قوانين القصاص وحكمه التشريعي
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص163-165
2026-06-10
12
تنقسم الاحكام والقوانين الدينية الى قسمين: تكوينية وأخرى تشريعية فأما القوانين التكوينية فموجودة في أم الكتاب أو الكتاب المبين أو كتاب المحو والإثبات أو المكتوب في ذات الله سبحانه (بمعناه الخاص): (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[1]) وأما القوانين التشريعية فتتمثل في الحكم الشرعي لله سبحانه الذي يتم ابلاغه الى الناس عن طريق الوحي والرسالة وتتضمن الاحكام والقوانين التشريعية أحيانا الترخيص والإباحة أو الواجب والتكليف في أحيان أخرى وقد تكون التكاليف من ناحيتها واجبة تارة أو مستحبة تارة أو محرمة ومكروهة تارة أخرى. ويسمح تقرير الاحكام الالزامية (الواجبة أو المحرمة) الملحة باستخدام حرف الجر على وكذلك الاحكام الترخيصية باستخدام حرف اللام يسمح بالفصل بين المسائل الالزامية والمسائل الترخيصيىة مثل الاحكام الواردة في نص الاية الشريفة: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[2]). وهي أحكام ترخيصية بحتة حيث تشبه جملة: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) جملة (فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ[3]). في أنهما تشيران الى الارشاد نحو كيفية اجتذاب المنافع والتشجيع على طلب الاولاد والذرية وما شابه ذلك من خلال النكاح وكذلك الاحكام الواردة بشأن الصلاة والصيام والقصاص والقتال وإجلاء اليهود القاطنين في أطراف المدينة من وطنهم والوصية: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا[4]) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ[5]) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ[6]) (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا[7]) (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ[8]) فكل منها يعني فرض حكم شرعي يكون أحيانا ملزما وواجبا كالأحكام الخمسة الاولى أو مستحبا في أحيان أخرى مثل الحكم الاخير وتجدر الاشارة الى أن الحكم الاخير (الخاص بالوصية) يقضي بالالتزام أيضا إلا أن المشهور بين الامامة استحباب هذا الحكم[9]، إلا من كان في ذمته حق لله أو لأحد الناس ففي هذه الحالة تكون الوصية لازمة. وفيما يتعلق بالأحكام المقرونة بحرف الجر على أو حرف اللام لابد من التذكير هنا الى ورود حرف الجر على يشير الى الفرض على الانسان ولا يعني أنه مضر له كما أن دخول حرف اللام في الحكم لا يقصد به اقتصار الحصول على المنفعة مثلما أن ذلك لا يعني أن المنفعة للإنسان لا توجد إلا في هذا المورد والدليل على قولنا هذا هو الاية المتعلقة بالقتال حيث قال تعالى: (وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ[10]) بعد ذكره لوجوبه والزامه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) ولهذا علق بعض كبار العلماء في تفسيرهم للآية الشريفة: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا[11]) بقوله لقد فرض الله سبحانه جميع الاحكام لفائدتنا ومصلحتنا سواء أكانت عطاء أو بلاء رغم تضرر الانسان مثلا عند استخدام كلمة (علينا[12]) فلا ريب مطلقا في أن كل ما كتبه الله تعالى علينا من أحكام بما فيها الاحكام التكليفية والإلزامية التي تبدو مضرة للإنسان في الظاهر وكذلك المسائل التكوينية والمصائب التي تحل بالإنسان جميعها تنصب في مصلحة الانسان ومنفعته ولذلك قال عز وجل: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) لأن الله سبحانه هو الخير المحض ولا يصدر عنه سوى الخير.
[9] راجع: فقه القرآن، الراوندي: 2/ 299 ؛ التبيان: 2 / 107. قال الراوتدي: فالناس في الوصية على ثلاثة أضرب منهم من لا تصح له الوصية بحال، وهو الكافر الذي لا رحم لـه مـع الميت وعند المخالف الوارث؛ والثاني: من تصح له الوصية بلا خلاف، مثل الأجانب فإنّه يُستحب لهم الوصية وعندنا الوارث تصح له الوصية أيضاً. والثالث: من هـو مختلـف فيـه وهـو عـلى ضربين: منهم الأقرباء الذين لا يرثونه بوجه مثل ذوي الأرحام عند من لم يُورث ذوي الأرحام مثل بنت الأخ وبنت العم والخالة والعمة، والضرب الآخر يورثون، لكن ربما يكون معهم من يحجبهم مثل الأخت مع الأب والولد، فإنّه يُستحب أن يوصي لهم وليس بواجب. وعندنا أن الوصية لهؤلاء كلهم مستحبة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في المعاملات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة