عُثر في المقبرة رقم 19 بجبَّانة هيراكونبوليس HK6 على دفنةٍ لبقرة جاءت بالقرب من هيكلٍ عظمي آدمي، كانت الدفنة قد فُسِّرت في البداية على أنها لثور، وذلك لكِبَر وضخامة حجم الجمجمة والهيكل العظمي إلا أنَّ الدراسات الحديثة أثبتت أنَّ الدفنة لبقرة. هذا، ولا توجد بالهيكل العظمي، أيُّ آثار لذبح أو حرق أو تقطيع تساعد على تفسير الدفنة، وإنما جاء الهيكل العظمي خاليًا من أي معالمَ غريبة، والجميل هنا أنه قد لوحظ وجودُ نوع من المحافظة على جسم الحيوان. وتُؤرَّخ هذه المقبرة بفترة نقادة IC.IIA؛ أي ما بين 3700-3600ق.م. ويلاحظ أنه قد عُثر على شبيهِ تلك الدفنة بالمقبرة رقم 3 بنفس الجبَّانة. (1) الشكلان رقم 1-2.
وفي سقارة (2)، ⋆ التي تُعدُّ جبَّانتها واحدةً من أغنى الجبَّانات التي تضم قائمةً متنوِّعة من الدفنات الحيوانية على مرِّ مختلف المراحل الحضارية، وكان من بينها العديدُ من دفنات الثيران والأبقار (3). ففي المقبرة رقم 3038، وهي من المقابر التي تُؤرَّخ بعصر الملك عنج إيب — من ملوك الأسرة الأولى — عُثر على دفنة آدمية وحيوانية معًا، وذلك في الركن الجنوبي الشرقي من المقبرة؛ إذ عُثر على هيكل عظمي لثور وُجدت عظامه متناثرةً بالمقبرة، بينما وُجدت عظام هيكل حيواني آخر، من دراسته تبيَّن أنه لثورٍ آخر، وقد عُثر معه على مجموعة من الأواني الحجرية ورءوس سهام عاجية. (4) الشكل رقم 3.
وفي منطقة تل حسن داود، عُثر على واحدةٍ من أروع دفنات الأبقار، وذلك من بين ثلاث دفنات بَقَرية كان قد عُثر عليها في المنطقة الشمالية من الجبَّانة، حيث جاءت الدفنة أشبهَ بالعمل الفني، راجع الشكل رقم 4؛ إذ كانت البقرة راقدةً على جانبها الأيسر بينما يرضع منها طفلٌ آدمي صغير، يتراوح عمره ما بين خمس إلى ستِّ سنوات، فكانت طريقة الدفن أشبهَ بالواقعية، والطفل جاء بين سيقان البقرة وكأنه رضيعها. هذا، وتُؤرَّخ تلك الدفنة بعصر بداية الأسرات (5)، ويُعتقد بشأن هذه الدفنة أنها تجسيدٌ للبقرة حتحور والابن حورس.
أما الدفنة الثانية التي عُثر عليها بالجبَّانة، فقد ظهر بها المتوفَّى ممددًا إلى الأرجل الأمامية للبقرة، الشكل رقم 4، وجاء هيكل البقرة شبه كامل (6)، ولعل في العثور على تلك الدفنات دليلًا على أنَّ البقرة كانت مقدَّسة لدى أهالي منطقة كفر حسن داود. انظر أيضًا الشكل رقم4 .

شكل 1: المقبرة رقم 3 بجبَّانة هيراكونبوليس وبها يتضح وجود عظام آدمية وحيوانية معًا بالمقبرة. Warman, S., “How Now, Large Cow” in: NN, vol. 12, 2000, pl. VIIb.

شكل 2: المقبرة رقم 3 وبها نلاحظ وجود صندوق خشبي مما يدل على الاعتناء بالدفنة. Ibid., pl. VIIb.

شكل 3: المقبرة رقم 3038 بجبَّانة سقارة، وبها يتضح وجود رأس ثور بواحدة من الدخلات العلوية «نيش» بالمقبرة. Emery, W. B., Great Tombs of the First Dynasty, vol. 1, Cairo, 1949, p. 27.

