شمول جواز العفو في القصاص
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص176-178
2026-06-10
12
يرى الكثير من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، الشيعة منهم والسنة، وكذلك بعض الباحثين في آيات الأحكام كمؤلف كتاب كنز العرفان، يرون أن الآية الشريفة (ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) تخص الأمة الإسلامية معللين ذلك بقولهم أن اليهود كانوا مأمورين شرعاً ومجبورين بتطبيق القصاص في حوادث القتل والجرائم، ولهذا، وخلافاً لنص التوراة الذي يأمر بتطبيق حكـم القصاص في القتل المتعمد وعدم جواز العفو، وخلافاً أيضاً لنص الإنجيل الذي يقر العفو دون القصاص، فقد حكم القرآن الكريم بكل منهما معاً، بل ووهب رب العالمين إلى المسلمين رحمة وتخفيفاً وهو أن باستطاعة ولي الدّم اختيار القصاص أو العفو أو المصالحة من غير إجبار على تطبيق القصاص[1]، ولا بد هنا من التنبيه إلى أنه بالإضافة إلى عدم امتلاك صاحب كنز العرفان أي دليل على ما قال، فإنّ هناك شاهداً كذلك على خلاف ما ذكره وتعارض مع ذيل الآية الشريفة: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ[2]) لأنّ ظاهر هذه الآية هو أنّ صدر وذيل حكم القصاص المذكور فيها قد ورد في التوراة، أي كما أن التوراة أشارت إلى قصاص النفس والأطراف والجروح فإنها أقرت أيضاً بالحق لولي الدّم أو المجني عليه وأجازت له التصدق أو العفو وهو بمثابة كفّارة لذنوبه، وعلى هذا فإنّ حكم القصاص لم يكن ملزما لبني إسرائيل، كما صرح بعض المفسرين بأن اليهود كانوا مخيرين بالعفو إلى جانب القصاص[3]. وأما القول بعدم دلالة ذيل الآية على تشريع جواز العفو في التوراة فهــو مخالف للظاهر كذلك؛ لأنّ - وكما أشرنا - ظاهر صدر الآية الشريفة يدل على تشريع أصل القصاص في التوراة، كما أن جواز العفو هو مدلول ذيل نفس الآية، لكن يهود بني قريظة وبني النضير ورغم أنهم محسوبون على أهل الكتاب ورغــم ورود قانون القتل المتعمد في الكتب السماوية ومنها التوراة، كانوا يُصرون بعناد على اتباع تقاليد العرب في الجاهلية في هذا المجال[4].
وأما القول الآخر الذي ادعاه الكثير من المفسّرين وبعض الباحثين في مجال آيات الأحكام كصاحب كنز العرفان - وكما أشرنا سابقاً ـ فهو ورود العفو وتشريعه في الإنجيل فقط دون تعيين القصاص[5]. وهذا القول يصعب إثباته بالإضافة إلى أنه لم تقم عليه أية شواهد، أولاً: بالنظر إلى أن معظم أحكام التوراة وردت في الإنجيل كذلك، ومن تلك الأحكام حكم القصاص، كيف يمكن اعتبار الإنجيل خالياً من حكم القصاص دون الاستناد إلى دليل معتبر وإن كان ذلك ممكناً ثبوتاً؟
ثانياً: إنّ الدين الذي يرغب في إدارة شؤون الناس وتسيير أمور المجتمع دون أن يشرع حكماً إلزامياً بشأن القتل أو يضع له عقاباً سوى العفو، لن يكون ديناً خالداً على الإطلاق. وتُعرّف الكنيسة دين السيد المسيح عليه السلام بأنه دين الرهبانية والانطواء والعفو والتسامح، لكنّ القرآن الكريم يعتبر المسيحية كدين موسى كليم الله ودين الإسلام، حيث لا فرق بينها من حيث اشتمالها على الأحكام الخاصة بالجهاد والقتال ويخاطب المسلمين كما خاطب المسيحيين من قبل ويطالبهم بالجهاد في سبيل الله في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [6])، ومثل هذا الدين الذي يعتبر الجهاد والدفاع ضد الأعداء والمعتدين مبدأ مسلماً به لا يمكنه أن يتقاعس عن وضع حكم للقتل المتعند ويكتفي بالعفو، أما الأوامر والتعاليم الكلية المتعلقة بالعفو والتنازل الأخلاقي فلا يمكنها أن تكون سنداً للعفو عن القتل المتعمــد بـأي شـكـل مـن الأشكال.
[3] تفسير التبيان: 2 / 103 .
[4] التفسير الكبير: المجلد 5،3 / 50 .
[5] راجع: كنز العرفان: 2 / 356
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في المعاملات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة