يفهم من هذا التهديد أنّ ممزّقي الصفوف يجب ألا ينتظروا غير العذاب الإلهي، فإذا صدر الأمر الإلهي ظهرت علائم ذلك العذاب متمثلة بالغيوم الثقيلة المتراكمة في السماء التي تقضي على حياتهم، أو يتمثل بنزول الملائكة المكلفين بتعذيبهم وإبادتهم: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
والغيوم المتراكمة والملائكة - حالها كحال بقيّة الموجودات الإمكانية - تندرجان ضمن جنود الله ورجاله الذي يجازون الظالمين بأمره. ولا فرق من هذه الناحية بين أن يكون انتظار هذه الفئة للعذاب الدنيوي أو العذاب البرزخي أو القيامي. فرغم أن ذيل الآية يشير إلى القيامة: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، إِلَّا أَنَّ صدرها يمكن تطبيقه على العذاب الدنيوي أيضاً؛ لأنّ الشواهد التاريخية والقرآنية تؤيد وقوع مثل هذا العذاب في الدنيا كما في الآخرة. وهذه الأدلة تندرج ضمن مجموعتين:
1. الآيات التي تشير إلى قصد العذاب الأخروي من انتظار العذاب، سواء كان ذلك بصيغة الانتظار أم بدونه ولكن في مساقه. مثل: أ. (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ[1]).
فما على الكافرين إلا انتظار تأويل القرآن وتأويل القرآن (وجوده الحقيقي والخارجي) إنما يظهر في القيامة، والقيامة ظرف ظهور حقائق القرآن؛ إذن فهذه الآية تتحدث. عن عذاب يوم القيامة.
و(التأويل) يقابل (التفسير)، و(التفسير) قد يكون أحياناً بالظاهر، وقد يكون بالباطن، وكلا القسمين في محور الألفاظ والمفاهيم، ولكن التأويل لا صلة له بالألفاظ والمفاهيم، بل يهتم بالعينية والوجود الخارجي، لأن (التأويل) مشتق من (الأول) بمعنى عودة المفهوم إلى المصداق الخارجي، وإن كان (التأويل) قد يطلق أحياناً على تطبيق المفهوم على مصداق خاص أو توجيه مفهومي غير ظاهر.
ب. (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا[2]).
يشير الله سبحانه في هاتين الآيتين إلى تشقق السماء وصيرورتها قطعة قطعة بواسطة الغيوم ونزول الملائكة، مطبقاً ذلك على حالة يوم القيامة.
والذي يجب الالتفات إليه أنّ السلطنة في الدنيا أيضاً هي الله الرحمن فقط؛ لأنه هو (الملك المطلق)، إلّا أنّ الغافلين لا يرون ذلك إلا يوم القيامة فقط، في حين أن أهل المعرفة يشاهدون السلطنة الإلهية في الدنيا أيضاً؛ وفي هذه المعرفة يكمن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن والعارف وغير العارف. إذن، فالقيامة هي ظرف ظهور السلطنة الإلهية لا ظرف حدوثها. وهناك آيات أُخرى أيضاً تطبق مثل هذا العذاب على العذاب الأخروي[3].
والآية (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ[4]) أيضاً يمكن أن يكون المقصود فيها على العموم هو عذاب البرزخ أو القيامة لا عذاب الدنيا، وذلك بقرينة الإشارة إلى عدم فائدة إظهار الإيمان عند حلول العذاب الإلهي وانتهاء نشأة التكليف.
وعلى الرغم من أن لحظة الاحتضار التي تنقطع فيها جميع المجاري الإدراكية والتحريكية للمحتضر ويكون فيها على وشك الدخول في البرزخ ليس حكمها حكم الدنيا؛ إلا أن هذه المجاري تبقى فاعلة في بعض الأحيان، لكن رعب تلك اللحظة يجلب معه حكم الاضطرار الذي ينتفي معه نفع الإيمان.
وبناء على ما ذكرناه فلا يمكن عدّ هذه الآية ضمن المجموعة الأولى حتماً. كما نقل أمين الإسلام الطبرسي له أيضاً نزول الملائكة لقبض الروح والعذاب الدنيوي كالخسف وعذاب القبر، وشرح مسألة العذاب العاجل والآجل وعذاب المعاد[5].
2. الآيات التي يكون العذاب الدنيوي هو المقصود فيها من انتظار العذاب، مثل: أ. (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [6]).
إن على هذه الفئة الظالمة ألا تتوقع سوى المصير الأسود للأقوام السابقة. فيا رسول الله؛ قل لهؤلاء: كما أحاط العذاب الأليم بالأمم السابقة وقضى عليهم، فأنتم أيضاً ستكون عاقبتكم مثل عاقبتهم، فانتظروا اليوم الذي سننهي فيه حياتكم، وعند ذلك سنتكفّل نحن بنجاة الأنبياء والمؤمنين من ذلك المصير المحتوم.
والظاهر أنّ المقصود بهذه الآية هو العذاب الدنيوي لا الأُخروي؛ لأنّ التهديد فيها بالعذاب الدنيوي الذي نزل على الأقوام السابقة.
ب. (وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [7]).
كذب قوم شعيب (أصحاب الأيكة) الذين كانوا يعيشون في (مدين) نبيهم، وطلبوا منه أن يطلب من ربه أن يُسقط عليهم السماء إذا كان صادقاً في دعواه بالنبوة، وهكذا صب الله عليهم عذاب (يوم الظلة).
وكانت صورة هذا العذاب هي أن الله سلّط عليهم الحرارة الشديدة التي جعلتهم ذاهلين، ثم ظهرت الغيوم في السماء، فتسابقوا للاستفادة من هذه الفرصة فأسرعوا خارجين من بيوتهم ليحتموا بظلال تلك السحب، فلم يشعروا إلّا والرياح المحرقة تهب من جهة هذه الغيوم وتنهي حياتهم[8].
وقد كانت هذه الواقعة التاريخية من الأهمية بمكان حتى أطلق القرآن الكريم عليها تسمية (اليوم العظيم).
ج. (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا[9]).
إن هؤلاء يتصرفون بطريقة استكبارية، فيحيكون الدسائس ويضعون الخطط الشريرة؛ إلا أن عليهم أن يعلموا أن مؤامراتهم تلك لن تضر أحداً غيرهم، ولن ينتظرهم إلا سنة من سبقهم، أي انتظار سنة الله المتمثلة بالعذاب الذي أنزله على أسلافهم في العصور الغابرة.
وهذه الأدلة التاريخية والقرآنية تشير إلى أنّ الآية التي هي مورد البحث يمكن تطبيقها على عذاب الدنيا، مثلما يمكن أن يكون المقصود فيها هو عذاب الآخرة.
[1] سورة الأعراف، الآية 53 .
[2] سورة الفرقان، الآيتان 25 و 26.
[3] سورة يس، الآية 49؛ سورة ص، الآيات 14 - 16
[4] سورة الأنعام، الآية 158 .
[5] مجمع البیان، ج 3 - 4، ص 598 - 599 .
[6] سورة يونس الآية 102 .
[7] سورة الشعراء، الآيات 186 - 189.
[8] راجع مجمع البیان، ج 3 - 4، ص 4693 ج 7 - 8، ص 317
[9] سورة فاطر، الآية 43 .