مضت السنة الإلهية على عدم مجازات الكفّار والظالمين إلا بعد إلقاء الحجة عليهم: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا[1])، (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ[2]).
وستر القيد الموجود في الآية التي هي مورد البحث والمتمثل بقوله: (مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ) هو احتمال عدم وصول الحجج والآيات الإلهية إلى بعض الأشخاص نتيجة ضعفهم العلمي، أو نتيجة سهوهم أو غفلتهم أو نسيانهم رغم بلوغهم العلمي فيكونون غير متذكرين للحجج والآيات الإلهية من الناحية الفعلية؛ بمعنى افتقارهم إلى البلوغ الذكري، فجميع هؤلاء لن يبتليهم الله بالعقاب الشديد.
إذن، يكون معنى الآية أن الشخص المتصف بالبلوغ العلمي والبلوغ الذكري معاً، وقد وصلته الحجّة والآية الإلهية، وهو متذكر للنعمة الإلهية فعلاً لكنه يتعمد مقابلة ذلك بالجحود والكفران بدلاً من شكر النعمة الإلهية؛ فهذا هو الذي يبتليه الله بالعقاب الشديد، الأمر الذي أشارت إليه الآيات السابقة أيضاً حيث ورد الوعيد الضمني فيها مترتباً على الزلل بعد مجيء البينة: (فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[3]).
إن السر في ما تضمنته بعض الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام من أن الله يعفو عن سبعين ذنباً من ذنوب الجاهل قبل أن يعفو عن ذنب واحد يرتكبه العالم[4] هو أن خطأ وذنب العالم إنّما يصدر مع توفر العلم والبينة، وعلى هذا الأساس يستند التقبيح واللعن الإلهي النازل على علماء دين أهل الكتاب الذين يجدون علائم رسالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في كتابهم لكنهم يكتمونها: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ[5]).
وقد نبه القرآن المسلمين ودعاهم إلى قطع الأمل عن محر في الكتاب الإلهي قائلاً لهم إنكم تطمعون بأن يؤمن هؤلاء بكتابكم الإلهي في حين أنهم قد سمعوا كلام الله وفهموه لكنهم حرّفوه، ولم يفعلوا ذلك من باب السهو أو النسيان أو التفسير الخاطئ: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[6]).
وخلاصة الكلام أنّ الله لن يعذب أحداً إلا بعد إيصال الحجة الإلهية الواضحة إليه، أما إذا تعمد تبديل النعمة بعد وصول الحجة وحصول البلوغ العلمي والذكري، فهنا يكون العقاب دون إمهال.
العقاب غير القابل للتحمل: قد يتصف العقاب حينا بالشدة والألم وقد يوصف المعاقب أحيانا بأنه ذو عقاب شديد والآية التي هي مورد البحث من الصنف الثاني وعلى أي حال فمثل هذا العقاب ليس قابلا للتحمل والتصريح بالاسم الظاهر (الله) مع امكانية الارجاع بالضمير يتضمن في طياته وصفا وصفا مخوفا لعقابه الشديد.
[1] سورة الإسراء، الآية 15 .
[2] سورة الأنفال، الآية 42 .
[3] سورة البقرة، الآية 209
[5] سورة البقرة، الآية 89.
[6] سورة البقرة، الآية 75