0

بمختلف الألوان
يُحرِّكُ القلوبَ نحوَ معشوقِها شوقُ اللِّقاءِ، فيدنُو مِن أبصارِهِم كأنْ لا بينَ بينَهُما! وتُصبحُ الدقائقُ خانقةً عندَما تهيجُ صبَابةُ التائقِ في طريقِ الوِصالِ، فيُسَعِّرُ البعدُ نارَ الوَجدِ شوقاً وحنيناً وأنيناً.. أنّى أُحدِثُكَ عَنِ العَاشقين ... رِحلةٌ لا يُدرِكُ سِرّها إلّا مَن شَهِدَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... العاقبة الوخيمة لسوء الخلق مع الأهل (71)

منذ 51 دقيقة
في 2026/09/28م
عدد المشاهدات :8

حسن الهاشمي
قال بعض الاصحاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما حضر جنازة سعد بن معاذ: (أمرت بغسله، وصلَّيت على جنازته، ولحدته في قبره، ثمّ قلت: إنّ سعدًا قد أصابته ضمّة ـ ضغطة القبر ـ ؟ فقال: نعم، إنّه كان في خُلُقه مع أهله سوء) الأمالي للصدوق، ص468. نعم، هذه الرواية تُذكر في ذمّ سوء الخُلق مع الأهل، ومضمونها أن سوء المعاملة داخل الأسرة قد تكون له آثار أخروية عظيمة، حتى مع علوّ منزلة الإنسان.
ما معنى "ضمّة القبر" في الرواية؟ الـضمّة من "الضَّمّ"، أي الاحتواء والضغط والإحاطة، فالمعنى ليس مجرد دخول الميت في القبر، وإنما حالةٌ تقع له عند وضعه فيه، يشعر معها بضيقٍ وضغطٍ يناسب عالم البرزخ، وهنا تظهر دقة التعبير: الضمّة ليست بالضرورة بمعنى العذاب الأبدي أو عذاب الكافر في القبر؛ فقد ذكر بعض شُرّاح الحديث أنها قد تكون هولًا أو ألمًا عابرًا يصيب المؤمن ثم تكشفه رحمة الله.
إنَّ الأسرة هي الميدان الأول الذي تُختبر فيه حقيقة أخلاق الإنسان؛ فقد يستطيع المرء أن يتجمّل أمام الناس، وأن يُحسن الحديث مع البعيد والقريب، ولكن أخلاقه الحقيقية تظهر في بيته، مع زوجته وأولاده وأهله، حيث تسقط التكلفات وتظهر حقيقة النفس.
وقد ورد في شأن سعد بن معاذ ما يلفت إلى خطورة هذا الجانب، إذ روي أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله) قال بعد أن شهد جنازته ولحده: "إنَّ سعدًا قد أصابته ضمّة"، فسُئل عن سبب ذلك، فقال: "إنّه كان في خُلُقه مع أهله سوء"، والرواية تحمل رسالة تربوية بالغة الأهمية، وهي أن العبادة والمكانة الاجتماعية لا تُغني عن حسن الخلق، وأن الإنسان مسؤول عن سلوكه مع أقرب الناس إليه كما هو مسؤول عن سلوكه مع الآخرين.
فليس حسن الخلق أن يكون الإنسان بشوشًا مع أصحابه، لطيفًا مع زملائه، حسن الكلام مع الغرباء، ثم يعود إلى بيته فيحوّل حياة أهله إلى ساحة من الصراخ والتوبيخ والإهانة، إنَّ أحقَّ الناس بحسن الخلق هم الذين يعيشون مع الإنسان، ويشاركونه أيامه، ويحتملون تعبه وغضبه، ويقفون معه في شدته ورخائه.
ومن هنا كان الإسلام حريصًا على أن يجعل المعاملة الحسنة داخل الأسرة عبادةً ومسؤوليةً أخلاقية؛ لأن الكلمة الطيبة قد تحفظ بيتًا من الانهيار، والابتسامة قد تداوي قلبًا، والصفح عند الغضب قد يمنع خصومةً طويلة، بينما سوء الخلق قد يحوّل البيت الذي يفترض أن يكون موطن السكينة إلى مصدر دائم للألم.
خطورة سوء الخلق مع الأهل لا يقف عند لحظة الغضب، بل يترك آثارًا متراكمة في النفوس: يزرع الخوف في قلب الزوجة، ويكسر ثقة الأبناء، ويُضعف المودة بين أفراد الأسرة، وقد يدفع الإنسان إلى العزلة والنفور، ثم يجد نفسه محاطًا بالناس من الخارج، لكنه وحيد في بيته.