شكل 4: الكوم رقم 219 – دفنات ثيران، جبَّانة البداري. Brunton, G., Thompson, C., The Badarian Civilization and Predynastic Remains Near Badari, London, 1928, pl.68.
.................................................
(1) Warman, S., “How now, large cow” in: N. N, vol. 12, 2000, pp. 8-9 .
(2) ⋆ تُعدُّ الجبَّانة الحيوانية المقدَّسة بسقارة واحدةً من الجبَّانات الضخمة الكاملة، التي اتخذت شكلَ سلسلة من المقابر المنحوتة تحت الأرض، اشتملت على كمياتٍ كبيرة من المومياوات الحيوانية ليس فقط للثيران والأبقار، بل لأنواع عدة. هذا، ولقد كانت عبادة أو تقديس الثور واحدةً من أهم العبادات الحيوانية السائدة بالجبَّانة، التي ترجع بجذورها الأولى إلى عصر بداية الأسرات؛ إذ عُثر في سقارة على الكثير من رءوس الثيران المصنوعة من الفخار، والمزوَّدة بقرون حقيقية، كانت قد وُزِّعت على بعض المصاطب الملَكية كما في المقبرة رقم 3504 التي أُحيط بناؤها العلوي بحوالي 300 رأس ثور. وتكرَّر نفس الأمر في جبَّانة أبو صير. ويرى د. علي رضوان نقلًا عن Regulski أنَّ هذه الرءوس أو نماذج رءوس الثيران، إنما هي إشارة رمزية لاستمرار ودوام القرابين التي تُقدَّم إلى الملِك المتوفَّى، وهي أيضًا واحدة من الضروريات المعبِّرة عن قوة الحياة، أو إعطاء الحياة والروح — الكا — للمتوفَّى في العالم الآخر. بينما يرى Regulski أنَّ هذه الرءوس إنما تشير إلى القوة الملكية، وهي تمنحهم أيضًا قوةَ الحياة التي فقدوها، ولقد استمرَّت أهميةُ الثور في العقيدة المصرية القديمة على مرِّ مختلف مراحل العصور التاريخية بسقارة، Smith, H. S., a visit to ancient Egypt, England, 1974, pp. 21–27; Davies, V., and Friedman., R., Op. Cit., pp. 187, 190; Davies, S., “uncharted saqqara: A postscript,” in: JEA, vol. 84, 1998, pp. 45–47, Regulski, I., “Engraved Bovine heads in the El-Kab area,” in: C. D. E., vol. 77, 2002, p. 19; Teeter, E., “Animals in Egyptian Religion,” in: Collins, B. J. (edit.), 2002, p. 359.
(3) Petrie, W., Tarkhan II, London, 1914, p. 6.
(4) Emery, W. B., great tombs of the 1st dynasty, vol. 1, Cairo, 1949, pp. 82, 98 .
وعن العاج والسهام العاجية انظر: رضا محمد سيد أحمد، «العاج والمصنوعات العاجية في مصر القديمة حتى نهاية العصر العتيق»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1989م.
(5) El-Merghani, S., “how studies of Botanical remains and animal Bones contribute to the rewriting of the history of the Delta overtime,” in: Egyptology, Op. Cit., p. 341 .
وربما كانت صلاية جرزة التي عُثر عليها في المقبرة رقم 95 بجرزة، والتي تُؤرَّخ بحوالي 3500-3100ق.م. والموجودة بالمتحف المصري من أول دلائل ظهور المعبودة حتحور، كمعبودة سماوية، اتخذت هيئةَ الرأس البَقَرية، بقرنيها وقد اعتلتها النجوم. هذا، ولقد وُجِد نظيرٌ لما جسَّدته تلك الدفنة، في منظر الملك أمنحوتب الثاني — الموجود بالمتحف المصري — وهو في وضع الرضاعة من المعبودة حتحور، وأيضًا تمثال تحتمس الثالث الموجود بالمتحف المصري.
Vandier, J., Manuel d’archeologie Egyptienne vol. 1, Paris, 1952, p. 197; Cooper, J. C., an illustrated encyclopedia of traditional symbols, London, 1978, pp. 43-44; El-Merghani, S., Op. Cit., p. 342; Marina, L. M., “Two Minoan goddess figures” in: J. P. R, vol. 16/17, 2003, p. 36.
(6) خالد محمد الطلي، مرجع سابق، ص463.