Logo

بمختلف الألوان
المقدمة تحذر اغلب الدراسات الحديثة من مخاطر المحتويات المزيفة التي بات من أسهل الممارسات، مثل برامج فوتوشوب لتحرير وإدخال تعديلات على الصور الفوتوغرافية، و السبب بذلك يرجع إلى تزييف مقاطع الفيديو يعتمد إلى حد كبير على تقنية التعلم الآلي بدلاً من مهارات التصميم اليدوي، علاوة على أن مثل هذه البرامج... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
نعمة العقل ومحوريته في حياة الإنسان

منذ 60 دقيقة
في 2026/08/24م
عدد المشاهدات :11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من خلال التأمُّل في كتاب الله الكريم، نجده يتناول العقل كأنه أمير بيده أزمَّة أمور الهداية والهلاك، يرأس مملكة واسعة تعمل في خدمته، وهو يعمل من خلالها وبوساطتها. كل منهما بحاجة إلى الآخر، لكنه هو الأساس والأصل، فالفطرة والحواس والقلب... جميعها أعوان له، فإن استعمل الإنسان هذا العقل فاز ونجا، وإلَّا هلك وتهاوى في الخسارة الأبدية.
وقد نزل القرآن الكريم في بيئة يسودها الجهل وخمول الفكر، فكانت المساحة الأوسع في آياته دعوة إلى إثارة العقل واستخدام التفكير، وإمعان النظر، وتكرّر ذلك في الآيات الكريمة بجمل وتعبيرات مختلفة، مثل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، وأمثالها في مئات من الآيات القرآنية التي تتضمن دعوة الناس إلى التفكُّر أو التذكُّر أو التعقُّل، أو تلقين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة لإثبات حق أو لإبطال باطل، ولم يأمر الله تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو بشيء مما هو من عنده أو يسلكوا سبيلاً على العمياء وهم لا يشعرون، حتى إنه علل الشرائع والأحكام التي جعلها لهم مما لا سبيل للعقل إلى تفاصيل ملاكاته بأمور تجري مجرى الاحتجاجات.
وعليه، فالقرآن أمضى الإدراك العقلي وأجازه، بل اعتبره جزءاً من التفكير الديني نفسه.
وهذا التأصيل القرآني للإدراك العقلي ينعكس عملياً على سلوك الإنسان؛ فإن المقياس الحقيقي لرشد الإنسان وإنسانيته يكمن في كيفية استيعابه لأمور مجتمعه، وفي طريقة تدبيره وتعامله مع أفراد هذا المحيط الذي يعيش فيه؛ بحيث يواجه الأحداث بعقل متزن وجدية كاملة، ويمتلك نظرة ثاقبة بعيدة المدى تنظر في عواقب الأمور ومآلاتها، ولا يأخذ الحياة بسفاهة عقل أو لامبالاة واستهتار. ومن هنا، فإن من تتوفر وتجتمع فيه هذه الصفات الراشدة، يستحق بجدارة أن يُسمى بـ (أعقل الناس).
وقد تكلم ابن فارس صاحب كتاب (مقاييس اللغة)1 عن أصل كلمة العقل عند العرب، واشتقاقها، حيث قال: العقل "هو الحابس عن ذميم القول والفعل". ومعناه أن معظم ما يؤخذ من هذا الأصل(العين والقاف واللام) أو يشتق منه يرجع بصورة أو بأخرى إلى معنى المنع والإمساك والضبط والحفظ، وضده الإطلاق والإرسال والتسيب.
ولقد توسع العرب في استعمال هذه الكلمة ومشتقاتها فقالوا في المرأة العفيفة المصونة (عقيلة) قال الخليل الفراهيدي: "سميت المرأة الكريمة بذلك لأنها عقلت في خدرها".ولما كان أعز ما خلق في الإنسان، هو ذلك الجزء المعنوي الذي يضبط أخلاق الإنسان وتصرفاته سموه (عقلا) لأنه يمنع صاحبه ويحبسه عن سيء الفعل والقول؛ وهذا المعنى أشار إليه معظم أصحاب المعاجم اللغوية. ويفهم من حاصل معطياتهم أن الذي يسمى عقلا في الإنسان هو: ما يحبسه عن الشر فعلا وقولا، ولا يسمى عقلا ما حبس الإنسان عن فعل الخير.
وقد يطلق العقل ويراد به الفهم والتدبر، أو يطلق على العلم مطلقا أو على العلم بصفات الأشياء من حسنها، وقبحها، وكمالها، ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين كما ورد في القاموس المحيط.
