0

بمختلف الألوان
يُحرِّكُ القلوبَ نحوَ معشوقِها شوقُ اللِّقاءِ، فيدنُو مِن أبصارِهِم كأنْ لا بينَ بينَهُما! وتُصبحُ الدقائقُ خانقةً عندَما تهيجُ صبَابةُ التائقِ في طريقِ الوِصالِ، فيُسَعِّرُ البعدُ نارَ الوَجدِ شوقاً وحنيناً وأنيناً.. أنّى أُحدِثُكَ عَنِ العَاشقين ... رِحلةٌ لا يُدرِكُ سِرّها إلّا مَن شَهِدَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
السيادة المهدورة: عندما تُسوّق التبعية بوصفها إنجازًا دبلوماسيًا

منذ 50 دقيقة
في 2026/09/28م
عدد المشاهدات :20
السيادة المهدورة: عندما تُسوّق التبعية بوصفها إنجازًا دبلوماسيًا
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
27/09/2026
في عالم العلاقات الدولية، لا تُقاس سيادة الدول بالشعارات التي تُرفع في الخطب، ولا بالبيانات الرسمية التي تتحدث عن الاستقلال والقرار الوطني، بل تُقاس بالسلوك السياسي اليومي وبالطريقة التي تمثل بها الدولة نفسها أمام الآخرين. فالدبلوماسية ليست مجرد تبادل رسائل أو مكالمات هاتفية، بل منظومة دقيقة من الأعراف والبروتوكولات والرموز التي تعكس مكانة الدول وطبيعة العلاقات بينها.
ومن بين المبادئ المهمة في هذا المجال مراعاة مستوى التمثيل وطبيعة المناسبة. فوزير الخارجية يتواصل في الأصل مع نظيره، ورئيس الحكومة مع نظيره في القضايا التي تستدعي ذلك، ورؤساء الدول يتخاطبون فيما بينهم، مع بقاء المجال مفتوحًا بالطبع للقاءات بين مستويات مختلفة وفق طبيعة الزيارة والموضوع المطروح. فليس غريبًا أن يستقبل رئيس دولة أو رئيس حكومة وزير خارجية أجنبي، كما ليس غريبًا أن يجتمع وزير خارجية برئيس حكومة أثناء زيارة رسمية؛ لكن دلالة المشهد تختلف باختلاف من هو الزائر، ومن يمثله الطرف المضيف، وما طبيعة الزيارة ومستواها.
وهنا ينبغي التمييز بين حالتين مختلفتين تمامًا. فعندما يزور وزير خارجية دولة بلدًا آخر ويلتقي نظيره ثم يستقبله رئيس الحكومة أو رئيس الدولة، فإن الضيف يكون قد انتقل في جزء من برنامجه إلى مستوى أعلى من مستواه الوظيفي، وهو أمر مألوف في الدبلوماسية وقد يعكس أهمية الزيارة. أما عندما يكون رئيس الحكومة نفسه هو الذي يسافر إلى دولة أخرى، ثم لا يكون نظيره هو الطرف المقابل في اللقاء السياسي الرئيس، وإنما يمثّل الدولة المضيفة وزير خارجيتها أو مسؤول أدنى مستوى، فإن الصورة تصبح مختلفة وتستحق السؤال.
فالمسألة هنا لا تتعلق بحساسية شكلية تجاه الألقاب، وإنما بالتكافؤ في مستوى تمثيل الدول. فرئيس الوزراء عندما يسافر بصفته الرسمية لا يمثل شخصه، وإنما يحمل معه صفة الدولة والحكومة التي يرأسها. ومن ثم فإن مستوى استقباله والجهة التي تتولى محاورته جزء من الرسالة السياسية والبروتوكولية للزيارة. فإذا رفعت دولة مستوى تمثيلها إلى رئيس الحكومة، بينما قابلتها الدولة الأخرى بمستوى وزاري أدنى، يصبح من المشروع التساؤل عن سبب هذا التفاوت وعن الدلالة التي يحملها.
ولا يعني ذلك أن كل لقاء بين رئيس حكومة ووزير خارجية أجنبي يمثل في ذاته انتقاصًا من السيادة؛ فالتاريخ الدبلوماسي والممارسة المعاصرة يعرفان مثل هذه اللقاءات بكثرة. إنما القضية هي السياق: هل جاء الوزير ضمن برنامج لقاءات لرئيس الحكومة مع نظيره وقيادة الدولة المضيفة، أم أصبح الوزير هو المستوى الذي يقابل رئيس الحكومة الزائر؟ هنا يكمن الفارق الذي لا ينبغي طمسه.
