0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
همسُ الظِّلال

منذ 1 شهر
في 2026/08/10م
عدد المشاهدات :210
في تلك الليلة التي تواطأت فيها السَّماء مع السُّكون، وانحنت النجوم كأنها تُصغي إلى سرٍّ دفين، كان الوادي مغمورًا بنورٍ خافتٍ يشبه أنفاسَ الأرواح إذا ارتجفت بين الخوف واليقين.
عند حافة صخرةٍ سوداء، جلس رَاهِبُ اللَّيل—وهو جنيٌّ طال به التيه—يُقلِّبُ في صدره أصداءَ العصور، وقد أكلتْهُ الحيرة كما تأكل النارُ أطرافَ الحطب. وإلى جانبه، هبط نَسِيمُ الغَيْب، جنيٌّ آخر، وجهه مشرقٌ بنورٍ لم تألفه الظلمات، وعيناه تحملان سرًّا أكبر من المسافات.
قال راهب الليل، وصوته كخشخشة أوراقٍ يابسة: — ما بالُك اليومَ يا أخي؟ أراك كأنك خرجتَ من فجرٍ لم نره، أو سجدتَ لنورٍ لم نبلغه!
ابتسم نسيم الغيب، وقد ارتعش في صوته بريقُ يقين: — بل خرجتُ من سمعٍ لا ككلِّ الأسماع، يا راهب. لقد أصغيتُ… فاهتزَّ كياني.
ارتجف الآخر، واقترب كأنما يسحبُه فضولٌ قديم: — أصغيتَ إلى ماذا؟ نحنُ أهلُ السمع، وقد كنّا نرتقي إلى السَّماء نسترقُ الخبر، فما الجديد؟
أطرق نسيم الغيب، ثم قال بنبرةٍ كأنها تُغسَل بالوحي: — ليس ككلِّ ما كنا نسمع… إنه كلامٌ إذا لامس القلبَ، أقامه من موته، وإذا مرّ على الروح، بعث فيها حياةً أخرى. كلامٌ لا يشبه السحر، ولا يشبه كهانتنا… بل ينسفهما من الجذور.
شهق راهب الليل: — أتهذي؟ أم أصابك مسٌّ من جنون؟
رفع نسيم الغيب رأسه، وعيناه تبرقان كأن فيهما قبسًا من نارٍ لا تحرق: — بل أصابني الحقّ. سمعتُ قومًا من الإنس يتلون كتابًا… فإذا به يهدي إلى الرشد، ويكشف لنا ما كنا عنه غافلين. لقد ظننا أننا نملك السَّماء سمعًا، فإذا بنا محجوبون، تُرمى طرقُنا بشهبٍ ثاقبة، وكأن الأبواب قد أُغلقت في وجوهنا!
تراجع راهب الليل، وقد اشتعل في صدره خوفٌ غريب: — أحقٌّ ما تقول؟ أأُغلقت السَّماء في وجهنا؟ أانقطع عنا الخبر؟
قال نسيم الغيب، وقد انحنى صوته خشوعًا: — بل فُتح لنا بابٌ أعظم… بابُ الهداية. لم نُخلق لنسترق، بل لنُدرك. لم نُبعث لنلهو، بل لنشهد.
سكتا لحظة، وكان الصمت بينهما كبحرٍ تتلاطم فيه المعاني.
ثم قال راهب الليل، بصوتٍ متهدّج: — وماذا فعلتَ حين سمعتَ؟
أجاب نسيم الغيب، وكأنه يهمس للكون كله: — آمنتُ… آمنتُ بربٍّ لم أره، لكنني رأيتُ آثاره في كلِّ حرف. آمنتُ بكلامٍ لم يترك لي عذرًا، ولا مهربًا، ولا ظلاً أختبئ فيه.
تساقطت كلماتُه كالمطر، فارتجف قلب راهب الليل، وتسللت إليه رهبةٌ لم يعهدها: — وأنا… ماذا أفعل؟ لقد عشتُ دهورًا أعبد الظن، وأتبع الوهم… فهل لي من سبيل؟
اقترب منه نسيم الغيب، ووضع يده على كتفه كأنما يضع نورًا على ظلام: — السبيل ليس بعيدًا… إنه أقرب إليك من نفسك. فقط… ألقِ سمعك، كما ألقيتُه أنا… ودَع قلبك يصغي.
رفع راهب الليل رأسه نحو السماء، فرأى النجوم وكأنها تغيّرت، أو لعله هو الذي تغيّر. أحسّ لأول مرة أن الصمت ليس فراغًا، بل انتظار… وأن الظلام ليس نهاية، بل بدايةُ بحثٍ عن النور.
تمتم بصوتٍ يكاد يُسمع: — إن كان ما تقول حقًّا… فدلّني.
ابتسم نسيم الغيب، وقد انبثق في وجهه فجرٌ خفي: — تعال… نكون من الذين قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا… يهدي إلى الرشد فآمنا به.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الوادي كما كان… فقد صار شاهدًا على ولادةِ يقينٍ جديد، في قلبٍ كان يومًا مأوى للظلال، فإذا به يصبح مهبطًا للنور.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 4 ايام
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 4 ايام
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...