يقولُ البعضُ: سَلَّمنا أنَّ ثورةَ الإمامِ الحُسينِ(ع) مؤثِّرَةٌ ومُحرِّكَةٌ، وعَرَفنا لابُدِّيَّةَ إحيائها وإقامَةِ العَزاءِ فِيها؛ لما لَها مِنْ آثارٍ مُبَيّنَةٌ فِي مَحَلِها، لكنْ أنتُم لا تقومونَ بهذا فقَط، فلا تقومونَ بذكرِ فضائلِ أهلِ البَيتِ ومَصائبهُم فقط، بَل تَصُبُّونَ اللَّعنَ على أعدائِهِم فَفِعلُكُم هذا يُعتَبَرُ لوناً مِنَ العُنفِ، ومشاعِرُكُم هذهِ سَلبيّةٌ لا تنسَجِمُ معَ عَقليّةِ الإنسانِ المُتحَضِّرِ، نحنُ في زَمَنٍ يجِبُ أنْ نَتَعايشَ فيهِ معَ جميعِ النّاسِ بسَلامٍ، أمّا عقليّةُ العُنفِ فَهِيَ عَقليّةٌ تنتَسِبُ لقرونٍ ماضِيَةٍ غيرِ مُتَحَضِّرَةٍ، فأُسلوبُكُم هذا لا يتناسَبُ معَ الدّينِ الإسلاميِّ الداعي الى السَّلامِ والرَّحمَةِ والمَحَبّةِ... الخ.
هذا الكلامُ إنْ كانَ عَنِ استفسارٍ حَقيقيٍّ فجوابُهُ يَسيرٌ، لكنْ هُنالِكَ احتمالٌ قويٌّ جِدّاً أنَّ مَنْ يتحدَّثُ بهذهِ الطريقَةِ يحمِلُ أفكاراً أُخرى وأغراضاً يُحاولُ تَحقِيقَها، وعلى كُلِّ حالٍ نُحسِنُ الظَّنَّ ونُجيبُ عَنِ الإشكالِ:
إنَّ الفِطرَةَ لم تتشَكَّلْ مِنَ المعرِفَةِ فقَط، بَل العَواطفِ أيضاً، وهكذا الأمرُ في العواطِفِ فَهِيَ لم تتشَكَّلْ مِنَ المشاعِرِ الإيجابيّةِ فَقَط، فكَما يوجَدُ الفَرَحُ يُوجَدُ الحُزنُ، وكما يوجَدُ الحُبُّ يوجَدُ البُغضُ، فَفِي المَجالِ المُناسِبِ يَجِبُ أنْ يضحَكَ الإنسانُ، وفي المجالِ المُناسِبِ يجِبُ أنْ يبكي الإنسانُ، فكَما توجَدُ مشاعرُ فَرَحٍ تُوجَدُ مشاعِرُ حُزنٍ، وتجمِيدُ جانبٍ مِنْ وُجودِنا يَعني عَدَمَ الانتفاعِ مِنْ بَعضِ نِعِمِ اللهِ التي وَفَّرَها لَنا، والحِكمَةُ في خَلقِ الاستعدادِ للبُكاءِ هُوَ أنَّ للبُكاءِ مواردَ يجِبُ وجودُهُ فِيها، فالإنسانُ يبكي في الشَّوقِ لِلِقاءِ المَحبوبِ الذي لَهُ دورٌ في تكامُلِهِ، ويبكي خَوفاً مِنْ غَضَبِ المَحبوبِ عَليهِ، وهَذهِ أمورٌ فِطريّةٌ.
فاللهُ تعالى غَرَسَ فِينا الحُبَّ والبُغضَ، فالإنسانُ مَفطورٌ على حُبِّ مَنْ قَدَّمَ لَهُ نَفعاً، وهُوَ مفطورٌ أيضاً على بُغضِ مَنْ ألحَقَ بهِ ضَرراً، وبطَبيعَةِ الحالِ فإنَّ الأضرارَ الماديّةَ لا قِيمَةَ لَها عندَ المؤمِنِ، وإنّما الأضرارُ المعنويّةُ لَها قِيمَةٌ، فالعَدُوُّ الذي يَسلِبُ مِنَ الإنسانِ دِينَهُ ولا يترُكُهُ إلّا بإضلالِهِ وحَرفِهِ عَنْ مَسارِ السَّعادَةِ الأبديّةِ هَل يُمكِنُ السُّكوتُ عَنهُ يقولُ تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فنَحنُ نعتَرِفُ بوجودِ الشَّيطانِ، ونَرى أنّهُ شَرٌّ، لكنْ لا نتَّخِذُهُ عَدُوّاً فَهَلْ يُمكِنُ الوئامُ والسَّلامُ معَ الشَّيطانِ إنْ تَوَرَّطنا بذلكَ فسنُصبِحُ شياطينَ، وإنْ كانَ مِنَ الضَّروريِّ حُبُّ أولياءِ اللهِ، فَمِنَ الضَّروريِّ أيضاً العداوةُ لأعداءِ اللهِ، هكذا هِيَ الفِطرَةُ الإنسانيّةُ.