ويلاحظ أن الإطلاق اللغوي للعقل قد لوحظ فيه عند واضعي اللغة أثاره في تصرفات الإنسان وأحواله، من إمساك عن القبائح والشرور، أو علم لحقائق الأمور وفهمها، أو هيئة محمودة للإنسان في كلامه وحركاته، وأما ما ورد في بعض المعاجم من أن العقل هو القلب، والقلب هو العقل، فلأن القلب هو آلة التعقل، وحامل غريزة العقل، وأصله في القرآن الكريم {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}، وهو أطلاق مجازي أطلق فيه المحل وأريد الحال وهو مجاز مرسل. وإذا كان العقل مصدرا أصليا في لغة العرب، فإن ذلك يدل على أنهم اعتبروه شيئا معنويا، وليس ذاتا أو جوهرا أو جسما، إذ المصدر عندهم اسم لمعنى وليس اسما لذات.
والكلام في محاور:
المحور الأول: المرجعية العقلية في العلاقات الاجتماعية
وقد ورد في الأثر عن الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه قال:
(رأسُ العقل معاشرةُ النّاس بالجميل، وبالعقل تُدرَكُ الدّارَان جميعًا، ومن حُرِمَ من العقل حُرِمَهُما جميعًا)2.
هذا النص هو قاعدة ذهبية لنا؛ فالمعاشرة الجميلة والأخلاق الحسنة مع المجتمع هي ذروة العقل والاتزان، وبإعمال هذا العقل يضمن الإنسان فلاح الدنيا وسعادة الآخرة، بينما يؤدي حرمان العقل والانسياق وراء الهوى والنزوات إلى خسارة الدارين معاً.
قال صاحب الميزان قدس سره3: "لفظ العقل .. يطلق على الادراك من حيث ان فيه عقد القلب بالتصديق ، على ما جبل الله سبحانه الانسان عليه من إدراك الحق والباطل في النظريات ، والخير والشر والمنافع والمضار في العمليات حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في اول وجوده ، ثم جهزه بحواس ظاهرة يدرك بها ظواهر الاشياء ، وباخرى باطنة يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الاشياء الخارجة عنها كالارادة ، والحب والبغض ، والرجاء ، والخوف ، ونحو ذلك ، ثم يتصرف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضي فيها في النظريات والامور الخارجة عن مرحلة العمل قضاء نظريا ، وفي العمليات والامور المربوطة بالعمل قضاء عمليا ، كل ذلك جريا على المجرى الذي تشخصه له فطرته الاصلية ، وهذا هو العقل".
لكن ان تسلطت بعض القوى على الانسان بغلبتها على العقل كالشهوة والغضب خرج الانسان عن صراط الاعتدال إلى أودية الافراط والتفريط ، فلم يعمل هذا العامل العقلي فيه على سلامته ، وعلى هذا جرى كلامه تعالى ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في اصحاب السعير ) الملك ـ ١٠، وقال تعالى : ( أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج ـ ٤٦ ، فالآيات كما ترى تستعمل العقل في العلم الذي يستقل الانسان بالقيام عليه بنفسه ، والسمع في الادراك الذي يستعين فيه بغيره مع سلامة الفطرة في جميع ذلك ، ، فإنه يعرف العقل بما ينتفع به الانسان في دينه ويركب به هداه إلى حقائق المعارف وصالح العمل ، وإذا لم يجر على هذا المجرى فلا يسمى عقلا ، وإن عمل في الخير والشر الدنيوي فقط ، فقد تبين من جميع ما ذكرنا : ان المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الادراك الذي يتم للانسان مع سلامه فطرته ، وبه يظهر معنى قوله سبحانه : {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون} ، فبالبيان يتم العلم ، والعلم مقدمة للعقل ووسيلة إليه.
المحور الثاني: صفات وركائز "أعقل الناس"
انطلاقاً من النصوص الشريفة الواردة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يتجلى لنا مفهوم (أعقل الناس) من خلال ثلاث ركائز وصفات أساسية:
1. النظر في العواقب والتمييز المعرفي:
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (أعقلُ النَّاس أنظرُهم في العواقب). فالعقل الراجح هو الذي يمنح صاحبه القدرة على التمييز الدقيق بين الصح والخطأ، وبين الحق والباطل، فلا يتجاوز حدود الله تعالى، بل يستعمل هذه النعمة الإلهية ككشاف يضيء له مآلات الأفعال قبل الإقدام عليها. العقل الراشد لا ينبهر ببدايات الأمور والمكاسب السريعة، بل يشرح خطة العمل إلى نهايتها ليرى إن كانت تؤدي إلى رشد أم إلى غي وسقوط. وهذا السلوك يجعله في مقام القرب من الخالق عز وجل، مصداقاً لقوله (عليه السلام): (أعقلُ النَّاس أقربُهم إلى الله سبحانه).
2. الترفع عن الدنايا والصيانة الأخلاقية:
وعنه (عليه السلام) أنه قال: (أعقلُ النَّاس أبعدُهم عن كلّ دنيَّة)؛ لأن أعقل الناس هو من يترفع عن الرذائل والسلوكيات الهابطة والأمور الدنيئة التي تعكر مساره الصحيح في الحياة، فلا يقربها، ويكون مسيجاً بقوة عقلية وإيمانية متينة تمنعه من السقوط الأخلاقي.
3. الحلم المتزن وسلاح الجواب الحكيم وردع الاستفزاز:
يتميز العاقل بقدرته العالية على تحمل ما يصدر من الآخرين من سلبيات، فلا يتعصب ولا يفرط في ردة فعله، بل يقابل الجهل بالوقار والرد المفحم الذي يضع النقاط على الحروف، ممتثلاً للتوجيه الإلهي: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}. العاقل لا يسمح لجهل الآخرين ومحاولات استفزازهم أن تفقده السيطرة على نفسه، بل يسخّر عقله لإلجام الباطل ونصرة الحق بوقار وثبات.
• [شاهد من التاريخ الإسلامي - ثبات صعصعة بن صوحان]:
وتتجلى هذه القوة العقلية الحاضرة في مواجهة محاولات الاستفزاز الاجتماعي والسياسي؛ كما يُؤثر في سيرة الخطيب البليغ (صعصعة بن صوحان العبدي) حين دخل على معاوية بن أبي سفيان وكان عنده رجال، منهم عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وعقبة بن أبي معيط. فأراد ابن الزبير إحراجه والنيل من جراحاته وسأله مستهزئاً: "أين ذهبت عينك؟" (وكانت قد فُقئت يوم الجمل)، فلم ينفعل صعصعة ولم يغضب، بل رمى بحجر عقله جواباً تاريخياً مفحماً زلزل السائل قائلاً: «ذهبتْ يومَ ضربناك أنت وأبوك، فولّيتمونا الأدبار!».
ولم يتوقف الاستفزاز عند هذا الحد، بل أراد أمويٌّ آخر متهكماً أن ينكأ جراحه الفاجعة بفقد أولاده الشجعان (طُرْفَة وطَرِيف وطُرَافَة) الذين استشهدوا في معركة صفين، فقال له: "ماذا فعلتِ الطُّرَفَات؟" فردّ صعصعة بوقار المؤمن وعقل العارف الذي يرى مآلات الآخرة وعواقب التضحية: «تركتُهُم في مَضاجِعِ الكِرامِ، يَنتظرون نَصْرَ اللهِ، ويَشْفَعُونَ لي يومَ القيامةِ».
هكذا يُدار الاستفزاز؛ حضورٌ ذهني، وثبات عقلي، وترفّعٌ عن الردود الصبيانية، وقلبٌ للطاولة على المتربصين بالحق.
المحور الثالث: قواعد التدبير والمشورة قبل العمل
ولكي يتحول التفكير العقلي إلى منهج عملي ناجح، وضعت لنا النصوص الدينية خريطة طريق إجرائية تحمي قرارات الإنسان من الهوى والندم، وتتمثل في ثلاث قواعد إجرائية:
• أولاً: تدبر العاقبة والاستيضاح وعقل الدراية:
يُروى أن رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا رسول الله، أوصني. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): "فإني أوصيك إذا أنت هممت بأمرٍ فتدبر عاقbته، فإن يك رشداً فامضهِ، وإن يك غياً فانتهِ عنه".
إن هذا التدبر والاستيضاح ينطلق من قاعدة معرفية ذهبية صاغها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بقواعد راسخة حين قال: «اعقِلوا الخَبَرَ إذا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ دِرايةٍ (رِعايَةٍ) لا عَقْلَ رِوايَةٍ، فإنَّ رُواةَ العِلْمِ كَثيرٌ، ورُعاتَهُ قَليلٌ». فالإنسان العاقل لا يكون مجرد بوق ينقل الأخبار والإشاعات ويرتب مواقفه عليها عشوائياً، بل يُعمل (عقل الدراية) لتفكيك وموازنة ما يسمع.
• ثانياً: التروي والتخطيط المسبق: يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهمية التفكير قبل الحركة وبناء استراتيجية التمهل بقوله: (التدبير قبل العمل يؤمنك من الندمِ)، وقوله: (روّ قبل الفِعلِ، كي لا تُعابَ بما تفعلُ).