ولعل الممارسة الدولية نفسها تكشف أهمية هذا التمييز. ففي العلاقات بين الدول الكبرى نجد أن القادة يلتقون أحيانًا وزراء خارجية دول أخرى، لكن الزيارات الرسمية أو زيارات العمل على مستوى رؤساء الدول والحكومات تُبنى عادة حول لقاءات مع القيادات المناظرة أو العليا في الدولة المضيفة. ومن هنا لا تكون القضية في إمكان أن يجلس رئيس مع وزير، بل في الصورة الكلية للزيارة ومستوى التمثيل الذي اختارته كل دولة لنفسها وللطرف الآخر.
وهذا ما يجعل السؤال في مثل هذه الحالات بسيطًا ومباشرًا: إذا كان الذي سافر هو رئيس الحكومة، فأين كان نظيره؟ ولماذا ارتفع مستوى التمثيل من جانب الدولة الزائرة إلى رأس السلطة التنفيذية، بينما انخفض من جانب الدولة المضيفة إلى مستوى وزاري؟ فالدبلوماسية لا تُقرأ فقط بمن جلس إلى الطاولة، بل كذلك بمن كان يُفترض، بحكم طبيعة الزيارة، أن يجلس إليها ولم يجلس.
وتزداد حساسية المشهد عندما تنتقل المسألة من مستوى اللقاء إلى رموزه. فالعَلَم في العلاقات الدولية ليس مجرد قطعة قماش توضع خلف المسؤولين لتجميل الصورة، وإنما هو أحد أبرز رموز الدولة وسيادتها. ولهذا تحرص المراسم في اللقاءات الثنائية الرسمية على ترتيب الأعلام ومواقعها وأحجامها بما يعكس حضور الدول المشاركة ويحفظ رمزية كل طرف.
ولا يعني ظهور علم دولة واحدة في صورة ما، بمفرده، أن السيادة قد انتُقصت بالضرورة؛ فقد يرتبط الأمر بمكان الاجتماع وطبيعته وترتيباته البروتوكولية. لكن عندما يتعلق الأمر بلقاء ثنائي رسمي بين ممثلي دولتين، فإن غياب رمز أحد الطرفين، ولا سيما إذا اقترن أصلًا بعدم تكافؤ مستوى التمثيل، يصبح تفصيلًا يستحق التوقف عنده بدل التعامل معه وكأنه بلا دلالة.
فالسيادة لا تختزل في عَلَم، كما لا تختزل في مكالمة هاتفية أو ترتيب مقاعد، لكن هذه التفاصيل مجتمعة تشكل اللغة الصامتة للدبلوماسية. وقد تقول الصورة أحيانًا ما لا تقوله صفحات من البيانات الرسمية، لأن الدولة التي تصر في خطابها على الندية ينبغي أن تظهر هذه الندية أيضًا في مستوى تمثيلها، وفي طبيعة استقبال مسؤوليها، وفي الرموز المصاحبة للقاءاتهم.
ومن هنا فإن المشكلة في تجاوز التسلسل الطبيعي للتواصل الدبلوماسي لا تكمن في المكالمة الهاتفية ذاتها، بل في الرسالة السياسية التي تحملها. فعندما يصبح من المعتاد أن يتجاوز وزير خارجية دولة نظيره ليتواصل مباشرة مع رئيس حكومة دولة أخرى، ثم يقترن ذلك بزيارات لا يظهر فيها المستوى نفسه من التكافؤ، فإن المسألة لم تعد واقعة منفردة، بل مجموعة إشارات تستحق أن تُقرأ في إطار طبيعة العلاقة بين الدولتين.
غير أن الإشكال يتفاقم حين يُسوَّق مثل هذا المشهد إعلاميًا بوصفه "انتصارًا دبلوماسيًا" لرئيس الوزراء، وكأن تلقي الاتصال من مسؤول أجنبي أو الجلوس معه صار في ذاته معيارًا للنجاح السياسي. فالدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بعدد المكالمات التي يتلقاها المسؤول، ولا بعدد الصور التي تُلتقط له، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مكانتها وإدارة علاقاتها على أساس الاحترام المتبادل.
