يتمثل العنصر المحوري في الآية التي هي مورد البحث في النقاط التالية:
أولاً: هل إنّ تفسير الآية يحتاج إلى التوجيه والتأويل، أم لا؟
ثانياً: إذا لم يكن محتاجاً إلى التوجيه، فما هو السبب في ذلك؟
ثالثاً: إذا كان محتاجاً إلى التوجيه؛ فكيف يكون ذلك التوجيه؟
المطلب الأول: يعتقد جماعة من المفسّرين عدم حاجة الآية التي هي مورد البحث إلى التوجيه والتأويل، لكنّهم يختلفون في سبب عدم الاحتياج هذا.
وبعضهم - كالفخر الرازي - ذكر وجوهاً سبعة لها واختار واحداً منها معتبراً إياه أظهرها وأوضحها، وهو الوجه القائل بأن المخاطب الأصلي للآية السابقة هم اليهود[1]؛ لأنهم هم الذين قيل لهم: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ)، وهم الذين حذروا: (زَلَلْتُم) فيكون ضمير الجمع في (يَنظُرُونَ) عائداً إليهم؛ خصوصاً وأنّ اليهود كانوا من أهل التشبيه الذين يتوهمون أن موسى الكليم عليه السلام قد شاهد الله في ظلل السحاب، وطلبوا نفس الشيء من موسى حيث قالوا له: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً[2])، (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً[3])، كما أنهم هم الذين طلبوا في عهد خاتم الأنبياء ﷺ نفس الطلب من تلك الذات المقدسة ﷺ، كما ذكر القرآن الكريم هذا الاعتقاد الباطل لتلك الفئة الضالة، أي اليهود؛ فلا حاجة إلى أي نوع من التوجيه والتأويل بعد ذلك.
أما أبو حيان الأندلسي فبعد نقله لهذا القول ذكر أن الآية التالية - وهي آية (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ...( - هي الدليل على هذا الوجه المنقول[4]؛ وإن لم يختاره هو نفسه.
وقد ذكر الفخر الرازي هذا المطلب الذي وصفه بأظهر الوجوه وأوضحها ضمن استعراضه لسبعة أوجه متداخلة في حين أنّ فنّ الصنعة كان يقتضي أن يذكر هذا الوجه - وهو عدم احتياج الآية إلى التوجيه - مستقلا استقلالاً تاماً عن الوجوه الستة الأخرى التي تشترك جميعها في اقتراح التوجيهات للآية.
وقد ورد نفس هذا المطلب، أي عدم احتياج الآية إلى التوجيه بسبب أن المقصود من المنتظرين فيها هم اليهود في تفسير أبو الفتوح أيضاً، إلا أنه لم يقل مقالة الفخر الرازي عن أوضحيّة هذا التوجيه وأفضليته، بل باعتباره أحد التوجيهات المحتملة، وبمعنى التهكم، خصوصاً مع استعانته بمثال الخواجة والخادم الذي ذكره في كتاب روض الجنان[5].
كما تطرق ابن عربي في تفسيره أيضاً إلى ذلك وقال: إن الله قد ذكر ما كان يعتقده هؤلاء من دون أن يجرح تلك العقيدة أو يؤيدها أو ينكرها أو يمدحها[6].
إن قسماً كبيراً من أهل التفسير يعتقدون أن الانتظار الباطل وغير المبرر لرؤية الله إنما هو صفة؛ إما للمشركين الذين ورد في حقهم: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا[7])، أو اليهود الذين خاطبهم القرآن فقال (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً[8])؛ وليس المراد بالآية التي هي مورد البحث أي واحد من هاتين الفئتين. ونتيجة هذا هي أنّ هذه الآية ليست في صدد حكاية معتقد الآخرين؛ لكنها مع ذلك ليست بحاجة إلى التوجيه؛ لأنّ وصف (الإتيان) إذا جردناه من قيوده المادية والإمكانية - التي هي من خصوصيات المصداق، دون أخذها في المفهوم - أمكن إسناده إلى الله سبحانه. وذات الخالق المقدسة لها إطلاق ذاتي في جميع الأحوال، حتّى في حالة إسناد أمثال هذه الأوصاف والأفعال، بل هي منزهة حتى عن قيد الإطلاق.
