0

بمختلف الألوان
من منا يجازف بإنكار حقيقة أن أغلب أدوات التقدم العلمي والتكنلوجيا الحديثة جاءت لخدمة المجتمعات البشرية ؟ حيثُ قصّرت الوقت وقلّلت الجهد ومحت المسافات، فأصبح العسير سهلاً يسير المنال.. ولكن- وكما هو معلوم- ان كل شيء متى ما زاد عن حده انقلب ضده ! فالإفراط باستخدام التقنية وبشكل عشوائي وغير منضبط،... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
دعابة ليست عابرة

منذ 13 دقيقة
في 2026/11/08م
عدد المشاهدات :11
حكاية امرأةٍ قتلتها دعابة، وأرعبت ضحكتها ديكتاتوراً.
لم تكن راجحة خضير تحمل بندقية، ولم تكن تخبئ منشوراً معارضاً تحت وسادتها، ولم تكن من أولئك الذين يطاردون السلطة في بياناتهم وخطبهم ومظاهراتهم. كانت امرأةً تشبه يومها العادي؛ تذهب إلى عملها، تجلس أمام الميكروفون، ترتب أوراقها، وتطل على الناس بوجهٍ مألوف وصوتٍ ألفته البيوت العراقية. لم تكن تعرف أن صوتها الذي طالما عبر الأثير آمناً، سيصبح ذات يوم دليلاً في محاكمة لم تعرف فيها اسم القاضي، ولا التهمة، ولا حتى مكان انعقادها.
كان ذلك في عام 1986، حين كان العراق يعيش تحت ظلال سلطةٍ لا تكتفي بأن تحكم الأجساد، بل تريد أن تستعمر الأفكار، وتفتش في النوايا، وتراقب حتى المسافة الفاصلة بين الكلمة والابتسامة. كان الخوف يومئذٍ جزءاً من أثاث البيوت، والحيطة ضيفاً دائماً على المجالس، وكانت الجدران، كما يقول العراقيون، لا تكتفي بسماع الأحاديث، بل تحفظها جيداً، ثم تنتظر الوقت المناسب لتشهد بها على أصحابها.
في مبنى الإذاعة والتلفزيون، حيث الكلمات موزونة بميزان الولاء، والأصوات تمر قبل وصولها إلى الناس عبر بوابات الرضا الأمني، كانت راجحة خضير تؤدي عملها كعادتها. وفي لحظة عابرة، كانت أغنية تمجّد الرئيس تتردد في الأثير، وتنساب من مكبرات الصوت كلماتها المعروفة: «غالي صدام غالي».
ربما ابتسمت راجحة، وربما لم يخطر ببالها أن تلك اللحظة العابرة ستفتح باباً لا يُغلق. قالت بعفوية ساخرة، وبخفة ظل امرأة لم تكن تتخيل أن المزاح قد يتحول إلى جريمة: ما دام غالي... ليش ما يسعّره؟
يا لها من جملة!
لم تكن بياناً سياسياً، ولا هتافاً في ساحة عامة، ولا قصيدة هجاء، بل نكتة عراقية قصيرة، من ذلك النوع الذي يولد في المجالس الشعبية، ويطير على أجنحة الضحك، ثم يموت بانتهاء اللحظة.
لكنها لم تمت.
ففي البلاد التي يُراد فيها للناس أن يصفقوا دون أن يفكروا، ويبتسموا دون أن يسألوا، ويهتفوا دون أن يفهموا، تصبح النكتة أخطر من منشور، والضحكة أجرأ من مظاهرة، والسخرية طعنةً في خاصرة الهيبة المصطنعة.
لم تحتج الحكاية إلى وقت طويل حتى تصل إلى آذان الأجهزة الأمنية. زميلةٌ نقلت ما قيل، فانتقلت الكلمات من فضاء المزاح إلى ملف الاتهام، ومن أروقة المؤسسة الإعلامية إلى دهاليز لا تدخلها الشمس.
وفي لحظةٍ لم تكن مستعدة لها، اقتيدت راجحة خضير إلى جهة مجهولة.
لا وداع، لا تفسير، لا محاكمة معلنة، ولا فرصة لتقول إن ما حدث لم يكن سوى دعابة. اختفت المرأة التي كان الناس يرون وجهها على الشاشة، وغابت عن بيتها وزوجها وابنها الصغير، كأن الأرض ابتلعتها، وكأن الدولة التي كانت تمنحها الميكروفون قررت أن تنتزع منها حق الكلام والحياة معاً.
