عُثر في الموقع رقم 117 بجبل الصحابة (1)، ⋆ الذي يُؤرَّخ بالعصر الحجري القديم الأعلى، على دفنةٍ آدمية جماعية، زُوِّدت بقرون ثيران كثيرة، ومن دراستها تبيَّن أنها إنما دُفنت بالجبَّانة لأغراضٍ عقائدية، وأنه قد استُعيض بقرون الثيران عن الثيرانِ نفسِها، وتعكس الدفنة شيئًا من الثراء، مما يجعل مثلَ هذه المقبرة واحدةً من المقابر الخاصة من عِلية القوم (2).
وفي توشكا (3) عُثر أيضًا على قرونِ أبقار أو ثيران، وُجِدت بجوار رءوس أصحاب الدفنات رقم 12، 13، 18 بالموقع رقم 8905. ولربما كانت هذه الظاهرة هي البداية الأولى لثبوت العلاقة التي ربطت الإنسان بالأبقار والثيران منذ أقدم عصور الحضارة المصرية (4).
هذا، ولقد عُثر على أدلةٍ تشير إلى تقديس الثيران والأبقار في دفنات جزئية تُؤرَّخ بالعصر الحجري الحديث، في مقابر عدة بجبَّانة ديرتاسا، تمثَّلت فيما جاء من أجزاءٍ حيوانية لهما بالعديد من مقابر الجبَّانة، التي اعتُبرت بمثابة نوع من القرابين (5).
وتكرَّر العثور على جماجم الثيران في العديد من جبَّانات النوبة، في دفناتٍ تُؤرَّخ بالعصر الحجري الحديث، كانت جماجم الثيران، موضوعةً أسفل حفرة الدفن الخاصة بالمقابر الآدمية، وهي ظاهرةٌ ولا شك ترتبط بالعالم الجنائزي. وكانت عادةً ما تُقسَّم المقبرة إلى جزأين؛ جزء لمستودع جماجم الثيران في الشمال، وجزء للأواني الفخارية في الجنوب (6)، ولربما كان دفنُ جماجم الثيران بهذا الشكل فيه استمرارٌ لبقائها وضمانٌ لبقاء نوعها، لا سيما وأنَّ الشواهد الأثرية التي عُثر عليها منذ العصر الحجري القديم، تدُل على أنَّ الحفاظ على رأس الحيوان، أمرٌ كافٍ وضروري؛ إذ تحلُّ روحه في حيوان آخر، وبذلك لن يفنى الحيوان (7)، ففي الجبَّانة رقم 2 بكدادة — فيما بين الشلَّالين الخامس والسادس — عُثر على العديد من رءوس الثيران، التي كانت قد دُفنت بحيث تربط ما بين مكان الدفن (المقبرة الآدمية)، وبين مكان تقديم القرابين، وربما عبَّر تواجدها بهذه الدفنات عن كونها نوعًا من الأُضحيات الحيوانية، وما لها من دور جنائزي (8).
هذا، وإذا كان لقرون الأبقار (9) ⋆ دلالتُها في العصر الحجري القديم الأعلى — كما جاء سالفًا — فإنَّه قد كان لها أيضًا أهميتُها في العصر الحجري الحديث؛ ففي النوبة عُثر في العديد من دفنات جبَّانة كدروكة في إقليم دنقلة الشمالي، على قرونٍ للأبقار كانت قد وُضِعت خلف رءوس الموتى، ربما كنوعٍ من التعاويذ السحرية، أو قد يكون نوعًا من القربان الجنائزي ذا رمزية دينية، وربما كان بمثابة نوعٍ من الزينة الشخصية للمتوفَّى وتُؤرَّخ تلك الدفنات بالعصر الحجري الحديث (10).
وفي العصر الحجري النحاسي، كان لقرون وجماجم الثيران والأبقار أهميتُها ومكانتها استمرارًا لما كانت عليه من قبل؛ فقد عُثر على جماجم وقرون الثيران والأبقار في العديد من الدفنات الآدمية في مختلف الجبَّانات؛ ففي جبَّانة مطمر عُثر في المقبرة رقم 213 على جمجمة عجل، تُؤرَّخ بفترة نقادة الثالثة (11).
واستمرَّ ذلك الاهتمام بدفن جماجم الثيران والأبقار في العصر العتيق؛ ففي جبَّانة أبو صير الملق، عُثر في المقبرة 10e2؛ على جمجمة عجل صغير، وكذلك الأمر في المقبرة رقم 25d7 بالجبَّانة، وربما دلَّ ذلك على غرضٍ شعائري ارتبط بتلك الحيوانات، وخاصة جماجمها، فلربما هي دفنات جزئية للأبقار (12). ولا شكَّ أنَّ ذلك التكرار إنما هو تأكيدٌ على كونها دفنات مقصورة لتلك الجماجم الحيوانية، ولم تأتِ مصادفةً، بل هي فُصلت عن قصدٍ من الهياكل الحيوانية، وكان لها رمزيتها في تلك الدفنات (13). فلقد كان لقرون الثور وجمجمته أهميةٌ كبيرة في مصر؛ إذ كانت من أكثرِ التمائم شيوعًا في عصورِ ما قبل التاريخ، واعتقدت باومجرتل أنها بمثابة رموز مبكِّرة لإلهة الخصوبة (14).