• ثالثاً: آلية المشورة وتلاقح العقول: العاقل لا يستبد برأيه، بل يجمع عقول الحكماء إلى عقله لتجاوز وهم احتكار الحقيقة. فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ما الحزم؟ قال: "مشاورة ذوي الرأي واتباعهم". وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا مُظاهرة أوثقُ من المشاورةِ)؛ أي لا يوجد نظام دعم وحماية أمتن من الاستعانة بعقول الآخرين. ويلخص الإمام الكاظم (عليه السلام) هذه الحصانة الاجتماعية بقوله: (من استشارَ لم يعدم عند الصوابِ مادحاً، وعند الخطأ عاذراً).
المحور الرابع: سيكولوجية إدارة الصراعات والمشكلات الاجتماعية
عند وقوع الأزمات والمشكلات الاجتماعية، ينقسم سلوك البشر إلى منهجيتين ورؤيتين متضادتين:
المنهجية الأولى: المنهجية العقلانية الراشدة
وتنطلق من إعمال العقل والتفكير المليّ لصنع الحلول وإيجاد المخارج، وتتطلب ثلاثة محددات:
1. الفهم الجيد للطرف الآخر: إذ إن عدم فهم ظروف وخلفيات الطرف الآخر يقود حتماً إلى الفشل في المعالجة.
2. البحث عن الأسباب الحقيقية: النزول إلى الجذور واستقصاء بواعث المشكلة بدلاً من علاج الأعراض السطحية.
3. دراسة الخيارات المتاحة بعناية: النظر فيما إذا كان الحل يكمن في استيعاب المشكلة واحتوائها، أم تجميدها مؤقتاً، أو الذهاب إلى المواجهة بناءً على دراسة دقيقة للإمكانات المتاحة وكيفية توفيرها.
المنهجية الثانية: المنهجية الانفعالية الغريزية
وفي مقابل ذلك، هناك منهجية تنزع نحو الغرائز والتعامل بانفعالية تامة والركون إلى العاطفة المشتعلة؛ حيث يتصرف الإنسان من وحي التوتر ونزعة الثأر والانتصار اللحظي للذات، لتأتي ردود أفعاله سريعة ومرتجلة بعيدة عن التفكير المعمق، مما يوقعه في مآزق أشد وأضرار بالغة.
وتختصر النصوص الدينية هذا النمط الانفعالي في مصطلح (الغضب)؛ فالغضب هو العدو الأول للعقل والمقصلة التي تذبحه.
• جاء في كلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام): «الغضب شرٌّ إنْ أطلقته دمّر»؛ لأن إطلاق العنان للغضب كطاقة عمياء يدمر مستقبل الإنسان ونفسه قبل أن يضر بغيره.
• وعنه (عليه السلام): «إيّاك والغضب فأوله جنون وآخره ندم»، والجنون هنا يعني حرفياً التجميد الوظيفي والعملي للعقل؛ فالإنسان لحظة الانفعال يحتجب عنه نور العقل ويصبح تحت هيمنة المشاعر الهائجة فلا يهتدي للطريق الصحيح.
• ولذلك يربط الإمام بين ضبط النفس وإصابة الحقيقة بقوله (عليه السلام): «أقدر الناس على الصواب من لم يغضب»، و«الغضب يفسد الألباب ويبعد عن الصواب».
نموذج الفرز الكربلائي: الحر بن يزيد الرياحي
إن هذا التنازع بين العقل المتزن المستشرف للمآلات وبين الهوى الانفعالي الباحث عن اللذة العاجلة، لم يكن مجرد سطور في كتب الفلسفة، بل تجسد بأوضح صوره في صحراء كربلاء يوم العاشر من محرم!
قفوا معي عند تلك اللحظة التاريخية الفارقة.. لحظة الفرز بين (أعقل الناس) وبين من سفه نفسه. لدينا معسكران، ورجلان:
• النموذج الأول (عمر بن سعد): رجل تحرك بالمنهجية الانفعالية الغريزية. عرضوا عليه (ملك الري) - وهي لذة عاجلة وزائلة - غلبه هواه، وعمي عقله عن النظر في العواقب ومآلات الأمور. أخذ الحياة بلامبالاة واستهتار بمصير أخراه ومصير ابن بنت رسول الله، فكانت النتيجة؟ خسر ملك الري، وخسر آخرته، وباء باللعنة والنار والحسرة التي لا تنقطع.
• النموذج الثاني (الحر بن يزيد الرياحي): القائد العسكري الشجاع، المحاط بالوجاهة والمجد الدنيوي في معسكر عبيد الله بن زياد. في لحظة الصدمة والأزمة، لم يستسلم للواقع المفروض، ولم ينصع لضغط الأقران والخوف من خسارة المنصب.
