عرف المصري القديم استئناسَ الماشية Bosindicus منذ حوالي 5000ق.م (1)، ولربما تمَّ رعي الماشية في واحات الصحراء الغربية حوالي 7000ق.م.؛ إذ عُثر هناك على بقايا عظمية لثيرانٍ برية Aurochs تُؤرَّخ بالعصر الحجري القديم الأعلى (2).
عُثر في منطقة النبتة⋆ على العديد من دفنات الأبقار التي تُؤرَّخ بالعصر الحجري الحديث، والتي بلغ حدُّ الاعتناء بها أن شُيدت لها مقابرُ ذات سِمات خاصة، عُرفت باسم التومولو (3) ⋆Tumulus، وكان من أهم وأوضح تلك الدفنات، الدفنةُ رقم E-94 In الشكل رقم 7-2، 7-3، التي كانت تشتمل على هيكل عظمي كامل لبقرة، كانت قد دُفنت على ما يبدو عند مرحلةٍ عمرية غير متقدِّمة، في منتصف العمر تقريبًا. هذا، وقد عُثر على عصًا خشبية أعلى الدفنة الحيوانية، قد تكون جزءًا من سقفٍ كان يغطي الدفنة تَحلَّل ولم يبقَ منه سوى تلك العصا، أو قد تكون العصا وُضعت عن قصد أعلى الدفنة لغرضٍ معيَّن، وعُثر كذلك على ختمٍ غيرِ سميك من الفخار، لونه بنيٌّ فاتح، كان قد وُضع إلى جوار العصا أيضًا. ولم يتمَّ بعدُ تفسيرُ الغرض من وجود الختم والعصا في هذه الدفنة الحيوانية، فربَّما كان لهما ارتباطٌ سحري أو طقسي مرتبِط بالصيد (4)، ولعلَّ ذلك هو الغرض الأرجح.
ربما كان الختم هنا يشير إلى كونِ هذه المقبرة أو البقرة خاصةً بشخص معيَّن هو صاحب الختم، وأنَّ ذلك دليلٌ على امتلاكه لها، وبالتالي دليلٌ على ثرائه الاجتماعي، وربما كان مجرد تميمة في شكل ختم، وهذا هو الأصح.
ولقد عُثر على دفنةٍ أخرى لبقرةٍ صغيرة، كانت قد دُفنت في حفرةٍ تشبه المقصورةَ الصغيرة، كانت مسقَّفة ومبطَّنة بالطين، وذلك أسفل واحدةٍ من اﻟ Tumulus التي عُثر عليها بالموقع، هذا بخلاف العديد من الدفنات الحيوانية الأخرى، التي تنوَّعت ما بين دفناتِ ماشيةٍ واضحةِ المعالم، أو أجزاءٍ عظمية جُمعت في حفرةٍ كانت أشبه بالودائع الجنائزية (5). وفي منطقة الجندل عُثر في الجبَّانة رقم 17 على اثنتين من دفنات الأبقار، كل دفنة على حدةٍ، تُؤرَّخان أيضًا بالعصر الحجري الحديث، كان الاهتمام بدفنهما قد بدا، سواء في اتجاه الدفن، حيث اتجهتا نحو الغرب، أو في طريقة التكفين، وتزويد الدفنتين بالمتاع الجنائزي (6).
وبمجيء العصر الحجري النحاسي، تتضح الصورة أكثرَ، وإن كانت تنقصنا أيضًا المصادر الأثرية الصادقة في هذا الوقت، إلا أنه إذا كانت الأمور تُقاس بأشباهها فإنَّ ما عُثر عليه في مقابر هذا العصر مقارنةً بما عُرف في العصور التاريخية، يدُل على أنَّ أُناسَ ذلك العصر كانت لهم معتقداتهم الدينية الراسخة. ففي البداري كانت الأبقار والثيران من بين أهم الحيوانات التي عُثر لها على دفناتٍ تُؤرَّخ بالعصر الحجري النحاسي؛ ففي المقبرة رقم 5422 بالجبَّانة رقم 5100 عُثر على دفنة لثورٍ — أو بقرة — راقدٍ على جانبه الأيسر بالجانب الشرقي من المقبرة، وكان رأسه يتَّجه إلى الجنوب، وكان مكفنًا بالحصير. وكذلك في المقبرة رقم 5434، الشكل رقم 7-4، عُثر على دفنةٍ أخرى لثورٍ — أو بقرة — جاءت الدفنة بنفس تقاليد الدفن التي اتُّبعت في الدفنة السابقة (7)، ويُلاحظ في كلتا الدفنتين أنهما كانتا قد اتَّبعتا نفس طريقة الدفن الآدمية من حيث الوضع والتكفين؛ إذ كُفِّنت الحيوانات بالحصير، واتَّجهت أجسامها من الجنوب إلى الشمال الشرقي، وكان الرأس قد اتجه إلى الجنوب، ولا شكَّ أنَّ ذلك دليلٌ على نوعٍ من التقديس للأبقار (8). هذا، وقد عُثر على حافة جبَّانة البداري على أربعٍ من دفنات الأبقار — كلُّ دفنة على حدة — وذلك بين مجموعة من المقابر الآدمية بالجبَّانة (9).
