بينما كان كارتر يوثِّق ويزيل بعناية الأغراض الموجودة في مقبرة توت عنخ آمون، بدأ علماء الآثار من المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو أعمال التنقيب في عام 1925 في موقع مَجِدُّو، فيما يُعرَف الآن بشمال إسرائيل ولكنه كان يقع في فلسطين التي كانت خاضعةً للانتداب البريطاني في ذلك الوقت. وبعد ثلاث سنوات، في عام 1928، اكتشفوا العديد من المباني الكبيرة التي كانت تحتوي على ممراتٍ داخلية مبطَّنة بحجارةٍ قائمة وما بدا أنه أحواض. فسَّر المدير الميداني، بي إل أو جاي، هذه المباني على أنها إسطبلات وأرسل برقيةً إلى جيمس هنري برستد، مدير المعهد الشرقي. وجاء في جزءٍ من البرقية ما يلي: «نعتقد أننا عثرنا على إسطبلات سليمان.»
تصدَّرَت الأخبار عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم، لكنَّ الجدل لا يزال محتدمًا اليوم، بعد قرنٍ من الزمان. يقبل معظم علماء الآثار أنَّ هذه إسطبلات بالفعل، لكنَّ الأغلبية لم تعُد تظنُّ أن مَن بناها هو سليمان. وبناءً على تأريخ الكربون المُشع، وأنماط الفخار، وغيرها من المؤشرات الزمنية، يبدو الآن مرجَّحًا أن هذه المباني قد بُنِيَت إما في القرن التاسع قبل الميلاد، ربما على يد عُمْري أو ابنه أخاب، أو حتى في القرن الثامن قبل الميلاد، ربما على يد يربعام الثاني (1).
وعلى نحوٍ مُماثل، بعد عدَّة عقود من الزمن، أجرى عالِم الآثار الإسرائيلي الشهير ييجال يادين وفريقه عملياتِ تنقيبٍ في مَجِدُّو وحاصور، ووجدوا أن بوابة الدخول الكبيرة في كلٍّ منهما تبدو مطابِقة، لما يُعرَف الآن بالبوابة ذات الحجرات الست. كما ألقى نظرة على السجلَّات من أعمال التنقيب السابقة التي أجراها ماكاليستر في تل الجِزِر، وأدرك أن بوابة المدينة كانت مُتطابقة جوهريًّا هناك أيضًا. وأرجع تاريخ كلٍّ من البوابات الثلاث إلى زمن سليمان، وأعلن أنه كان هناك «مخطَّط سليماني» لبوابات الدخول التي يمكن رؤيتها في مثل هذه المدن (2).
ومع ذلك، وكما حدث مع «إسطبلات سليمان»، فإن بوابات المدينة هذه أيضًا قد يعود تاريخها إلى القرن التاسع قبل الميلاد وعهد عُمْري أو أخاب، أو حتى إلى القرن الثامن قبل الميلاد وعهد يربعام الثاني، وليس إلى القرن العاشر قبل الميلاد وزمن سليمان. ظلَّ النقاش دائرًا لبعض الوقت، وكان في بعض الأحيان محتدمًا للغاية، حيث لا يوجَد اتفاق بين جميع العلماء، ولكن يبدو الآن أن هذا الدليل المُحتمَل على أنشطة سليمان في البناء ربما يكون قد اختفى أيضًا (3).
•••
يأتي الدليل النصِّي المُتضمَّن في هذا النقاش من مقطعٍ توراتي واحد يذكر تلك المدن المُحدَّدة كأمثلةٍ يُفترَض أنَّ سليمان تولَّى تحصينها: «وَهذَا هُوَ سَبَبُ التَّسْخِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِبِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِهِ وَالْقَلْعَةِ وَسُورِ أُورَشْلِيمَ وَحَاصُورَ وَمَجِدُّو وَجَازَرَ» (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 9: الآية 15).
لاحظ أن المقطع يُعطي الفضل أيضًا لسليمان في بناء الهيكل الأصلي في أورشليم («بيت الرب»). ولهذا السبب، وفقًا للرواية التوراتية، لجأ سليمان إلى حيرام، ملك صور، التي كانت تقع في الجزء المركزي من كنعان والواقعة الآن في دولة لبنان المُعاصِرة، وورد أن حيرام زوَّد سليمان بالحِرفيين وحتى بخُطة بناء الهيكل (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 5: الآية 1؛ والإصحاح 7: الآية 51). وعلى الرغم من أن علماء الآثار لم يجدوا بعدُ أيَّ شيءٍ قد يؤكد هذه القصة التوراتية بشكلٍ مباشر (أو حتى فيما يتعلق أيضًا بوجود سليمان، أو حُكمه، أو حجم مملكته)؛ فإن الروايات التوراتية عن حُكمه مليئة بتفاصيل علاقته بحيرام وصور (4).
