في آخر الليل، حين تَخِفُّ الأصوات وتنسحب الدنيا إلى ظلّها، جلس الرجل وحيداً كغريقٍ نجا جسده وبقي قلبه في اليمّ. لم يحمل معه سؤالاً محدّداً، ولا طلباً مصوغاً، بل حمل انكساره كما هو، بلا زينة، ووضعه بين يدي السماء.
قال في سرّه: إن كان ذلك المتجبّر قد أُعطي، فكيف بمن جاء منكسر الجناح؟ وإن كان ذاك قد أُجيب امتحاناً، فكيف بمن جاء اعترافاً؟ شعر أنّ المسافة بينه وبين مولاه لا تُقاس بالخطايا، بل بالصدق؛ وأن القرب ليس في رفعة المقام، بل في انكسار المقصود.
مرّت بخاطره مشاهد النجاة الأولى: بحر ينشق، نار تبرد، جبٌّ يلفظ ظلامه، حوت يردّ الأمانة، محرابٌ يُنبت رجاءً بعد طول صمت. لم يرَها قصصاً بعيدة، بل مرايا، كلّ واحدةٍ تقول له: إن الضيق لغة، وإن الفرج جواب، وإن من قال “يا رب” صادقاً، لم يضلّ الطريق.
أطرق رأسه، فرأى طفولته تعود كنسمةٍ خفيفة: يدٌ خفيّة سقته، وربّت على ضعفه قبل أن يعرف اسمه. عرف أنّه لم يُخلق مصادفة، ولم يُترك سدى، وأن الرزق الذي ظنّه جهده كان عناية، وأن النجاة التي حسبها حظّاً كانت لطفاً مؤجّلاً.
ارتفعت أنفاسه، لا كدعاءٍ مرتّب، بل كنشيدٍ مكسور: “أنا عبدٌ… والعبد إذا اعترف، فُتحت له الأبواب”. لم يطلب رفع البلاء فقط، بل طلب أن يُصلح قلبه إن تأخّر الرفع، وأن يُهذّب روحه إن طال الطريق. فهم أنّ العافية ليست دائماً في زوال الألم، بل في أن لا يزول اليقين.
وحين سكنت كلماته، شعر بشيءٍ يتبدّل. لم تتغيّر الغرفة، ولم تُفتح السماء حسّاً، لكن ثقلاً كان على صدره انحلّ، كعقدةٍ أُحكمت طويلاً ثم أُطلقت. أدرك أنّه لم يكن وحيداً قط، وأن القرب ليس وعداً مؤجّلاً، بل حالٌ يُدرك.
قام من مجلسه أخفّ ممّا جلس، كمن أعاد حمل نفسه بعد أن وضعها بين يدي خالقها. لم يُعطَ جواباً مكتوباً، لكنّه أُعطي طمأنينة: أن من يسمع همس الظلمات، لا يُخيّب رجاء الصادقين؛ وأن من وسعت رحمته كلّ شيء، يجعل للمنكسرين مآباً، وللتائبين باباً، وللحائرين نوراً.
ومضى الرجل، وهو يعلم أن الطريق قد يطول، لكن الوجهة قد استقرّت؛ وأن من قال في آخر الليل: “يا رب”، قد وصل… ولو كان ما يزال في منتصف الدعاء.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
العنوان سرّ الكتاب
عاشوراء البعثة النبوية
EN