لكل عمل صلة تكوينية وضرورية مع عامله ولذا فإن بينهما ترابط مباشر متواصل ومن هنا فلا يمكن ألا يرى الإنسان أثر عمله وجزاءه كما يستحيل أن يرى الإنسان أثر عمل لم يفعله.
وإن لكل عمل على أساس البرهان العقلي نية وحركة والنيـة مختصة بروح العامل والحركة ببدنه ولذا لا تكون للعمل صلة تكوينية إلا مع عامله لا مع الغير وهي صلة لا تنقطع.
وقد صادق البرهان النقلي (الآيات والروايات) على هذا الأصل العقلي العام وهو أن من أحسن فلنفسه ومن أساء فلها أيضاً: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7].
وإن «اللام» في «لأنفسكم» ليست لام المنفعة حتى تكون «اللام» فــي «فلها» لام المشاكلة وموضوعة موضع «علی»، بل «اللام» تفيد الارتباط والاختصاص، بمعنى أن العمل الحسن للمحسن مختص بـه فقـط والعمل السيء للمسيء مرتبط به لا بالغير لأن الإحسان مختص بالمحسن والإساءة بالمسيء(1).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المسألة على نحو أصلين كليين قد وردا في كتب الأنبياء السابقين. فعلى أساس الأصل الأول المتعلق بالسيئات لا يحمل امرؤ على عاتقه وزر غيره وإنما يحمل وزره على ظهره كما ولا يستطيع وضعه على كاهل الآخرين أيضاً: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(2)، لأن الوزر لا يترك صاحبه بل هـو مرهون بوزره وعمله على الدوام(3).
وعلى أساس الأصل الثاني المرتبط بالحسنات، لا نصيب للإنسان إلا سعيه: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النجم: 39، 40]، ولا يطلب
الله أكثر من ذلك ولكنه سبحانه بفضله يجازيه بأكثر من عمله وإن كان جزاؤه بالنسبة للسيئات جزاء يوافق الأعمال {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26]، بيد أن الحديث في الأعمال الصالحة عن الجزاء الأوفى: {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 41]، نظير {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54]، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد: 28]، إذن فالحسنات والسيئات تنضوي تحت شعاع عمل الإنسان ولها صلة تكوينية مع العامـل كـمـا روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء»(4).
العامل مرهون بالعمل
كلّ عمل قبل تحققه تحت تصرف العامل وبعده على نحوين: إن كان حسنة فهو تحت تصرفه أيضاً بحيث أنه لا يحدّ من حريته، وإن كان سيئة يأخذ العامل رهينة له لأن الذنب تضييع حق الله أو الناس فيكون فاعله حينئذ مديناً وعلـى المدين أن يدفع رهناً. والرهن في المسائل الاعتبارية للدائن يمكن أن يكون سجاداً وعقاراً، وأما في الأمور التكوينية والحقيقية كالذنب فهـو نـفـس الإنسان ولا يستطيع فكها من سلاسل الرهن إلا بالاستغفار وأداء الحق كمـا ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((أيها الناس! إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم))(5).
وقال الله سبحانه في هذا المجال: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: 38، 39]. ظاهر الآيتين الإطلاق، أي أن الإنسان مرهون بأعماله الحسنة والسيئة ولكن الرهن بالاستناد إلى القرينة الداخلية والخارجية مختص بالمسيئين لا المتقين. القرينة الأولى خصوصية المحمول التي تدل على أن الموضوع مقيّد لا مطلق كما أن ظاهر العبارة العرفية ((كل من قام بفعل فاعتقلوه)) مطلقة ولكن المراد بقرينة المحمول (الاعتقال) هـو خصوص المسيء والعمل السيء لا كلّ إنسان وكل فعل. والقرينة الثانية قرينة {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: 39] المتصلة، فلو لم تكن نفوس أصحاب اليمين رهينة لا تكون نفوس المقربين مرهونة على اليقين، كما أن عبارة {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] مُصدرة بآية تدلّ على التأثير الإيجابي للحسنات. والـسـر فـــي أن «أصحاب المشئمة» مرهونون بأعمالهم السيئة وأصحاب الميمنة والمقربون متحررون من أغلال أعمالهم هو أن «أصحاب المشئمة» متصفون بالشؤم وسوء العمل والعمل السىء والمشؤوم دَین وصاحبه مدین وعلى كل مـدين دفع رهن والرهن في المعصية نفس العاصى حيث لا يستطيع التحرر منه إلا بالاستغفار، وأما «أصحاب الميمينة» فإن عملهم متصف دومـاً بـ«اليُمن» والبركة وهي تستجلب الحرية.
