات التي وجهة إلى تطبيق قانون القاضي بدل القانون المستبعد، فقد ذهب جانب من الفقه إلى إعطاء سلطة اختيار القانون الواجب التطبيق للقاضي في حالة استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق (26) .
نصل إلى نتيجة، أن مبدأ الحياد يعد من الركائز الأساسية التي تقوم عليها قاعدة الإسناد، إذ تهدف إلى اختيار القانون الأكثر اتصالاً بالعلاقة القانونية دون تفضيل مسبق لقانون القاضي أو أي قانون آخر، إلا أن التطبيق العملي كشف عن وجود حالات تؤدي إلى تراجع هذا الحياد، ولا سيما في مسائل الإحالة وتعدد الجنسيات والدفع بالنظام العام، حيث تميل العديد من التشريعات إلى تغليب قانون القاضي، وقد أظهر ذلك قصور الطابع الآلي لقواعد الإسناد وعجزه أحياناً عن تحقيق العدالة المادية والأمان القانوني لأطراف النزاع، كما برز الاتجاه الحديث نحو منح القاضي دوراً أكثر مرونة في اختيار القانون الأنسب للعلاقة القانونية، بما ينسجم مع طبيعة النزاع وارتباطاته الواقعية ومن ثم فأن تجاوز أزمة الحياد يقتضي تبني حلول وظيفية تحقق التوازن بين استقرار المعاملات وتحقيق العدالة العملية في العلاقات الخاصة الدولية.
_______________
1- عسالي عبد الكريم، حياد قاعدة الإسناد الوطنية، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 12، العدد 3 2021، ص281
2- المادة 1/18 من القانون المدني العراقي رقم 40 لعام 1951 وتعديلاته، وتقابلها مادة 11/1 من القانون المدني المصري رقم 131 لعام 1948.
3- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996 ، ص 246
4- يرى بعض فقهاء القانون الفرنسي أن قواعد الإسناد تؤدي وظيفة إرشادية بحتة تشبه إلى حد كبير دور مكتب الاستعلامات في محطات القطارات، إذ يقتصر عمله على توجيه المسافر إلى الرصيف الذي يقف عنده القطار المقصود وعلى النهج ذاته فأن قاعدة الإسناد لا تتولى حل النزاع بشكل مباشر وإنما تحدد القانون الواجب التطبيق على العلاقة القانونية محل النزاع د. هشام خالد القانون الدولي الخاص، المجلد الثاني، دار الفكر الجامعي، 2014، ص 515.
5- د. حفيظة السيد الحداد الموجز في القانون الدولي الخاص، منشورات الحلبي الحقوقية، 2007، ص 65.
6- د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2007، ص33.
7- ماجد عبد الواحد جدوع، مبدأ الغائية في قواعد تنازع القوانين أطروحة دكتوراه جامعة تكريت، كلية الحقوق، 2023، ص 35.
8- أستاذنا د نظام جبار طالب تطور قواعد تنازع القوانين التقليدية دروس مستفادة من التحكيم التجاري الأولي، مصدر سابق، ص 150.
9- د. عباس العبودي، تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي وتنفيذ الأحكام الأجنبية، دار السنهوري بیروت، 2015، ص 80.
10- وهذا ما أخذ به القانون المدني الجزائري المعدل لسنة 2005 في المادة (23 مكرر / 1 جديد) والتي تقضي " إذا تقرر ان قانوناً أجنبيا هو واجب التطبيق فلا تطبق منه إلا أحكامه الداخلية دون تلك الخاصة بتنازع القوانين من حيث المكان. غير أنه يطبق القانون الجزائري إذا أحالت عليه قواعد تنازع القوانين في القانون الأجنبي المختص" يتضح من خلال النص أن المشرع الجزائري يرفض الإحالة من الدرجة الثانية، لأنها تؤدي إلى تطبيق قانون أجنبي، ويأخذ بالحالة من الدرجة الأولى، لأنها تؤدي إلى تطبيق قانون القاضي، وبهذه المثابة يكون المشرع الجزائري قد خالف أهم خصيصة من خصائص الإسناد وهي الحياد من خلال استبعاد القانون الأجنبي الذي قد يحقق الأمان القانوني الأطراف، وأيضا قد يحقق العدالة من خلال اختيار افضل القوانين عسالي عبد الكريم، حياد قاعدة الإسناد الوطنية، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 12، العدد 3 2021، ص 285.
11- أستاذنا صالح مهدي كحيط، نظرية الحل الوظيفي واثرها في تطوير قواعد الإسناد، دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه، كلية القانون جامعة كربلاء، 2018 ص 47 د. عكاشة محمد عبد العال، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2007، ص 224
12- John O'Brien, Conflict of Laws, Ynd ed, Cavendish Publishing Limited 1999 p 138
13- د. عكاشة محمد عبد العال الاتجاهات الحديثة في مشكلة تنازع الجنسيات دار الجامعة الجديدة 2012، ص 73.
14- موشعال فاطيمة، النظرة التقليدية والحديثة لظاهرة تعدد الجنسيات وانعدامها بحث منشور في مجلة البحوث في الحقوق والعلوم السياسية، العدد 2، ص 286.
15- د. حفيظة السيد الحداد القانون الدولي الخاص الكتاب الأول، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، 2002، ، ص17.
16- كذلك القانون المدني السوري في المادة ،(27)، والقانون المدني الأردني في المادة (26 )، والقانون المدني الجزائري في المادة (22) .
17- د. عكاشة محمد عبد العال الاتجاهات الحديثة في مشكلة تنازع الجنسيات، ص 79.
18- عسالي عبد الكريم، حياد قاعدة الإسناد الوطنية، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 12، العدد 3 ، 2021 ، ص287.
19- أستاذنا د نظام جبار ،طالب تطور قواعد تنازع القوانين التقليدية دروس مستفادة من التحكيم التجاري الدولي، بحث منشور في مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية مجلد 11 ، العدد 37، 2018، ص 147.
20- د. عكاشة محمد عبد العال، الاتجاهات الحديثة في مشكلة تنازع الجنسيات، ص 86
21- المصدر نفسه، ص 87
22- د. هشام علي صادق تنازع القوانين الطبعة الثالثة منشاة المعارف، الإسكندرية، 1974 ، ص297
23- هشام علي صادق تنازع القوانين الطبعة الثالثة منشاة المعارف، الإسكندرية، 1974 ، ص327.
24- والجدير بالذكر أن هنالك قوانين نصت على الأثر الإيجابي للنظام العام ومنها القانون البحريني في المادة (6 /ب) . في حال استبعاد القانون الأجنبي لأي سبب من الأسباب يجب على الجهة التي تنظر النزاع أن تطبق أحكام القانون البحريني" وذهب في نفس المعنى القانون المدني الجزائري في نص المادة (24/2) يتضح من هذا النص أن المشرع البحريني والجزائري، أخذوا بالأثر الإيجابي وهو تطبيق قانون القاضي في حال استبعاد القانون الأجنبي. د. مهند احمد محمود صانوري موانع تطبيق القانون الأجنبي الواجب التطبيق في القانون البحريني، دراسة مقارنة، جامعة العلوم التطبيقية، مملكة البحرين مجلد 22 ، العدد 2، 2020، ص8.
25- عسالي عبد الكريم، حياد قاعدة الإسناد الوطنية، بحث منشور في مجلة الأكاديمية للبحث القانوني، مجلد 12، العدد 3 2021 ص 294.
26- د. هشام علي صادق تنازع القوانين الطبعة الثالثة منشاة المعارف، الإسكندرية، 1974 ، ص 334.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدولي الخاص
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة