القوانين العالمية الصادرة عن المؤسسات الخاصة التي تعنى بالطفل حذرت من ضرب الأطفال. إلا أن الواقع الملموس يؤكد على عدم تقيد الفرد البالغ بها. من يضرب الطفل؟ الوالدان؟ المعلم أو المعلمة في المدرسة، الاخوة الأكبر أو الأولاد الاشقياء في الشارع؟ وما الآثار النفسية التي يتركها هذا التجني على جسد الطفل وعلى حريته وعزة نفسه؟
نورا 6 سنوات: حين أشاغب في البيت يضربني البابا أو يحرمني من أشياء أحبها، وإذا أردت الهرب من عقابه، أختبئ في سريري ليعتقد انني نائمة.
سارة 8 سنوات: عمتي تضربني لأنها تعيش معنا في البيت وتكون مسؤولة عني. هي تحبني لكنها تكون متعبة لا تتحمل شقاوتي فتضربني لأهدأ.
جمانة 7 سنوات: أخي الكبير يضربني، وهو يقول إنه يريدني أن أكون شاطرة. وأكثر ما يضربني حين يساعدني في دروسي.
من براءة كلام الأطفال، ندرك أن للضرب واقعاً كبيراً عليهم. التربية الصحية تقوم على ثلاث ركائز أولها الطفل، ثانيها الأهل، وثالثها المدرسة، وإذا تم التنسيق بين هذه العناصر كان نجاح الغاية في الوصول الى تربية سليمة وإنسان سوي كي لا يضيع الطفل ويفقد شخصيته.
المربي الاستاذ ريمون غانم.
مم يخاف الطفل أكثر من عقاب المدرسة أم عقاب الأهل؟
الطفل لا يخاف العقاب بحد ذاته إنما صاحب العقاب الذي غالباً ما تكون له أهمية كبرى في نظر الطفل. وإذا كانت العلاقة جيدة وأساسها المحبة بين التلميذ وذويه أو بينه وبين المعلم كان للعقاب وقعه الشديد حتى ولو كان مجرد نظرة عتاب.
برأيك ما هو مستقبل الطفل الذي يتعرض للضرب؟
العنف يخلق مبدأ لا يسير إلا بالعنف، ونحن ندخل الأولاد في هذه الدائرة ونجعلهم ضحايا لنا.
ونرى أن العقاب النفسي يكون أحياناً أشد من العقاب الجسدي، ولكن دون أن نتنكر لمحبتنا للطفل كأن نقول له لم أعد أحبك! وخاصة في السنوات الأولى من تحصيله المدرسي إذا تعرض لعقاب جسدي قد يولد الأمر في نفسه شعوراً بالغبن يؤدي به إلى كره المدرسة أو الى الانغلاق والعدوانية وعقد نفسية أخرى تؤثر في مستقبله العلمي.
وبالرغم من التزام المدارس بعدم ضرب الأطفال انما للأسف، هناك عائلات كثيرة تؤذي أطفالها بالضرب في المنازل كما تعلمهم الكذب من خلال عدم المصارحة بأنهم يتعرضون للضرب في البيت هناك نماذج اطفال في المدرسة مدموغين بآثار الضرب، وعندما يُسألون، يدعون أنهم وقعوا على الأرض أو تعرضوا لخربشة شقيق فيلجأ الى حوار دائم معهم حتى نصل إلى الحقيقة. من هذه العينات نكتشف أن الأهل يقمعون الطفل بضربه أولا وبتعليمه الكذب ثانية، مع العلم أنهم يضربونه إذا كذب عليهم.
إنني في هذا الإطار اسأل الأهل، لماذا يسمحون للطفل وهو صغير بفعل كل شيء، ثم يبدأون ضربه عندما ينضج؟
يجب أن نتعلم كيف نربي الأطفال من خلال فهم نفسيتهم واستنتاج حالات المعاناة لديهم. نحن نحاور الأهل في لقاءات اسبوعية ونحاول إقناعهم بالإقلاع عن ضرب أطفالهم إذ غالباً ما يكون الطفل كبش محرقة لمشاكل عائلية أو نفسية.