وكان من بين دفنات الأبقار التي عُثر عليها بالبداري، واحدة من الدفنات البقرية فسَّرها Watson على أنها دفنةٌ لجاموسةٍ أو بقرةٍ كبيرة الحجم؛ إذ تميَّزت بوجودِ قرونٍ كبيرةٍ ضخمةٍ جاءت واضحةَ المعالم (10).
وفي عصورِ ما قبل وقبيل الأسرات، عُثر على دلائل تقديس الثيران والأبقار من خلالِ ما تم العثور عليه من دفنات لهما في جبَّانات عدة؛ ففي جبَّانة هيراكونبوليس/نخن HK6 الشكل رقم 7-4، عُثر على دفنة لبقرة، وذلك في المقبرة رقم 7 التي تقع بالقرب من المقبرة المزدوجة رقم 13 و23، كانت البقرة قد دُفنت على غِرار طُرق الدفن الآدمية؛ إذ كُفِّنت بالحصير، وزُوِّدت بالأواني الفخارية، وتبيَّن من دراسة هيكلها العظمي، أنها كانت بقرةً برية ضخمة. تُؤرَّخ هذه الدفنة بحوالي 3700ق.م (11)، الشكل رقم 7-6 - 7-7.
وفي العصر العتيق، رسخت المعتقَدات المصرية القديمة، وتأكَّد دور الحيوان في الديانة المصرية آنذاك، ووضح ذلك من خلالِ ما تم العثور عليه من دفناتٍ حيوانية، لا سيما للثيران والأبقار.
ففي جبَّانة تل حسن داود (12)، ⋆ عُثر على دفنة لبقرة جاءت في وضعِ القرفصاء — أي تقاربت ساقاها الأماميتان مع الخلفيتين، وكان هيكلها العظمي كاملًا، وبحالة جيدة من الحفظ، وتُؤرَّخ الدفنة بعصر بداية الأسرات (13). الشكل رقم 7-9.
وفي جبَّانة نجع الدير عُثر في المقبرة رقم 1605 على دفنة لعجل صغير، جاء هيكله العظمي كاملًا، كان الحيوان مرقَّدًا أسفل قدرٍ ضخمة دائرية الشكل من الألباستر، ربما كانت نوعًا من الأثاث الجنائزي. تُؤرَّخ الدفنة بعصر الأسرة الثانية (14).
وفي الكوبانية (15)، ⋆ عُثر على دفنةٍ لثور كانت جمجمته مفقودة، أما هيكله العظمي فقد جاء كاملًا، تُؤرَّخ هذه الدفنة تقريبًا بعصر بداية الأسرات (16).
وقد عُثر في النوبة على العديد من دفنات الثيران، وذلك في الجبَّانة رقم 17- أ؛ ففي المقبرة رقم 33 عُثر على هيكل عظمي لثور صغير، راقدٍ على جانبه الأيسر، رأسه إلى الجنوب الغربي، بلا قرابين. وكذلك في الدفنة رقم 71، عُثر على ثورٍ آخرَ صغيرٍ، راقدًا على جانبه الأيمن، رأسه إلى الجنوب الغربي، ولم يكن أيضًا مزودًا بقرابين (17).
وقد عُثر في الجبَّانة رقم 41 من منطقة مريس بالنوبة، على الدفنة رقم 101 التي اشتملت على دفنةٍ لبقرة كانت راقدةً على جانبها الأيمن، ورأسها إلى الشمال الغربي. وكذلك في الدفنة رقم 102 عُثر على بقرةٍ أخرى مشابهة، أُرِّخت الدفنتان بعصر بداية الأسرات. وفي المقبرة رقم 201 بنفس الجبَّانة، عُثر على دفنةٍ لثور أو بقرة، كان رأسها إلى الشمال الشرقي تقريبًا. وفي المقبرة رقم 241 عُثر على دفنة لبقرة، راقدة على جانبها الأيمن، ورأسها إلى الجنوب الغربي (18).
