0

بمختلف الألوان
يُحرِّكُ القلوبَ نحوَ معشوقِها شوقُ اللِّقاءِ، فيدنُو مِن أبصارِهِم كأنْ لا بينَ بينَهُما! وتُصبحُ الدقائقُ خانقةً عندَما تهيجُ صبَابةُ التائقِ في طريقِ الوِصالِ، فيُسَعِّرُ البعدُ نارَ الوَجدِ شوقاً وحنيناً وأنيناً.. أنّى أُحدِثُكَ عَنِ العَاشقين ... رِحلةٌ لا يُدرِكُ سِرّها إلّا مَن شَهِدَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
معراج الروح نحو الحسين

منذ 50 دقيقة
في 2026/09/28م
عدد المشاهدات :10
لم يكن قرار المسير خطوةً في جغرافيا المكان، بقدر ما كان انزياحاً من زمن الفناء إلى أبدية العشق. وسط الملايين التي تتشابه دقات قلوبهم وتختلف لغاتهم، اتخذ قراره بأن يذوب في هذا الطوفان البشري الهادر، حاملاً رايةً خضراء كطيفِ نخلةٍ يلوح في صحراء الروح، ومحفوراً عليها بمداد الشوق: "لبيك يا حسين".
كان يجدّ في السير عبر الحقول الممتدة، كمن يفتش عن سر تكوينه الأول. هناك، بين سنابل القمح وتراب الأرض العطش، كان يفتح كتاب السيرة، ليقرأ كيف سار الحسين ذات يوم على نفس الأديم، واطئاً رمال الفناء ليزرع في تربة الوجود شجرة خلود لا تعرف الذبول.

كان العام المنصرم قد أثقله بأخطائه وندوب أيامه، وها هي رحلة التطهير الكبرى تنعقد؛ محطةٌ لإعادة نسج الروح، وبعثِ ما تبقى من إنسانٍ ضائعٍ في زحمة المادة وصخب العالم الأعمى. وهو يردد بقلب خاشع كلمات سيده: "إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما"، فكيف لمن عرف طعم الحرية أن يقبل بغير النور طريقاً؟

تأمل في طريقه ذلك المشهد الذي يعجز العقل المادي عن تفكيك رموزه: شيوخٌ أثقلهم الدهر، أطفالٌ تتطاير البراءة من أعينهم، وشبابٌ يعفرون جباههم بخدمة الزائرين بلا منٍّ ولا أجر. كيف يمكن لعالمٍ محكومٍ بقانون العرض والطلب، والربح والخسارة، أن ينتج هذا الفيض الهائل من البذل المجاني؟
جاء الجواب على لسان شيخٍ طاعن في السن، تخطى الثمانين من عمره، وقد حفر الزمن خريطة الحكمة على وجهه، ليقول بيقين العارفين: "إننا نكسب كثيراً.. بل وكثيراً جداً مقابل خدمة الزائرين، فما أثمان الدنيا كلها أمام شفاعة الحسين؟
إنه اقتصاد الغيب، حيث تذكر قول الإمام (ع): "الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون". وهنا، في هذه الموكبية الإلهية، يتبين المعدن الأصيل لمن صدق العهد ولم يبع دينه بدنياه.

تحت شمسٍ حارقة تخطت حرارتها خمسين درجة مئوية، حيث يتماهى السراب بالواقع، برزت طفلةٌ صغيرة تهرول نحوه، تمدّ يدها الصغيرة بقدح ماء وتقول بصوت نقيّ بريء: "تفضل.. والعن أعداء الحسين".
امتدت يده لتمسك بالقدح، فسرى برد الماء في عروقه كأنه نسمةُ جنةٍ هبطت من سدرة المنتهى. وهناك، وسط لهيب الهجير وشدة العطش، انعكس في قلبه مشهد العباس على شاطئ العلقمي، فأدرك فجأةً جلال التضحية، ومعنى أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه حتى في لحظات الموت الظمآن، مستحضراً صدى صوت الحسين يوم خاطب الأحرار: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، السلة والذلة، وهيهات منا الذلة".

لم يعد يشعر بتعب الطريق. كانت الخطوات تتخبط في التلال والجسور والعقبات، لكن الروح كانت تحلق في أفقٍ آخر. أدرك أنه لم يكن سائراً على قدميه، بل كان يرتاد معراجاً روحياً يضاهي هول يوم القيامة وعظمته؛ تلك الحركة البشرية الضخمة التي تشبه زحف الخلائق نحو الجنة، بحثاً عن الخلاص الأبدي في حضرة "المعشوق" الأزلي، متأسياً بنداء الشهيد: "هلموا إليّ، أنا ابن عليّ وفاطمة،...".

أما العجب العجاب، فهو ما حدث لجسده المنهك؛ فقبل البدء بهذه الرحلة المقدسة، كان ينوء تحت وطأة آلام المفاصل وشكاوى الجسد الواهن. وهأ هو يقطع عشرات الكيلومترات بلا ألمٍ ولا شكوى، وكأن الشوق الجارف قد أحرق أوجاع البدن، وأبقى فقط جذوة العشق المشتعلة في فؤادٍ.. ويستذكر دائماً قول الرسول الخاتم (ص): "ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم.".

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 6 ايام
2026/09/22
حين نتحدث عن جغرافية العراق، فإننا لا نتحدث عن الأرض والأنهار والصحراء فقط، بل...
منذ 6 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...