كان الليلُ قد أطبقَ أبوابَه، والمدينةُ ساكنةٌ كأنّها تحبسُ أنفاسَها. جلس الرجلُ وحيدًا عند نافذةٍ ضيّقة، تتكاثفُ في صدره أوجاعٌ لا اسمَ لها، وتتعاقبُ في قلبه أسئلةٌ أثقلُ من الصخر. لم يكن يملكُ سوى كفّين مرفوعتين، ولا لغةَ له إلا الرجاء.
حين أغمضَ عينيه، لم يستحضرْ ألفاظًا، بل استدعى معنىً أوسعَ من الكلمات؛ إحساسًا بأنّ ثمّة اسمًا سرّيًا، إذا لامسَ شغافَ الروح انفرجَ ما استعصى، وتحوّلَ الضيقُ ممرًّا، والعتمةُ نافذةً. أحسّ كأنّ السقفَ العالي انشقّ عن رحمةٍ هادئة، لا تُرى ولكن تُدرك، تسري في العروق كما يسري الماءُ في الأرضِ العطشى.
تداعى العالمُ من حوله في مشهدٍ مهيب: ليلٌ يُسلِمُ رايته للفجر، كواكبُ في مساراتها لا تتيه، بحرٌ كان يومًا حاجزًا فإذا به طريق، وجبلٌ تهشّمَ حين لامسه النورُ فعرفَ حدَّه. أدركَ أن القوّةَ ليست صخبًا، بل انتظامٌ حكيم، وأنّ الجبروتَ ليس قهرًا، بل حفظٌ دقيق لكلّ ذرةٍ من السقوط.
تذكّرَ الإنسانُ — ذاك الكائنُ الهشّ — أنّه ليس منسيًّا في هذا الاتساع. أنّ له مكانًا في التدبير، وأنّ قلبه، مهما ضاق، أوسعُ ممّا يظنّ حين يعلّقه بالسماء. فانسابَ خوفُه خشوعًا، وتحولت رهبته طمأنينةً لها جرسٌ خفيّ، كترتيلٍ داخليّ لا يُسمع.
وحين همسَ بحاجته، لم يطلبْ عدلًا يُقاسُ بميزانه، بل فضلًا يليقُ بعظمةٍ لا تحدّ. قال في سرّه : اللهم افعلْ بي ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله . فشعرَ أنّ ثقلَ الذنوب يتساقطُ عن روحه كما يتساقطُ الغبارُ عن وجهِ المطر، وأنّ رزقًا من نوعٍ آخر — رزقَ السكينة — قد فُتح له.
نهضَ قبل الفجرِ بقليل. لم تتغيّر المدينة، ولم تُحلَّ العقدُ كلّها، لكنّ قلبه لم يعد كما كان. صار يعرفُ أنّ وراء كلّ بابٍ مغلقٍ اسمًا، ووراء كلّ يأسٍ وعدًا، وأنّ من تعلّمَ الإصغاءَ لذلك النداء العميق، لا يعودُ وحيدًا أبدًا.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
رؤية المؤسسات الدولية للحوزة العلمية في النجف الأشرف
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
الشعائر الحسينية وتحقيق العدالة الاجتماعية
EN