.............................................
(1) ⋆ تقع الجبَّانة رقم 117 على بُعد 3كم شمال وادي حلفا، وتتوسَّط الطريقَ ما بين جبل الصحابة والحافة الشمالية من المنطقة الحضرية، وتُعَد هذه الجبَّانة واحدةً من أقدمِ جبَّانات وادي النيل.
(2) Wendorf, F., The prehistory of Nubia, vol. 1, Dallas, 1968, p. 33; Wendorf, F., “The site 117: A Nubian final Paleolithic graveyard near Gebel Sahaba, Sudan,” in: the prehistory of Nubia, vol. 2, pp. 944–995; Hoffman, M. A., Op. Cit., pp. 67, 267, 288 .
(3) ⋆ تقع توشكا على بُعد حوالي 250كم جنوب أسوان، على البرِّ الغربي للنيل، وفي الموقع رقم 8905، بها عُثر على إحدى وعشرين دفنة آدمية معاصرة لمرحلة جبل الصحابة، كان قد أُلحِق بها قرون حيوانية لأبقار.
(4) بياتريكس ميدان-رينيس، «عصور ما قبل التاريخ في مصر»، مترجَم، القاهرة 2001م، ص99. «كان للقرون دلالتها الرمزية الهامة التي وضحت من خلال الرسوم الصخرية التي عُثر عليها بمواقع عدة شرق أفريقيا، أكَّدت على ما كان لها من دورٍ طقسي مرتبط بالصيد والخصوبة، سواء بمفردها منفصلة عن الجمجمة أم غير منفصلة عنها، ولا يزال لقرون الماشية دورُها الطقسي والسحري في حياة المجتمعات البدائية حتى الآن». وعن المزيد انظر: رضا محمد سيد أحمد، «العاج والمصنوعات العاجية»؛ Louis, C., “les bouefs africains á cornes déformées: quelques éléments de réflexion”: Anthropozoologica, vol. 39/1, 2004, p. 335.
(5) Brunton, G., Mostagedda and Tasian culture, London, 1937, pp. 6-7, 30-31.
(6) بياتريكس ميدان-رينيس، مرجع سابق، ص186-187.
(7) أشرف زكريا، «التماثيل والتشكيلات الحيوانية والحيوانية الطابع في مصر وبلاد الشرق الأدنى القديمة في عصورِ ما قبل التاريخ»، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 2000م، ص34.
(8) Regulski, I., Op. Cit., p. 18.
(9) ⋆ هناك صلةٌ رمزية بين العلامة wpt التي تمثِّل القرنين وبين العلامة التي تمثِّل الوادي، وبين علامة Aht التي تمثِّل الأفق أو السماء، ويؤكد كلٌّ من Newberry, P., Gaerte, W. على ذلك. ولعل صلاية جرزة التي تمثِّل رأس البقرة حتحور، المعبودة السماوية بقرنيها، والمؤرَّخة بالفترة 3500-3100ق.م. من أبرز النماذج التي تؤكِّد على وجود رمزية القرنين في مصر القديمة منذ مرحلة مبكرة.
Newberry, P. E., “Two cults of the old kingdom” in: LAAA, vol. 1, 1959, pp. 24–31; Gaerte, W., “die Horns of consecration” in: ARWS, vol. 21, 1922, pp. 72–75; Moss, M. L., “two Minoan goddess figures” in: JPR, vol. 16-17, 2003, p. 36.
(10) جاك رينولد، «كدروكة والعصر الحجري الحديث في إقليم دنقلا الشمالي»، مجلة إركاماني، العدد الثالث، 2002م، ص3.
(11) Petrie, W. M. F., Diospolis parva; the cemeteries of abdiyeh and Hu 1898-1899, London, 1901, p. 34.
(12) Scharff, A., Die Archäolgischen Ergebnisse des vorgeschichtlichen gräber feldesvon Abusir El-Meleq, Osnabrück, 1926, pp. 108-109, 112-113, 126.
تكرَّر العثور على دفناتٍ لجماجم الثيران والعجول بأبو صير الملق في الدفنات رقم:
59A1-37bI-37C4-45C6-52A3-52H8-55K3-1094-1092-1072-1068-1070-1067-1059-1058-1019-60A9-1098-1100-1116-1128-1139-1144.
(13) Scharff, A., Op. Cit., pp. 134–163.
(14) رضا محمد سيد أحمد، مرجع سابق، ص19.