في تلك الليلة التي تواطأت فيها السَّماء مع السُّكون، وانحنت النجوم كأنها تُصغي إلى سرٍّ دفين، كان الوادي مغمورًا بنورٍ خافتٍ يشبه أنفاسَ الأرواح إذا ارتجفت بين الخوف واليقين.
عند حافة صخرةٍ سوداء، جلس رَاهِبُ اللَّيل—وهو جنيٌّ طال به التيه—يُقلِّبُ في صدره أصداءَ العصور، وقد أكلتْهُ الحيرة كما تأكل النارُ أطرافَ الحطب. وإلى جانبه، هبط نَسِيمُ الغَيْب، جنيٌّ آخر، وجهه مشرقٌ بنورٍ لم تألفه الظلمات، وعيناه تحملان سرًّا أكبر من المسافات.
قال راهب الليل، وصوته كخشخشة أوراقٍ يابسة: — ما بالُك اليومَ يا أخي؟ أراك كأنك خرجتَ من فجرٍ لم نره، أو سجدتَ لنورٍ لم نبلغه!
ابتسم نسيم الغيب، وقد ارتعش في صوته بريقُ يقين: — بل خرجتُ من سمعٍ لا ككلِّ الأسماع، يا راهب. لقد أصغيتُ… فاهتزَّ كياني.
ارتجف الآخر، واقترب كأنما يسحبُه فضولٌ قديم: — أصغيتَ إلى ماذا؟ نحنُ أهلُ السمع، وقد كنّا نرتقي إلى السَّماء نسترقُ الخبر، فما الجديد؟
أطرق نسيم الغيب، ثم قال بنبرةٍ كأنها تُغسَل بالوحي: — ليس ككلِّ ما كنا نسمع… إنه كلامٌ إذا لامس القلبَ، أقامه من موته، وإذا مرّ على الروح، بعث فيها حياةً أخرى. كلامٌ لا يشبه السحر، ولا يشبه كهانتنا… بل ينسفهما من الجذور.
شهق راهب الليل: — أتهذي؟ أم أصابك مسٌّ من جنون؟
رفع نسيم الغيب رأسه، وعيناه تبرقان كأن فيهما قبسًا من نارٍ لا تحرق: — بل أصابني الحقّ. سمعتُ قومًا من الإنس يتلون كتابًا… فإذا به يهدي إلى الرشد، ويكشف لنا ما كنا عنه غافلين. لقد ظننا أننا نملك السَّماء سمعًا، فإذا بنا محجوبون، تُرمى طرقُنا بشهبٍ ثاقبة، وكأن الأبواب قد أُغلقت في وجوهنا!
تراجع راهب الليل، وقد اشتعل في صدره خوفٌ غريب: — أحقٌّ ما تقول؟ أأُغلقت السَّماء في وجهنا؟ أانقطع عنا الخبر؟
قال نسيم الغيب، وقد انحنى صوته خشوعًا: — بل فُتح لنا بابٌ أعظم… بابُ الهداية. لم نُخلق لنسترق، بل لنُدرك. لم نُبعث لنلهو، بل لنشهد.
سكتا لحظة، وكان الصمت بينهما كبحرٍ تتلاطم فيه المعاني.
ثم قال راهب الليل، بصوتٍ متهدّج: — وماذا فعلتَ حين سمعتَ؟
أجاب نسيم الغيب، وكأنه يهمس للكون كله: — آمنتُ… آمنتُ بربٍّ لم أره، لكنني رأيتُ آثاره في كلِّ حرف. آمنتُ بكلامٍ لم يترك لي عذرًا، ولا مهربًا، ولا ظلاً أختبئ فيه.
تساقطت كلماتُه كالمطر، فارتجف قلب راهب الليل، وتسللت إليه رهبةٌ لم يعهدها: — وأنا… ماذا أفعل؟ لقد عشتُ دهورًا أعبد الظن، وأتبع الوهم… فهل لي من سبيل؟
اقترب منه نسيم الغيب، ووضع يده على كتفه كأنما يضع نورًا على ظلام: — السبيل ليس بعيدًا… إنه أقرب إليك من نفسك. فقط… ألقِ سمعك، كما ألقيتُه أنا… ودَع قلبك يصغي.
رفع راهب الليل رأسه نحو السماء، فرأى النجوم وكأنها تغيّرت، أو لعله هو الذي تغيّر. أحسّ لأول مرة أن الصمت ليس فراغًا، بل انتظار… وأن الظلام ليس نهاية، بل بدايةُ بحثٍ عن النور.
تمتم بصوتٍ يكاد يُسمع: — إن كان ما تقول حقًّا… فدلّني.
ابتسم نسيم الغيب، وقد انبثق في وجهه فجرٌ خفي: — تعال… نكون من الذين قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا… يهدي إلى الرشد فآمنا به.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الوادي كما كان… فقد صار شاهدًا على ولادةِ يقينٍ جديد، في قلبٍ كان يومًا مأوى للظلال، فإذا به يصبح مهبطًا للنور.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
وخدشت الثقافة العراقية
لمحات من خطة طريق بناء الدولة كما بينها الامام علي (ع)
تحيةٌ عِدْلَ العراق
EN