أما تحويل واقعة تثير أسئلة حول ميزان العلاقة إلى مادة دعائية تُعرض للرأي العام بوصفها إنجازًا، فإنه يقلب المعايير رأسًا على عقب. فبدل أن يُسأل عن مستوى التمثيل وطبيعة اللقاء وموقع الدولة في المشهد، تتحول الصورة نفسها إلى مادة احتفالية، وكأن مجرد الوصول إلى طاولة الاجتماع انتصار بصرف النظر عمن يجلس في الطرف الآخر منها.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يُعاد تعريف الاختلال باعتباره نجاحًا، وأن يصبح ما يحتاج إلى تفسير مادة للتباهي. عندها لا نكون أمام مشكلة بروتوكولية فحسب، بل أمام خلل في فهم معنى السيادة نفسها؛ لأن الدعاية تبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ السؤال.
إن الدول التي تحترم سيادتها تدرك أن البروتوكول ليس زينة ملحقة بالسياسة، وإنما إحدى اللغات التي تعبّر بها الدول عن مكانتها. ولذلك فإن القضية لا تتعلق بمكالمة هاتفية عابرة، ولا بعلم غاب عن صورة، ولا بمقعد وُضع هنا أو هناك؛ وإنما بالصورة التي تنتج عندما تجتمع هذه التفاصيل في سياق واحد، وبالرسالة التي تبعث بها إلى الداخل والخارج.
فالدول لا تفقد استقلالها دفعة واحدة، ولا تُقاس سيادتها بحادثة منفردة، وإنما يمكن أن تتآكل مكانتها عندما تتحول الاختلالات الصغيرة إلى ممارسة مألوفة، ثم يأتي الإعلام ليمنحها أسماء أخرى ويقدمها للرأي العام في ثوب الإنجاز.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر وضوحًا:
هل نحن أمام علاقة بين دولتين مستقلتين تُدار وفق قواعد الاحترام والتكافؤ، أم أمام علاقة يعلو فيها مستوى تمثيل طرف وينخفض مستوى تمثيل الطرف الآخر، ثم يُطلب من الجمهور أن يصفق لهذا التفاوت باعتباره نجاحًا دبلوماسيًا؟
وفي النهاية، السيادة ليست مفهومًا نظريًا يُستدعى في البيانات الرسمية، ولا مناسبةً سنوية تُرفع فيها الأعلام، وتُلقى الخطب، وتُسخَّر لها وسائل الإعلام، ثم يُمدَّد الاحتفال بها أيامًا وكأن كثرة المراسم تستطيع أن تعوّض نقص الممارسة. فالسيادة لا تزداد رسوخًا بطول الاحتفال بها، ولا تصبح الدولة أكثر استقلالًا بكثرة ما يُقال عن استقلالها. السيادة ممارسة يومية تبدأ من القرار السياسي، ومن القدرة على حماية إرادة الدولة ومكانتها، ولا تنتهي عند أصغر الرموز والتفاصيل الدبلوماسية.
فلا معنى لأن نحتفل بالسيادة أيامًا، ثم نتساهل معها في ساعة لقاء؛ ولا معنى لأن نرفع العَلَم في الساحات، ثم لا نسأل عن غيابه حيث ينبغي أن يكون حاضرًا؛ ولا معنى لأن تمتلئ المنابر بالحديث عن استقلال القرار، ثم نقبل في العلاقات الخارجية ما لا تقبله دولة حريصة على التكافؤ في تمثيلها ومكانتها. فالسيادة التي تحتاج إلى مهرجان لإثبات وجودها، بينما تغيب عن تفاصيل الممارسة السياسية، تتحول من حقيقة تمارسها الدولة إلى شعار تستهلكه المنابر.
والمسؤول الذي يمثل دولته خارج حدودها لا يحمل اسمه ومنصبه فحسب، بل يحمل معه مكانة الدولة نفسها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مكالمة تلقّى؟ وكم لقاء عقد؟ وكم صورة التُقطت له؟ ولا كم مرة أعادت وسائل الإعلام بث تلك الصور؟ بل: بأي صفة ذهب؟ وبأي مستوى استُقبل؟ ومن جلس في الطرف الآخر من الطاولة؟ وما الصورة التي عادت بها دولته من ذلك اللقاء؟
ففي الدبلوماسية، كما في السياسة، لا تكفي الصورة لإثبات الحضور؛ وأحيانًا يكون السؤال الأهم والأكثر إيلامًا: من غاب عن الصورة؟

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 6 ايام
2026/09/22
حين نتحدث عن جغرافية العراق، فإننا لا نتحدث عن الأرض والأنهار والصحراء فقط، بل...
منذ 6 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...