في هذه المسألة، يُخبرنا الكتاب المقدَّس أيضًا على وجه التحديد: «وَأَرْسَلَ حِيرَامُ إِلَى سُلَيْمَانَ قَائِلًا: «قَدْ سَمِعْتُ مَا أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَيَّ. أَنَا أَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِكَ فِي خَشَبِ الأَرْزِ وَخَشَبِ السَّرْوِ. عَبِيدِي يُنْزِلُونَ ذلِكَ مِنْ لُبْنَانَ إِلَى الْبَحْرِ، وَأَنَا أَجْعَلُهُ أَرْمَاثًا فِي الْبَحْرِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُعَرِّفُنِي عَنْهُ وَأَنْقُضُهُ هُنَاكَ، وَأَنْتَ تَحْمِلُهُ، وَأَنْتَ تَعْمَلُ مَرْضَاتِي بِإِعْطَائِكَ طَعَامًا لِبَيْتِي.» فَكَانَ حِيرَامُ يُعْطِي سُلَيْمَانَ خَشَبَ أَرْزٍ وَخَشَبَ سَرْوٍ حَسَبَ كُلِّ مَسَرَّتِهِ. وَأَعْطَى سُلَيْمَانُ حِيرَامَ عِشْرِينَ أَلْفَ كُرِّ حِنْطَةٍ طَعَامًا لِبَيْتِهِ، وَعِشْرِينَ كُرَّ زَيْتِ رَضٍّ. هكَذَا كَانَ سُلَيْمَانُ يُعْطِي حِيرَامَ سَنَةً فَسَنَةً» (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 5: الآيات 8–11؛ وانظر أيضًا سِفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 2: الآيات 1–16) (5).
وفي هذا السياق، تحدَّث حيرام أيضًا عن إرسال حِرفيين مهَرةٍ لمساعدة سليمان، على النحو التالي: «وَالآنَ أَرْسَلْتُ رَجُلًا حَكِيمًا صَاحِبَ فَهْمٍ «حُورَامَ أَبِي»، ابْنَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنَاتِ دَانَ، وَأَبُوهُ رَجُلٌ صُورِيٌّ مَاهِرٌ فِي صِنَاعَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْحِجَارَةِ وَالْخَشَبِ وَالأُرْجُوانِ وَالأَسْمَانْجُونِيِّ وَالْكَتَّانِ وَالْقِرْمِزِ، وَنَقْشِ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ النَّقْشِ، وَاخْتِرَاعِ كُلِّ اخْتِرَاعٍ يُلْقَى عَلَيْهِ» (سِفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 2: الآيتان 13-14).
بما أنه لا يوجَد أيُّ جزءٍ من هيكل سليمان قائمًا حتى الآن، فإن الوصف التوراتي هو كل ما لدَينا لنعتمد عليه (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 6: الآيات 14–22). ونتيجةً لذلك، وكما قد يتوقَّع المرء، ليس هناك نهاية للنقاش العلمي حول شكله الفعلي، ولكن يبدو أنه يتناسَب مع وصفٍ ما يُطلِق عليه علماء الآثار معبدَ «القاعة الطويلة»؛ أي مبنًى مُستطيل طويل كان المرء يدخله من جانبٍ قصير ويتقدَّم إلى غرفةٍ رئيسية طويلة، وفي نهايتها غرفةٌ أصغر بكثير تُعرف باسم «قُدس الأقداس»؛ حيث من شأن المرء أن يحتفظ بشيءٍ مثل تابوت العهد.
ولكنَّ الشكل الأكثر شيوعًا للمعابد في جنوب بلاد الشام في ذلك الوقت؛ كان معبد «القاعة الواسعة»، وهو معبدٌ أقصر بكثير، ويدخل إليه المرء من منتصف الجانب الطويل. ويُمكننا أن نرى مثالًا على هذا في معبد القرن العاشر قبل الميلاد في موقع عراد، على مقربةٍ من بئر السبع فيما يُعرف الآن بجنوب إسرائيل. ومعبد «القاعة الطويلة» أكثر شيوعًا في الشمال، على سبيل المثال، في موقع عين دارة في شمال سوريا؛ حيث يوجَد معبدٌ يُظَن أنه أقربُ مثالٍ موجود لمَا كان عليه هيكلُ سليمان (6). ومِن المحتمَل أيضًا أن الحِرفيين الذين عملوا مع حيرام أحضروا معهم مُخطَّط الخطة الفعلية لبناء المعبد، فضلًا عن المواد التي كان سيُشَيَّد بها.