وفي الجبَّانة L بقسطل عُثر على العديد من الدفنات لحيواناتٍ من فصيلة الثيران، تُؤرَّخ بعصر بداية الأسرات (19)؛ إذ عُثر على دفنة لثورٍ في المقبرة رقم L20، كان الثور راقدًا في وضعٍ مقرفص — قدماه الأماميتان متقاربتان مع الخلفيتين — بلا جمجمة، وكان يتجه نحو الغرب. وقد عُثر على دفناتٍ لثيران في المقابر رقم L25-L26-L27، اتَّخذت الثيران في تلك الدفنات أوضاعًا واتجاهاتٍ مختلفة. وكذلك الأمر في المقابر رقم L7-L6-L3؛ إذ عُثر على دفناتٍ لثيران زُوِّدت بالقرابين (20). وتُؤرَّخ هذه الدفنات بعصر بداية الأسرات.
...................................................
(1) يسر صديق أمين، «قرابين الأضاحي في نصوص ومناظر الدولة الحديثة والعصور المتأخرة في مصر القديمة»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1987م، ص10-11. وليم نظير، «الثروة الحيوانية في مصر القديمة»، القاهرة (د.ت)، ص45.
Brewer, D., “Hunting, Animal, Husbandry and Diet in Ancient Egypt” in: Collins, B. J., (edit.,) A History of the Animal World in the Ancient Near East, Leiden, 2002, p. 434.
(2) Hassan, F., “The Predynastic of Egypt” in: JWP, vol. 2, 1988, p. 144 تم اكتشاف الكثير من البقايا العظمية لماشيةٍ مستأنَسة في منطقة النبتة، أُرِّخت 9500ق.م.، ويُعتقد أنَّ هذه البقايا العظمية هي أقدمُ ما عُرف من عظام الماشية المستأنَسة في العالم، ومن ثَم فهذا يشير إلى أنَّ شمال أفريقيا ربما كان مركز انتشار الماشية المستأنَسة. Wendorf, F., and Schild, R., “Introduction to Archaeology Manual, Second Edition” in: C. P. E, 2001, p. 3.
(3) ⋆ التومولو: هو مصطلح أُطلق على ما عُثر عليه بمنطقة النبتة من تكوينات صخرية، شُيدت من كتلٍ حجرية غير مشذَّبة، كوِّمت بعضها فوق بعضٍ قصدًا، لتشير إلى دفناتٍ خاصة؛ إذ كانت المقبرة تُنقَر في الأرض الحصوية، ويُهال عليها بقايا الحصى وكسر الدبش والرمال، والرائع هنا هو أنه عُثر على دفناتٍ حيوانية أسفل هذه التكوينات والتراكمات الرملية، وتدُل هذه الدفنات على ما كان لهذا الموقع من أهمية جنزية واجتماعية متميزة في نهاية العصر الحجري الحديث.
Wendorf, F., and Schild, R., and Zedenon, N., “A late Neolithic Megalith Complex in the Eastern Sahara, Prehistory Report” in: Interregional Contacts in the Late Prehistory of Northern Africa, Poznan, 1996, p. 125; Wendorf, F., and Schild, R., “Implications of Incipient Social Complexity in the Gifts of the Desert, Hong Kong, 2002, pp. 15, 17.
(4) Applegate, A., and Gautier, A., “The North Tumuli of the Nabata Late Neolithic Ceremonial complex” in: Wendorf, F., and Schild, R. (edit.), Holocene Settlement of Egyptian Sahara, vol. 1, New York, 2001, pp. 468-469, 473, 488; Wendorf, F., and Schild, R., “Implications of Incipient Social Complexity in the late Neolithic in the Egyptian Sahara” in: Friedman, R. (edit.), Egypt and Nubia, Gifts of the Desert, Hong Kong, 2002, fig. 29.
(5) Applegate, A., and Gautier, A., Op. Cit., p. 469.
(6) Ibid., p. 473.
(7) Brunton, G., and Caton-Thompson, C., The Badarian Civilization and Predynastic Remains Near Badari, London, 1928, pp. 12, 38.