ويمكن العثور على هذا المعنى بعباراتٍ مختلفة في تفسير بيان السعادة[9]، روح المعاني[10]، الميزان[11] وغيرها.
ذات الموضوع. ويجب الالتفات إلى أن كل قضيّة حملية يكون الموضوع والمحمول فيها متحدين بعضهما مع البعض الآخر، والكفيل بتعيين محور الاتحاد هو المحمول لا الموضوع. فالمحمول إذا كان جنساً أو فصل موضوع، كان مدار الاتحاد بينهما هو. أما إذا كان وصفاً فهما متحدان في مرحلة الوصف، وإذا كان فعلاً فمحور الاتحاد خارج عن مقام الذات وعن مرتبة الوصف بل في خصوص مدار فعل الموضوع.
وفي محل البحث ربما كان الفعل الواجب ممكناً لا واجباً، والمحمولات التي لها صبغة إمكانية ومن سنخ الكمال لا النقص - يمكن حملها في منطقة الفراغ على الواجب، فتتحد معه في مرتبة الإمكان أي مقام الفعل، وبذلك تنتفي الحاجة إلى التوجيه.
المطلب الثاني: رغم أن بعضاً قليلاً من المفسّرين اعتبروا أن المخاطب في هذه الآية هم غير المشركين وغير اليهود، وفهموا من الآية تهديدها الضمني، فأفتوا بعدم احتياج الآية إلى التوجيه؛ إلّا أنّ العديد منهم سعوا لتوجيه الآية وذلك من خلال التصرف في معنى الإتيان، أو في إسناده إلى الله، أو في تقدير المضاف، أو حذف المفعول وغير ذلك[12].
كما يجب الالتفات هنا إلى أن الحرف (هل) قد ورد بمعنى النفي وليس بمعنى الاستفهام المعهود؛ بل هو استفهام إنكاري يتضمن معنى النفي وقد نقض بكلمة (إلّا)، وخلاصة ذلك إفادته التهديد الضمني للمخالفين[13].
واحتمل بعض المفسّرين[14] أنّ الاستفهام الإنكاري الوارد في بداية الآية يشمل جميع المطالب لا خصوص الانتظار، وعند ذلك يكون تفسير الآية هكذا: إن هذه الجماعة لا تنتظر إلّا أمراً محالاً، وهو إما مشاهدة مجيء الله في الغيوم المتراكمة، وهو ما طلبوه أيضاً من النبي موسى عليه السلام أيضاً، أو أن تأتي الملائكة إليهم كما تأتي الأجسام المادية وتأمرهم وتنهاهم، وهذا من المستحيلات.
ولا بد من التذكير أولاً أن هذا التفسير - كما يعتقد أغلب المفسرين - لا يتناسب مع سياق الآيات التي هي مورد البحث؛ لأن هذه الآيات تصف حال المؤمنين، ولم يتحدّث الله مع المؤمنين في القرآن بهذه اللغة أبداً.
وثانياً أن تفسير الآية إذا كان بهذا الشكل لردّ الله عليه بعد نقله حتماً؛ إذ إنّ دأب الله وأسلوبه في القرآن الكريم أنه كلّما ذكر أفكار الكافرين والمشركين الباطلة، بين خَطَلها فوراً وردّ عليها[15]، مثل: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا[16])، (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ[17]).
[1] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 216.
[2] سورة النساء، الآية 153.
[3] سورة البقرة، الآية 55
[4] تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 133 .
[5] روض الجنان، ج 3، ص 168 - 169.
[6] رحمة من الرحمن، ج 1، ص 304.
[7] سورة الفرقان، الآية 21 .
[8] سورة البقرة، الآية 55
[9] بيان السعادة، ج 1، ص 189.
[10] روح المعاني، ج 2، ص 148 .
[11] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 103 .
[12] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 538 ؛ الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 253؛ الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج 3، ص 25 - 26 .
[13] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 538 .
[14] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 233 - 234 .
[15] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 105 .
[16] سورة الفرقان، الآية 21.
[17] سورة الأنبياء، الآية 26 .