كما قيل لنا إنَّ سليمان، كنوعٍ من الامتنان، أعطى حيرام عشرين مدينةً تقع فيما يُعرف الآن بشمال إسرائيل، لكنَّ حيرام رفض قبولها (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 9: الآيات 10–14). إضافةً إلى ذلك، تعاوَنَ الاثنان في إرسال بعثةٍ عبْر البحار إلى أوفير (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 9: الآية 26؛ وسِفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 8: الآية 17، و9: 10)، التي لم يتأكد موقعها مُطلقًا. وعلاوةً على ذلك، يُخبرنا الكتاب المقدس أن حيرام أرسل بعثاتٍ إلى تَرْشِيشَ (سِفر الملوك الأول، الإصحاح 10: الآيتان 21-22؛ وسِفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 9: الآية 21)، والتي غالبًا ما يجري تحديدها على أنها تارتيسوس في إسبانيا، على الرغم من عدم وجود أساسٍ ثابت لمثل هذا التحديد (7). وقد اقتُرِح مؤخرًا أن الملك سليمان ربما كان معنيًّا أيضًا بالانضمام إلى البعثات الفينيقية إلى إسبانيا في هذا الوقت، وخاصة إلى منطقة وَلْبَة، للحصول على الفضة وغيرها من السلع؛ رغم عدم وجود دليل على ذلك على الإطلاق، وتفتقر الفرضية إلى أي دليلٍ مادي داعم (8).
........................................
(1) See now discussion in Cline 2020: 1-2, 85–91, with references; previously Yadin 1976; also now Cantrell 2006; Cantrell and Finkelstein 2006; Franklin 2017.
(2) See discussion in Cline 2009: 43–46, 64–66, 2020: 234-35, both with references; previously Yadin 1970.
(3) See, e.g., Finkelstein 1996, 1999, 2013; see again now brief discussion in Cline 2009: 43–46, 64–66, with previous references. See now, e.g., Ortiz and Wolff 2021, who disagree with Finkelstein and argue that the remains from their Stratum 8 at Gezer “must date… more or less to Solomon’s reign” (238); see also the recent discussions by Richelle 2018: 82-83, 85–89; Garfinkel 2021; Garfinkel and Pietsch 2021.
(4) See now Rollston 2016: 296-97; Bourogiannis 2018a: 73-74; Elayi 2018: 117–22; Bunnens 2019b: 65; Doak 2019: 660-61; Edrey 2019: 40; Na’aman 2019b; Hodos 2020: 40-41; López-Ruiz 2021: 288-89; previously Markoe 2000: 33–35; Aubet 2001: 44-45; Abulafia 2011: 66-67. See also previous discussions in Yadin 1970, 1976; Finkelstein 1996, 1999, 2013; Cantrell 2006; Cantrell and Finkelstein 2006; Cline 2009: 43–46, 64–66, 2020: 1-2, 85–91, 234-35, both with references; and now Franklin 2017; Richelle 2018: 82-83, 85–89; Garfinkel 2021; Garfinkel and Pietsch 2021; Ortiz and Wolff 2021.
(5) All translations from the Hebrew Bible follow the NRSV version.
(6) On Ain Dara, see, e.g., Sader 2014: 615-16, with references; also now J. F. Osborne 2021: 115–17, 200. The temple at the site was severely damaged in January 2018, reportedly by Turkish aircraft, according to media reports; see, e.g., Claire Voon, “Iron Age Temple in Syria Devastated by Turkish Air Raids,” Hyperallergic, January 9, 2018, https://hyperallergic.com/423867/ain-dara-temple-destroyed; Erika Engelhaupt, “Iconic Ancient Temple Is Latest Victim in Civil War,” National Geographic, January 30, 2018, https://www.nationalgeographic.com/history/article/syria-temple-ain-dara-destroyed-archaeology; Sarah Cascone, “Turkish Forces Nearly Destroy the Ancient Syrian Temple of Ain Dara,” Artnet News, January 30, 2018, https://news.artnet.com/art-world/destruction-ain-dara-1210982
(7) See, e.g., Markoe 2000: 33-34; Aubet 2001: 204-5; Lipiński 2006: 181-82; recently Elayi 2018: 121–23; Bunnens 2019b: 60-61, with previous references; also Edrey 2019: 40; Roller 2019: 645-46; Sader 2019b: 127-28; Hodos 2020: 57-58, 104, 143-44.
(8) See Kingsley 2021 and various media reports, including Jarus 2021.