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يجعل بيته أول مدرسة للأخلاق؛ فيضبط غضبه، ويختار كلماته، ويتجاوز الهفوات، ويعتذر إذا أخطأ، ويستحضر أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إخضاع الآخرين، وإنما في القدرة على ضبط النفس وحفظ كرامة من يعيشون معه.
إنَّ حسن الخلق مع الأهل ليس أمرًا ثانويًا في بناء الأسرة، بل هو من أعمدة استقرارها؛ فبالرحمة تُبنى البيوت، وبالاحترام تدوم المودة، وبالصبر تُعالج الأخطاء، وبحسن الخلق تتحول الأسرة من مجرد رابطة اجتماعية إلى بيئة إيمانية يتربى فيها الإنسان على المحبة والسكينة والعطاء.
ولذلك فإن رسالة الرواية ـ قبل أن تكون حديثًا عن رجل مضى ـ هي رسالة تحذير لكل إنسان: لا تجعل أقرب الناس إليك أكثر الناس تضررًا من أخلاقك؛ فإن حسن الخلق ينبغي أن يبدأ من البيت، ومنه يمتد أثره إلى المجتمع كله.
المنزلة الاجتماعية لا تغني عن حسن الخلق مع الأهل، قد يبلغ الإنسان منزلةً عظيمة بين الناس، فيُعرف بالصلاح والعبادة والعلم وحسن التعامل، ويحظى باحترام المجتمع وثقته، لكن الميزان الأخلاقي الحقيقي لا يكتمل حتى يظهر أثر ذلك في أقرب الناس إليه، أهله وأطفاله.
فالإنسان قد يكون محبوبًا خارج البيت، بينما يعيش أهله معه مرارة الغضب وسوء المعاملة وقسوة الكلام، وقد يُحسن إلى البعيد، ويواسي المحتاج، ويبتسم للناس، ثم إذا دخل بيته تغيّر وجهه، وضاق صدره، واشتد غضبه، فأصبح أقرب الناس إليه أكثرهم معاناةً من أخلاقه.
ومن هنا تأتي دلالة الرواية الواردة في شأن سعد بن معاذ، وما نُقل فيها من إصابته بضمة القبر، وربط ذلك في بعض طرقها بسوء خلقه مع أهله، فالعبرة التربوية التي يمكن استخلاصها منها أن المنزلة بين الناس لا تعوّض نقص الأخلاق داخل الأسرة.
إنَّ حسن الخلق ليس مظهرًا اجتماعيًا يُمارسه الإنسان أمام الآخرين، وإنما هو حقيقة تظهر في البيت قبل غيره؛ فالأب الذي يرفق بأطفاله، والزوج الذي يحفظ كرامة زوجته، والأم التي تصبر على أبنائها، كل أولئك يمارسون أخلاقًا قد لا يراها الناس، لكنها عند الله ليست خافية.
ولذلك ينبغي للإنسان أن يسأل نفسه: كيف يراني أهلي؟ لا كيف يراني الناس؟ وهل يجد أطفالي فيَّ الأمان والرحمة، أم الخوف والتوتر؟ وهل تكون عودتي إلى البيت مصدر سكينة لهم، أم سببًا للقلق والخوف والاضطراب؟
قد يكون من أشدّ التناقض أن يحرص الإنسان على صورته أمام المجتمع، بينما يهمل صورته في قلوب أسرته، فالمدح الذي يسمعه من الناس لا ينبغي أن يحجبه عن ملاحظات أهله؛ لأن الذين يعيشون معه هم الأعرف بأخلاقه في حال الغضب والراحة والاختلاف، فالبيت هو المحكّ الحقيقي للأخلاق، والأهل هم الشهود الأقرب على صدقها؛ ومن أحسن خُلُقه في بيته، كان إحسانه إلى المجتمع امتدادًا طبيعيًا لما يحمله في قلبه من رحمة.
إنَّ النجاح الأخلاقي الحقيقي يبدأ من البيت؛ فمن أراد أن يكون صالحًا في المجتمع، فليبدأ بإصلاح كلمته مع زوجته، ونظرته إلى أولاده، وطريقة تعامله مع من هم تحت رعايته، فليس عظيمًا من يُحسن إلى الناس جميعًا ثم يؤذي أهله، وإنما العظمة أن تتسع دائرة الرحمة لتبدأ من أقرب الناس ثم تمتد إلى الآخرين.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 6 ايام
2026/09/22
حين نتحدث عن جغرافية العراق، فإننا لا نتحدث عن الأرض والأنهار والصحراء فقط، بل...
منذ 6 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...