بعبارَةٍ أُخرى إنَّ العَداوَةَ مَعَ الأعداءِ هِيَ نِظامٌ دِفاعيٌّ في مُقابِلِ الأضرارِ والمخاطِرِ، فَجِسمُ الإنسانِ مُزَوّدٌ بعامِلِ جَذبٍ للمَوادِّ النافِعَةِ، وعامِلِ دِفاعٍ وَطَردٍ للمَوادِّ الضَّارَّةِ، فإنْ قُلنا لا مانعَ مِنْ دُخولِ السُّمومِ لجِسمِ الإنسانِ فهَلْ يَبقَى سالماً هِيَ ضَيفٌ كريمٌ ويَجِبُ استقبالُهُ بسلامٍ وحَفاوَةٍ
الإنسانُ العاقِلُ لا يتصرَّفُ بهذهِ الصُّورَةِ، وإنّما يقولُ لابُدَّ مِنَ القَضاءِ على الجّراثيمِ.
إنَّ الحِكمَةَ الإلهيّةَ وَضَعتْ نظامَينِ لكُلِّ موجودٍ حَيٍّ؛ نِظامُ جَذبٍ، ونِظامُ طَردٍ، وهذانِ النظامانِ يجعلانِهِ يستمِرُّ بالحياةِ بشَكلٍ صَحيحٍ.
وكذلكَ الحالُ في البَدَنِ المعنويِّ للإنسانِ أيْ الرُّوحِ، فلابُدَّ مِنْ وُجودِ عاملِ جَذبٍ وعامِلِ طَردٍ فِيها، فنَأنَسُ بالأشخاصِ النافِعينَ ونُحبُّهُم ونُقَرِّبُهُم ونَنفُرُ مِنَ الأشخاصِ المُضرِّينَ ونُبغِضُهُم ونبتَعِدُ عَنهُم.
فنَحنُ بصراحَةٍ نَتَجاهَرُ ونقولُها: الموتُ لأعداءِ الإسلامِ، وكُلِّ مَنْ يُعادي الدِّينَ؛ فالعاقِلُ لا يُوَزِّعُ الابتساماتِ في كُلِّ مَجالٍ، بَلْ لابُدَّ لَهُ أنْ يَعبِسَ في وُجوهِ البَعضِ، بَل يقولُ بصراحَةٍ: أنا عَدوُّكَ، وليسَ بَيني وبينَكَ سلامٌ، إلّا أنْ كفَفتَ عداءَكَ وخِيانَتَكَ، وهذا الأمرُ مِنْ أركانِ الدّينِ، ويُصطَلَحُ عليهِ (التَّوَلِّي والتَّبَرِّي) وكما جاءَ في الحديثِ: (أوثَقُ عُرَى الإيمانِ الحُبُّ في اللهِ والبُغضُ في اللهِ).
فالنظامُ الرُّوحيُّ مَبنِيٌّ على الحُبِّ والبُغضِ، فإنْ أحبَبْنا مَنْ يجِبُ أنْ نُعادِيهِ فستَضمَحِلُّ مَحبَّتُنا لمَنْ يجِبُ أنْ نُواليهِ، بمَعنى أنَّ حُبَّ أولياءِ اللهِ تعالى وتَوَلِّيهُم دونَ البَراءَةِ مِنْ أعدائِهِم وبُغضِهِم سيجعَلُ مَحبَّتَنا تزولُ لأنَّها غيرُ صافِيةٍ.
خُلاصَةُ ما تَقَدَّمَ:
إنَّنا نُعيدُ صِياغَةَ الحَياةِ الحُسينيّةِ لننتَفِعَ مِنها على أحسَنِ وَجهٍ، ولا ينبَغِي الاكتفاءُ بالمعرِفَةِ، فنَحتاجُ إلى إثارَةِ المشاعِرِ، والمَشاعِرُ الإيجابيّةُ غيرُ كافِيَةٍ، بَلْ لا يَتَيَسَّرُ إحياءُ عاشوراءَ إلا عَنْ طريقِ المشاعرِ الحَزينَةِ وإظهارِ المظلوميّةِ والبُكاءِ، وكما نُرسِلُ آلافَ التَّحَايا و السَّلامِ إلى الإمامِ الحُسَينِ(ع) فإنَّنا نُرسِلُ إلى أعدائِهِ آلافَ اللَّعَناتِ؛ لأنَّ السَّلامَ لا ننتَفِعُ مِنْ بَرَكتهِ إلّا إذا قُمْنا بِلَعنِ الأعداءِ والتَّبَرِّي مِنهُم، فالقُرآنُ وَصَفَ أصحابَ النَّبيِّ بأنَّهُم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
إذَنِ النَّتِيجَةُ هِيَ لابُدِّيَّةِ إظهارِ التَّبَرِّي والعَداوَةِ لأعداءِ الإسلامِ إلى جَانبِ التَّوَلِّي لأولياءِ اللهِ، فإذا كُنّا بهذهِ الصُّورَةِ فنَحنُ حُسينيونَ، وإلا فَلا يَنبَغِي أنْ نَلصَقَ أنفُسَنا بالحُسينِ(ع) دُونَ استحقاقٍ.







وائل الوائلي
منذ يومين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN