إن رؤية الإنسان للعمل تضاهي رؤيته لعالم الوجود، فمن يعتبر أن جميع المخلوقات منحصرة في النطاق المادي ولا يتعرف رسمياً في مجال علم المعرفة إلا بطريق الحس والتجربة، يزعم أن العمل محدود بالإنتاج المادي والاستهلاك المادي، وأما العارف بالثقافة القرآنية يعلم أن القرآن قد قسم الوجود إلى غـيـب وشهادة وتبعاً لذلك تنقسم المعرفة إلى هذين القسمين والعمل أيضاً كذلك. وعلى هذا الأساس فمن يرى الوجود أكبر من المادة ينظر إلى العمل أيضاً بنظرة أكثر شمولية وسعة ويوسع دائرة نشاطاته عبر تقديسه بالرؤية المعنوية.
سعة دائرة العمل
إن من التكاليف المستمرة في كل يوم هي النشاط الإنتاجي والتكسب والعمل من خلال السيطرة على الطبيعة واستخدامها. يقول الله سبحانه: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11]، ويقول أيضاً: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل: 7].
وإن دائرة عمل البشر لا تتحدد بنقطة خاصة بل يمتد ميدان الجهد والجد من أعماق البحار إلى أوج السماء وسعة البراري والصحاري: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15]، {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14].
ولابد من الالتفات هنا إلى أن العمل لا يقتصر على النشاط البدني، بل إن العالم الذي يسعى عبر علمه وبحثه لحل مشاكل المجتمع العلمية أو الطبيب الذي يداوي المرضى أو المهندس الذي يُخطط المشاريع الفنية أو طالب العلم الذي يجتهد في سبيل اكتساب العلم و... كـل واحـد مـن هـذه الجهود العلمية والأبحاث الدراسية مصداق بارز للعمل مع اختلاف في قيمتها وأهميتها.
الجهد الجاد والمستمر
إن من تأكيدات الإسلام المهمة إلى الناس هي ألا يتوقفوا عن الاجتهاد والعمل في أي زمن من حياتهم وعلى الإنسان دوماً خوض ميدان الجهد والجهاد بصورة جادة ومستمرة في مختلف عرصات حياته ـ ومنها العمل لتأمين متطلباته الاقتصادية والمعيشية - ليتأتى للمجتمع الديني في ضوء هذه الجهود والمساعي الوصول إلى الصلاح من الناحية الفردية ونيل الأهداف السامية من الناحية الاجتماعية.
وقد ورد في بيان نورانى للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) تبيين ميزان عمل المسلم في حياته جلياً حيث يقول: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم الفسيلة فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها))(1).
فبالاستناد إلى هذا البيان ينبغي على الإنسان أن يعمل مادام على قيد الحياة وعلى كل فرد في المجتمع الإسلامي أن يبذل جهده وسعيه بمقدار استعداده واستطاعته.
فالمزارع في إنتاج المحاصيل الزراعية والصانع في الإنتاجات الصناعية والمعلم في التعليم والمحقق في التأليف والتدوين، وعلى الجميع أن يبذل كـلّ ما بوسعه للقيام بتكاليفه كمياً وكيفيّاً وأن يعملوا حقيقة بمقدار استطاعتهم.
ومن جانب آخر فكما أمر الناس ـ طبق التعاليم الإلهية ـ بالجهد في مجال الإنتاج ورُغّبوا على ذلك، مُنعوا أيضاً من الكسل والتقاعس عن العمل بحيث أن الشخص العاطل عن العمل وبواسطة ابتعاده عن الجد والكد في المجتمع الإسلامي إضافة إلى أن له تأثير سيء في سلامة العائلة نفسياً وسلامة البيئة، قد استجلب لنفسه أكبر تهديد وشقاء في نظام الخلق وهو غضب الله كما قال الإمام الكاظم (عليه السلام): ((إن الله ليبغض العبد الفارغ))(2).
وقد عُد التكاسل والتقاعس في روايات أهل البيت (عليهم السلام) من أبغض الخصائص الأخلاقية التي تضيع دنيا الفرد وتفسد آخرته، فقد ورد عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في هذا الشأن أنه قال: ((إياك والكسل والضجر فإنهما يمنعانك من حظك من الدنيا والآخرة))(3).
فعلى الإنسان أن يكون مفيداً للمجتمع عبر الكدّ والعمل ما دام علـى قـيـد الحياة وأن يقوم بالعمل الذي في عُهدته وبمقدار استطاعته على النحو الأحسن سواء كان في مجال الزراعة أو تربية الحيوانات أو الصناعة أو الأعمال الثقافية والعلمية. وأما البطالة فهي مرفوضة من قبل المجتمع ومبغوضة من قبل الله، ومن هنا فإن دعاء الإنسان العاطل لا يستجاب. إذن فجميع الأفراد مكلّفون بالعمل كل بمقدار قدرته الجسدية والفكرية وبالطبع فإن مقدار العمل المتوقع من الشاب لا يُنتظر من الشيخ الكبير.
علماً بأن هناك روايات كثيرة في هذا المجال تبين من خلال الرؤية الشاملة لها قيمة الجهد والعمل البالغة في المدرسة الإسلامية، ولكن رغم كل هذه التأكيدات يسعى البعض لإنكار نظرة الدين الإيجابية إلى الجهود الفردية والجماعية المبذولة لاكتساب أمور الحياة المادية. ويتمسكون لذلك بالتأكيدات القرآنية والروائية على منع المؤمنين من ((طلب الدنيا)) وأمرهم بالابتعاد عن المظاهر الدنيوية وعدم التعلّق بها.
وإن الرواية التالية على ما يبدو تبيّن جلياً بطلان التوهم المذكور أعلاه في قالب التغاير بين طلب الدنيا - المذموم حقيقة ـ والسعي لتحصيل أمور الحياة المادية - المحمود حقيقية - قال محمد بن المنكدر: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد بن علي ... وهو متكئ على غلامين له أسودين أو موليين، فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أشهد لأعظنّه فدنوت منه فسلمت عليه فسلم على ببهر وقد تصبب عرقاً فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال ... قال: ((لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله تعالى))(4).
فكم هناك فرق بين هذا الزعم وهو أن توفير مستلزمات الحياة المادية ضرب من التخلّف عن الأوامر الإلهية والتخطي عن طلب الآخـرة والإيمان الحقيقي بالمعاد وبين هذه المعرفة الحكيمة وهي أن مثل هذا السعي يعد طاعة من طاعات الله وقد وردت تأكيدات كثيرة على ترغيب آحاد المجتمع عليه، ولاسيما الأمور التي يؤدي تركها إلى عواقب جسيمة في دنيا الفرد وآخرته.
______________________________
(1) مستدرك الوسائل، ج 13، ص 460: كنز العمال، ج 3، ص 892.
(2) وسائل الشيعة، ج 5، ص 85.
(3) الكافي، ج 5، ص 85.
(4) بحار الأنوار، ج 46، ص 287.