تُعدّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام في الأربعينية ظاهرة إنسانية فريدة من نوعها، ليس فقط من حيث بعدها الديني والروحي، بل أيضًا من حيث ما تمثله من أكبر تجمع بشري سلمي متكرر سنويًا في العالم. هذا الزخم الهائل الذي يضم ملايين الزائرين القادمين من ثقافات وبلدان متعددة يفتح المجال أمام قراءة علمية متعددة التخصصات، من بينها الكيمياء الحيوية والبيئية، لفهم كيفية تفاعل الإنسان مع الجهد الجسدي والبيئة المحيطة في ظروف استثنائية.
من الناحية الكيميائية الحيوية، يخضع جسم الإنسان خلال مسيرة الأربعين لتغيرات واضحة نتيجة المشي لمسافات طويلة ولساعات وأيام متواصلة. إذ ترتفع معدلات الأيض الخلوي لتوفير الطاقة اللازمة للعضلات، ويزداد استهلاك الغلوكوز والأحماض الدهنية في الميتوكوندريا عبر تفاعلات الأكسدة الحيوية. كما تلعب تفاعلات إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات دورًا محوريًا في استمرار القدرة الحركية، وهو ما يفسر حاجة الجسم المستمرة للغذاء والماء أثناء المسير.
أما التوازن الكيميائي الداخلي للجسم، فيُعدّ عاملًا حاسمًا في قدرة الزائر على الاستمرار. ففقدان السوائل عبر التعرق يؤدي إلى اختلال توازن الشوارد مثل الصوديوم والبوتاسيوم، ما يجعل تعويضها أمرًا ضروريًا للحفاظ على عمل الجهاز العصبي والعضلي. وهنا تظهر أهمية المشروبات والأطعمة التي تقدمها المواكب، والتي تسهم من منظور علمي في إعادة الاتزان الأيوني والحمضي القاعدي للجسم، لا سيما عبر نظام البيكربونات الذي يحافظ على استقرار درجة حموضة الدم.
ومن زاوية كيمياء التغذية، يعتمد الزائر بشكل غير مباشر على مصادر طاقة بسيطة وسريعة الامتصاص مثل السكريات والنشويات، إضافة إلى البروتينات التي تسهم في ترميم الأنسجة العضلية المتعبة. كما تلعب الفيتامينات والعناصر النزرة دورًا مهمًا في دعم الإنزيمات المسؤولة عن التفاعلات الحيوية داخل الخلايا، ما ينعكس إيجابًا على قدرة التحمل البدني.
ولا يمكن إغفال الجانب الكيميائي البيئي المرتبط بالزخم البشري، حيث يتطلب هذا التجمع الضخم إدارة دقيقة للنفايات والمياه لتقليل التأثيرات البيئية. فالتفاعلات الكيميائية الناتجة عن تحلل المخلفات العضوية، إذا لم تُدار بشكل صحيح، قد تؤدي إلى تلوث الهواء والماء. ولهذا أصبحت زيارة الأربعين في السنوات الأخيرة مجالًا لتطبيق مفاهيم الكيمياء البيئية والاستدامة من خلال حملات التوعية والتنظيم.
وعلى المستوى النفسي، تشير دراسات علم الأعصاب والكيمياء الحيوية إلى أن المشاعر الجماعية مثل الإيمان والانتماء تؤدي إلى إفراز نواقل عصبية وهرمونات كالإندورفين والسيروتونين، وهي مواد كيميائية تسهم في تقليل الإحساس بالتعب والألم وتعزيز الشعور بالراحة النفسية. وهذا يفسر قدرة الكثير من الزائرين على تحمل مشاق جسدية كبيرة بدافع روحي عميق.
في المحصلة، تمثل زيارة الأربعين نموذجًا حيًا لتكامل القيم الإنسانية مع القوانين العلمية، حيث تتجلى في هذا الحدث العظيم قدرة الإنسان على التكيف الكيميائي والحيوي مع ظروف استثنائية مدفوعة بهدف أخلاقي وروحي سامٍ. ومن هنا يمكن النظر إلى الأربعينية ليس فقط كحادثة دينية، بل كظاهرة إنسانية علمية تستحق الدراسة والبحث في مجالات الكيمياء الحيوية، والبيئية، وعلوم الصحة.







د.أمل الأسدي
منذ ساعتين
المرجعية صرح شاهق
في رثاء العقيلة زينب (ع)
العنوان سرّ الكتاب
EN