لقد أعمل الحر البُعد الأول للعقل (بُعد النظر والاستشراف)، فوقف يرتعد بين المعسكرين. وعندما سألوه مستغربين: يا حر، إنك لأشجع رجالات الكوفة، فما هذا الذي نراه منك؟ أجابهم بعقل ليفيناس الأخلاقي، وبعقل أمير المؤمنين الذي ينظر في العواقب:
«إني أُخيّر نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة بدلاً ولو قُطّعت وحُرّقت»!
الحر طبّق البُعد الثاني (أولوية النتائج)؛ فرجّح الراحة الآجلة والدائمة (الدين، السلامة النفسية، والخلود مع الحسين) على اللذة العاجلة الزائلة (رضا السلطة والمكاسب المادية). فانتزع إنسانيته ورشده في لحظة، وتحول من قائد في جيش الطغاة إلى شهيد بين يدي ريحانة رسول الله.
هكذا يكون العقل بوصلة للسلوك الاجتماعي؛ شجاعة في اتخاذ القرار، تروٍّ قبل الحركة، ونظرٌ ثاقب يرى عواقب الأمور ومآلاتها.
الخلاصة والتوصيات .
نخلص من هذا البيان إلى أن شخصية العاقل ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. بُعد النظر: العاقل لا ينظر إلى اللحظة الحالية أو "تحت قدميه"، بل يُشغّل فكره في الاستشراف الذكي لمآلات الأمور قبل الإقدام عليها.
2. أولوية النتائج: صاحب العقل الراجح يُرجّح المكاسب والراحة الآجلة والدائمة (الدين، السلامة النفسية، السمعة الطيبة) على اللذة العاجلة والزائلة (كفورة الغضب أو الانتقام اللحظي).
3. الوقاية من الندم: التدبير، والتروي، والمشورة، هي الحصن المنيع الذي يقي الإنسان من الوقوع في مواطن الحسرة والندامة لاحقاً.
الهوامش.
1- بن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت ٣٩٥ هـ)/ كتاب معجم مقاييس اللغة ج4 - ص70 – عقل.
2- العلامة المجلسي ، بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث، ج 75، ص 111 .
3- الطباطبائي، العلامة محمد حسين الطباطبائي- الميزان في تفسير القرآن الجزء : 2 صفحة : 249.
13 أغسطس.. اليوم العالمي لمستخدمي اليد اليسرى
بقلم الكاتب : ياسين فؤاد الشريفي
يُحتفل في 13 أغسطس من كل عام باليوم العالمي لمستخدمي اليد اليسرى، وهي مناسبة تهدف إلى التعريف بتجارب الأشخاص العُسر، والتوعية بالتحديات التي قد يواجهونها في حياتهم اليومية داخل عالم صُممت نسبة كبيرة من أدواته ومنتجاته لمستخدمي اليد اليمنى. ويُقدَّر مستخدمو اليد اليسرى بنحو 10% من سكان العالم، مع... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
ويستمر الدكتور محمد حسين علي الصغير قائلا في كتابه الصوت اللغوي في القرآن عن... المزيد
1. الطريق — الانتظار جلس منذ الصباح يرقب خطوات الزائرين، وهي تتسابق لتلحق بالركب... المزيد
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً حين رنّ هاتفه. لم يكن بحاجة للنظر إلى الشاشة... المزيد
لم يكن الماء في حياة موسى عليه السلام ماءً. كان قدراً سائلاً، يلبس في كل مرةٍ... المزيد
في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي... المزيد
العبارة في اللغة هي مجموعة من الكلمات المترابطة التي تؤدي دلالة أو معنى معيناً، وقد تكون...
أولاً: وجود المجاز المرسل يوجد مجاز مرسل في عبارة "تفرقت كلمة القوم"، وهو من أبرز أمثلة المجاز...
الظلمة في بغداد قيدٌ يطبق بفكّيه على خناق الوجود، فيما العقارب المعلّقة على الجدار سيافٌ...
جاء في موقع توينكل عن الجناس في اللغة العربية: تعريف الجناس: الجناس لغةً: هو ضربًا من كل شيء...


منذ 19 ساعة
2026/08/23
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وخمسة عشر: تحولات مفهوم الزمكان من النسبية...
منذ 19 ساعة
2026/08/23
الهندسة الوراثية (Genetic Engineering): هي تقنية تعديل المادة الوراثية للكائنات الحية...
منذ 4 ايام
2026/08/20
يبدو الفضاء الخارجي للوهلة الأولى فراغًا مظلمًا وهادئًا، لكنه في الحقيقة يعج...