رأي علم النفس:
كيف يحدد علم النفس سلبيات ضرب الأطفال وتأثيره النفسي عليهم؟ وبالتالي كيف يحدد العقاب الأفضل أن في البيت أو المدرسة؟
إن الضرب ممنوع في تربية الطفل أن في البيت أو المدرسة، إلا في حالات نادرة جداً بحيث لا يتعدى العقاب الضربة الخفيفة على يده لتعلمه الصح من الخطأ. الأطفال لا بد وان يقعوا في الخطأ، وإذا عودناهم على الضرب، سهل الأمر لديهم وأصبحوا يفعلون كل ما يريدون لأنهم يعرفون العقاب مسبقاً. وعندما يكبرون يعمدون إلى تنفيذ ما تعودوا عليــه مـــع أولادهم. من هنا نرى القمع متوارثاً من جيل إلى جيل في عائلة تعتمد الضرب اساساً للتربية، والضرب يفقد الطفل ثقته بنفسه ويضعف شخصيته فيعمل للدفاع عن نفسه على ضرب الآخرين ولو كانوا اقرباء له نحن لا نقول بأنه يجب عدم معاقبة الطفل ولكن يجب الامتناع عن ضربه واعتماد سبل مختلفة في الحوار والتفاهم بعيدا عن القمع أو حتى القمع المؤجل، كأن تهدد الأم وتتوعد وتنتظر مجيء الأب لتنفيذ العقاب. وفي أحيان كثيرة قد يؤجل العقاب من الصباح حتى المساء ويكون الطفل قد نسى ما فعل ولم يعد يعرف لماذا يُعاقب، وايضا قد يتمادى في أخطائه لأنه يعرف سلفا بأن عقابا ينتظره. من هنا كان وجوب العقاب الفوري بالحوار. فالطفل يفهم ويستوعب ومهما اختلفت قدرات الاستيعاب بين طفل وآخر إلا أنه لا بد من طول البال معهم ومعرفة أفضل عقاب قد يؤثر بهم كحرمانهم من الأشياء الأحب إلى قلوبهم، مع الاحتفاظ بسر المحبة معهم، فلا تقول الأم لابنها مثلا: (لم أعد أحبك) فهذا خطأ تربوي كبير، ويمكنها القول: أنا أحبك ولكنك فعلت ما يغضبني ولا اريد التكلم معك. هذا عقاب فعّال للطفل إذ لا شيء يؤثر في نفسه أكثر من قطيعة كلام أمه معه. ولتنقطع عن الكلام معه مدة نصف ساعة أو أكثر ليشعر بذنبه.
هل يختلف التأثير النفسي للضرب من مرحلة الطفولة الى مرحلة البلوغ؟
- لا بد وأن يتأثر الطفل بالضرب في مختلف المراحل. وربما يترك الأمر في نفسه حقدا دفينا قد يفجره متى استطاع، أو قد يبقى الضرب نقطة سوداء في حياته نكتشف بصماتها مستقبليا.
أخيراً، بعض الامهات يعتقدن أن أطفالهن لا يتجاوبن معهن إلا بعد ضربهم، ما رأيك؟
- لأنهن اعتمدن هذا الاسلوب مع أطفالهن، وهذا لا يعني أن الطفل يتجاوب عن قناعة، بل بشكل آلي، علينا تمرين الطفل على الحوار وتشجيعه نحو الأفضل حتى ولو كانت درجة تقدمه بطيئة، إلا أنه مع الوقت والتحاور سيصل الى الأمام في حين أن الضرب يجعل الطفل يائسا يردد مقولة هذا أنا ولن أستطيع الوصول الى الأفضل.