(نِعْمَتَ اللَّهِ) في هذه الآية هي عنوان عام يشمل الآيات والمعجزات كما يشمل سائر النعم الإلهية، وذلك لصيانة (الكلّية الكبرى). والنعمة كما تكون مادية؛ كالماء والهواء والنور والنباتات والثمار التي أعطيت لبني إسرائيل[1]، تكون معنوية أيضاً كالولاية والاتحاد والأخوة التي أشار القرآن الكريم إليها بعبارة (نعمة[2]).
ولا شك في أنّ نعمة الولاية نعمةٌ مطلقة تعلو على ما عداها من بقية النعم، في حين يكون غيرها من سائر النعم محدوداً ومقيداً.
ويجدر الانتباه إلى أن المقصود من النعمة أحياناً هي بركة خاصة غير الولاية، في حين يكون المقصود منها حيناً آخر هو مطلق البركة من ولاية وغيرها؛ ولكن الكلام متى ما كان عن النعمة بصورة مطلقة فالمراد منه هو نعمة الولاية، نظير: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي[3]).
وربما كان الهدف من التكرار والتصريح بالنعمة الإلهية هو انسجام هذه الآية وتناغمها مع باقي الآيات؛ لأنّ الآيات السابقة دعت عموم المؤمنين إلى الاتحاد والطاعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً[4])، كما أن آيات سورة آل عمران عدّت الاتحاد والتآخي من النعم الإلهية: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا[5])، وهكذا تكون الآية التي هي مورد البحث بمنزلة (كبرى) لهاتين الآيتين، بمعنى أن الاتحاد والتآخي والطاعة العامة هي نعم إلهية، وكل من غير النعمة الإلهية واستبدلها بالاختلاف والتفرقة، فلا ينتظر غير العقاب الإلهي.
إن الوحدة والإخاء والطاعة الشاملة لا يمكن تحقيقها إلا عند تحقق الإيمان بالله ؛ فلا يجلب الوحدة سوى المبدأ الواحد، وإلا فالمبادئ المتعدّدة تنتج الكثرة والتفرقة. وكلّ شيء ما عدا الله كثير، والواحد الذاتي الوحيد هو الله. ولا يمكن للكثير الذاتي أن يكون سبباً للوحدة؛ لأنّ كلّ مبدأ يسحب أتباعه تجاه نفسه، ومن هنا اعتبر الله سبحانه تحقق الاتحاد والتآخي في ظلال الإيمان بالله الواحد انتقاد العام بأصول الدين وفروعه (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، بمعنى أنّ الوقاية من الهلكة مرهونة بالاعتصام العام والشامل بالقرآن والعترة وأصول الدين وفروعه، لا في امتثال أفراد الناس بأصول الدين وفروعه بصورة مستقلة.
والاعتقاد وتوضيح ذلك أن الالتفات إلى قيد (جَمِيعًا) من جهة، وقيد (وَلَا تَفَرَّقُوا) من جهة أخرى يفيد أنّ الاعتصام بدين الله يشبه صلاة الجماعة التي تحكمها أحكامه الخاصة، بحيث لو صلّى جميع أهل المسجد مثلاً ولكن كانت صلاة كل واحد منهم بصورة مستقلة، فرغم أداء جميعهم للصلاة إلا أن صلاتهم ليست صلاة الجماعة. فالتقيد بالنظام والانسجام مع الآخرين من جهة التقدم والتأخر، واتباع إمام عادل واحد، ورص الصفوف، والامتناع عن التقدم على الإمام العادل و... كل ذلك من آثار و بركات صلاة الجماعة التي لا يمكن توفّرها في الصلاة الفردية. وهكذا يجب أن يكون تدين الأمة الإسلامية بصورة جمعية لا فرادى.
تنبيه: إذا افتقد الناس التوحيد، صار هوى كلّ إنسان إلهاً له. وفي هذه الحالة لا يصح افتراض وجود الهدف المشترك والمصلحة والمنفعة والتفكير والآمال المشتركة وأمثالها؛ لأن الأهواء المتعدّدة والميول المتنوعة لا بد من أن تأتي معها بالأهداف والمصالح والمنافع والأفكار والآمال المختلفة، لا الواحدة ولا المشتركة.
[1] سورة البقرة، الآيتان 57 و 61 .
[2] سورة المائدة الآية 3 سورة آل عمران الآية 103 .
[3] سورة المائدة، الآية 3.
[4] سورة البقرة، الآية 208.
[5] سورة آل عمران الآية 103 .