(8) Saied, A. M., Götter glaube und gotthieten in der vorgeschichte und frühzeit Ägyptens, der Archäolgischen fakultāt der Kairo Universitāt, 1997, p. III.
(9) Behrens, H., Op. Cit., p. 75.
(10) Baumgartel, E. J., The Culture of Prehistoric Egypt, vol. 2, Oxford, 1959, p. 127.
(11) Adams, B., “Discovery of Predynastic Elephant Burial,” in: Archaeology, vol. 2, 1998/9, pp. 46–50; Adams, B., “Locality 6 in 2000: Amazing Revelation” in: NN, vol. 13, 2001, p. 7; Friedman, R., “The Elite Cemetery”; internet article in: Archaeology Magazine, A. M 2003.
(12) ⋆ يقع تلُّ حسن داود على بُعد حوالي 10كم شرق التل الكبير، على بُعد حوالي 40كم غرب مدينة الإسماعيلية، وعُرف هذا التل بهذا الاسم لوقوعه إلى الجنوب من كفر حسن داود، بقرية القصاصين بمركز التل الكبير بمحافظة الإسماعيلية، وفي هذا الموقع عُثر على جبَّانة قديمة تغطي مساحة 1300م2 على الحافة الجنوبية للسهل الفيضي المزروع لوادي الطميلات، وقد عُثر في هذه الجبَّانة على مقابرَ ترجع لعصرِ ما قبل وبداية الأسرات، وحتى العصر المتأخر والبطلمي (فكري حسن، «نشرة علمية لموقع كفر حسن داود شرق الدلتا لوصف نتائج البعثة المشتركة بالموقع»، المجلس الأعلى للآثار المصرية وكلية لندن الجامعية، 1999)؛ Bakr, M. I., and Abdelmoneim, M., “proto dynastic excavations at Tell Hassan Dawud-eastern Delta” in: interregional contactsin later prehistory of north eastern Africa, Poznan, 1996, p. 277; Lovell, N. C., “the 1995 excavations of the cemetery at Kafr Hassan Daoud, Wadi Tumilat” in: JSSEA, vol. 27, 1997, p. 35; Mohamed A. Hamdan, “quaternary geology of Kafr Hassan Dawood, east Nile Delta, Egypt” in: Egyptology at the dawn of the twenty-first century, vol. 1, Cairo, 2000, pp. 221–228; Tassie, G. J., “early cemeteries of the east Delta: Kafr Hassan Dawood, Minshat Abu Omar and Tell Ibrahim Awad” in: Egyptology; Op. Cit., pp. 221–288; Hassan, F. A., “the computerized database and potential for ageographic information system at Kafr Hassan Dawood in: Egyptology, vol. I, pp. 416–422.
(13) خالد محمد الطلي، «الإقليم الثامن من مصر السفلى»، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الزقازيق، 2001م، ص364.
(14) Reisner, G. A., the early dynastic cemeteries of Naga-ed-Der, Leipzig, 1908, p. 55.
(15) ⋆ تقع جبَّانة الكوبانية على بُعد 10كم شمال الشلال الأول، على الضفة الغربية للنيل.
(16) Junker, H., Bricht über die grabungen der akadimie der wissen schuften in wien auf friedhofen von El-Kubanieh süd, winter 1910-1911, wein, 1919, pp. 4, 151.
«تمتد فترةُ ما قبل التاريخ في منطقة النوبة من حوالي 6000-3000ق.م. ففي الجنوب وجدت حضارة الخرطوم في العصر الحجري الوسيط والعصر الحجري الحديث، بينما في الشمال وجدت حضارة المجموعة أ، وهي تمتد من 3100-2800ق.م (لمياء علي شوقي الحديدي، «دراسة مقارنة بين النقوش الصخرية في مصر والنوبة السفلى في المرحلة النقادية»، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 2000م)».
(17) Reisner, G. A., the archaeological survey of Nubia, report for 1907-1908, vol. 1, Cairo, 1910, p. 138.
(18) Flores, D. V., the funerary sacrifice of animals during the predynastic period, PhD dissertation, department of near eastern civilizations, Uni. of Toronto, 1999, p. 75.
(19) Adams, W., “Doubts about the Last Pharaohs” in: JNES, vol. 44, 1985, pp. 185, 192.
(20) Flores, D. V., Op. Cit., p. 78.