يكون الصيام بحسب وسع أغلب المكلفين بينما يكون لآخرين بمقدار طاقتهم فأحيانا يطلب من الشخص بذل كل جهده وطاقته ليصوم ويسمى مثل هذا الشخص (مطيق) ويقابله (الموسع) الذي لا يكلف بالصيام بل يؤديه بقدر ما لديه من وسع بل ليس بوسعه أن يقوم بأكثر من ذلك.
وجملة (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) هي بيان للترخيص، ومعنى ذلك أن الصيام غير واجب على الرجل أو المرأة المسنين، بل هو جائز. فالمسن الذي يستطيع الصوم، لكنه قد يقع في مشقة المشقة التي يواجهها الاشخاص الاخرون بإمكانه دفع الكفارة بدلا من الصيام وبعبارة أخرى يجب الصيام وجوبا تخييريا على من لا يستطيع الصيام إلا باستخدام كل جهده وطاقته أفضل فردي الواجب ولا يجوز ترك ذلك لا الى بدل (أي دون دفع الكفارة).
وقوله تعالى: (يُطِيقُونَهُۥ) بدلا من (يطيقهم) معناه أن الصوم ليس شاقا عليهم لكنهم لا يستطيون الصيام وكما يقال فإن الضعف من العامل مع أن العمل ليس شاقا جدا.
وأما الذين لا يقدرون على الصيام بل قد يتسبب لهم ذلك ببعض المشقة ككبار السن وأولئك المبتلين بمرض العطاش فوفقا للأحاديث الفقهية فإن مثل هؤلاء غير مكلفين بالصيام كما أنه لا يجب عليهم قضاؤه وكل ما عليهم هو دفع الكفارة وهي اطعام المسكين[1].
وعلى المطيق أن يدفع فدية مالية وهو واجب تخييري: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) كما أن قضاء الصوم واجب على المسافر والمريض.
وقال بعضهم: قول الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) قال: الذين كانوا يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عُطاش أو شبه ذلك، فعليهم بكل يوم مُدّ، وأنّه من مرض في شهر رمضان فافطر، ثُمّ صحّ فلم يَقض ما فاته حتّىٰ جاء شهر آخر، فعليه أن يقضي ويتصدّق عن كل يوم بِمُدّ من الطعام[2].
وقال آخرون في معنىٰ قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) فالذين يطيقون الصيام وأفطروا دون أي عذر فكفارتهم فدية طعام مسكين وقد نسخ هذا الحكم في غير كبار السن[3]، لكن يبقى معنى الاية ما ذكرناه سابقا ولم يتم نسخها اطلاقا. ويتبين لنا هنا ضعف وخطأ بعض الاحتمالات التي أوردها صاحب تفسير الكشاف فيما يتعلق بقوله تعالى: (يُطِيقُونَهُ) وأما الاحتمالات الثلاثة المذكورة في ذلك التفسير فهي:
- من كان يطيق الصيام فهو مخير بين الصوم والكفارة حيث كان هذا الحكم موجودا في صدر الاسلام ثم نسخ بقوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[4]).
- أن ذلك يتعلق بالمسنين المخيرين وقد تم نسخه بقوله تعالى: (وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) وقوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[5]).
- إن الحكم يخص كبار السن العاجزين ولم ينسخ بتاتا[6].
هذا ويشمل الخطاب في قوله تعالى (وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) الجميع لكن القدر المتيقن من ذلك هو المجموعة الاخيرة أي أن الصيام أفضل من الكفارة لمن يطيقونه ولا ريب في أن هذا التعبير أقوى من قولهم: الصوم جنة من النار[7]، لأن الحكم في هذه الاية يمثل مصدر الموضوع بينما هو فعل المكلف[8] في الاية نكتة في الفعل المضارع حيث لا نرى ذلك في المصدر لوجود شيء من الاسناد الى الفاعل في الفعل المؤول بالمصدر حيث يوصل الخبر الذي هو عنوان الخير الى الفاعل وهو الصائم بينما لا نرى ذلك إطلاقا في المصدر الصرف.
[1] وسائل الشيعة: 10 / 209 - 213. قال الحر العاملي في وسائل الشيعة عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يقطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، ولا قضاء عليها، فإن لم يقدرا فلا شيء عليها .
[2] تفسير كنز الدقائق: 1 / 428 ؛ مجمع البيان: 1 - 2 / 494 .
[3] تفسير الكشاف: 1 / 226 .
[6] كشف الأسرار 1/ 486-487
[8] (وَأَن تَصُومُوا) أي (صومكم )