تأثير الأعمال على الآخرين
إن لأعمال الإنسان آثار ونتائج حسنة وسيئة تترك أثرها تارة على آباء العامل أو أبنائه وأخرى على المجتمع البشري أعم من الجيرة وغيرهم لأن الله بفضله يغمر الآخرين برحمته، بسبب عمل المحسن كما أن عكسه محتمل أيضاً. وذلك بالنظر إلى هذا الأصل العام وهو أن خلف الوعد قبيح لا خلف الوعيد.
وقد قال الله سبحانه حول تأثير السيئات التي دائرتها أضيق بقليل: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].
ومثال تأثير الحسنات مشهود في قصة الخضر وموسى (عليهما السلام) حيـث قـال الخضر (عليه السلام) للنبي موسى (عليه السلام) في تأويل أعماله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82]، والمراد من الأب هـو الجـد السبعون على ما في بعض الروايات(6)، إذن فالله لا ينسى العمل الصالح للإنسان ويوصل ثوابه إلى الأجيال اللاحقة لأن العمل حي.
والمثال الثاني الآية التالية: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، أَي أن المؤمنين إن اتبعتهم ذريتهم في إيمانهم - ولكن لم يصلوا إلى درجتهم في الإيمان ـ فإن الله سبحانه سيلحقهم بآبائهم في الجنة من دون أن ينقص من أعمال الآباء شيئاً. فلو كانت درجتهم الإيمانية كدرجة آبائهم لجازاهم الله على حسب أعمالهم ولا حاجة عندئذ للإلحاق، بيد أن مسألة الإلحاق تدل على أنهم أدنى مرتبة من آبائهم فيفيض الله عليهم بفضله وببركة الآباء. كما أن عدم نقصان شيء من أعمال الآباء والمربين أيضاً يدلّ على أن إلحاق الأبناء بالآباء من فضل الله ولا يتنافى مع آية {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، لأن هذه الآية تدل على أن استحقاق الفيض مختص بسعي الإنسان وجهده ولا تتنافى مع الفضل الإلهي قطّ.
ثم إن الأواصر النسبية تتقطع بين الأشخاص في يوم القيامة: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [المؤمنون: 101]، ولا يتأتى لأحد حل مشكلة الآخـر علـى أساس النسب الدنيوي، ولكن إن اتبع الأبناء في الدنيا منهج آبائهم المؤمنين فإن الله سبحانه وبسبب التربية الصحيحة سيمتعهم بالجزاء الأمثل والمواهب الأخروية كالشفاعة. هذا بالإضافة إلى ما ستغمر الآباء من لذة لقاء ذريتهم في الجنة فباستطاعة الإنسان أن يوصل أبناءه إلى درجات رفيعة عبر أعماله الصالحة وأن يوقعهم في العذاب والمشقة عبر أعماله الطالحة.
وقد ورد في الروايات أيضاً نقل حسنات المذنب (القاتل والمستغيب) وسيئات المحسن المقتول والمغتاب إلى شخص آخر(7)، ولكن هذا في الواقع هو حصيلة عمله، لأن القاتل أو المستغيب قد قام في الظاهر بالقتل أو الاغتياب وفي الواقع أثر عمله حيث تظهر سيئات المقتول والمغتـاب فـي صحيفة أعماله، لا أنها تنتقل إلى صحيفة عمله حتى لا تنسجم مع بعض الآيات أو ترد بعض الأبحاث من قبيل أن عمل الإنسان عرض أم جوهر وهل هو قابل للنقل والانتقال أم لا(8). فإن تعبير ((النقل والانتقال)) تعبير ناهض عن التسامح وإلا فإن القاتل في الواقع يرى في صحيفة أعماله عصارة سيئات المقتول التـي هي وليدة عمله، كما أن ظهور حسنات المستغيب في صحيفة المغتاب فـي الواقع هو إعادة ماء وجهه المراق إليه من قبل الله.
____________________________
(1) مجمع البيان، ج 5-6، ص 615.
(2) سورة النجم، الآية 36-38 «الوازرة» هي النفس التي تحمل العب.. كما يُعبر عمن يحمل عبء الحكومة الثقيل بـ «الوزير».
(3) المفردات، ص 867-868 «وزر».
(4) بحار الأنوار، ج 97، ص 23.
(5) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 296؛ بحار الأنوار، ج 93، ص 357.
(6) علل الشرائع، ج 1-2، ص 180: البرهان، ج 5، ص 48.
(7) بحار الأنوار، ج 72، ص 259؛ وسائل الشيعة، ج 29، ص 15.
(8) راجع: الميزان، ج 2، ص 179-180.