في البيت، كان الفنان الراحل عبد الجبار كاظم يفتش عن زوجته في كل مكان. يسأل هنا، ويراجع هناك، ويطرق أبواباً لا تجيب، ويعود كل مساء مثقلاً بخيبة جديدة. كانت رحلة البحث أقسى من أن تُروى؛ لأن الإنسان حين يفقد عزيزاً ولا يعرف أين اختفى، لا يفقده مرة واحدة، بل يفقده في كل دقيقة، وفي كل باب يُغلق في وجهه، وفي كل هاتف لا يحمل خبراً.
أما الطفل الصغير، فكان له سؤال لا يعرف من العالم إلا بساطته:
ـ أبي، أين أمي؟
وكان الأب، الذي اعتاد أن يحمل همومه بصمت، يبتلع غصته ويصنع من الحزن كذبةً صغيرة، لعلها تحمي قلب طفله:
ـ أمك في رحلة عمل يا بني، وستعود قريباً.
يا لقسوة هذه العبارة!
أيُّ رحلة عمل تلك التي تغيب فيها الأم شهرين؟ وأيُّ عملٍ يأخذ المرأة من بيتها، ويترك طفلها يعد الأيام على أصابعه؟ وكيف يمكن لأبٍ أن يقنع طفلاً بأن الغياب المؤلم مجرد سفر، وهو نفسه لا يعرف إن كانت زوجته ستعود أم أن الأبواب التي ابتلعتها لن تفتح أبداً؟
كان الطفل ينتظر عودة أمه، وكان الأب ينتظر خبراً، وكانت راجحة، في مكان لا يعرفه أحد، تواجه مصيراً لا يجرؤ أحد على السؤال عنه.
ومضى الشهران ثقيلين، حتى عادت راجحة.
لكنها لم تعد تلك المرأة التي غادرت بيتها.
عادت بجسدٍ أنهكه العذاب، وبملامح أطفأ الألم بريقها، وبشعرٍ تساقط حتى بدا كأن يد الموت قد مرّت على رأسها قبل أن تصل إلى عتبة منزلها. لم تعد الشاشة التي عرفها الناس قادرة على إخفاء ما جرى خلفها، ولم يعد الصوت الذي كان يملأ الأثير قادراً على رواية الحكاية.
كانت قد خرجت من المعتقل، لكن المعتقل لم يخرج منها.
خرجت بعد تعرّضها للتسميم بمادة الثاليوم، خرجت بجسد كان يحمل آثار جريمة لم يُرَد لها أن تُرى بوصفها جريمة، لم يكن الإفراج نهاية المحنة، بل كان فصلاً آخر من فصولها؛ فصلٌ تُترك فيه الضحية لتواجه الموت بعيداً عن القضبان، وكأن الجلاد يريد أن ينجو من جريمته حتى في اللحظة التي يرحل فيها ضحيته.
وبعد أربعين يوماً فقط من خروجها، أسلمت راجحة خضير روحها.
أربعون يوماً!
ما أقصرها من مدة، وما أثقلها من عمر. أربعون يوماً كانت كافية ليودّع الطفل أمَّه إلى الأبد، وليرى الزوج أحلامه تتساقط أمام عينيه، وليتحول البيت الذي كان ينتظر عودة صاحبته إلى شاهدٍ صامت على غيابها.
رحلت راجحة، وبقي عبد الجبار كاظم يحمل جرحاً لا يندمل، وبقي ابنها يحمل ذاكرة أمٍّ لم يكن الغياب فيها اختياراً، بل مأساةً صنعتها يد الخوف.
أما النكتة، فقد بقيت!
تأملوا المفارقة: امرأة ماتت، وأسرةٌ تكسرت، وطفلٌ حُرم من حضن أمه، وزوجٌ عاش مرارة الفقد؛ وكل ذلك لأن جملةً ساخرة أفلتت من فم مذيعة في لحظة عفوية.
أيُّ نظام هذا الذي يخشى نكتة؟ وأيُّ هيبة تلك التي تحتاج إلى السجون كي تحمي نفسها من ابتسامة؟ وأيُّ زعامةٍ هذه التي لا تطمئن إلى مكانتها إلا إذا صار الناس يخافون حتى من الضحك؟
إن الطغاة لا يخافون الكلمات لأنها تملك السلاح، بل لأنهم يعرفون أن الكلمة قد تكشف عري السلطة حين تتزين بألف قناع. يخافون من السخرية لأنها تنزع عنهم هالة القداسة، وتعيدهم إلى حجمهم البشري، بعد أن أقنعوا أنفسهم بأنهم أكبر من النقد، وأعلى من السؤال، وفوق الحساب.
لقد أرادوا أن يجعلوا من راجحة خضير عبرةً لكل من تسوّل له نفسه أن يضحك في حضرة الخوف، لكنهم لم يدركوا أن المأساة التي أرادوا دفنها ستظل تخرج من ذاكرة الناس، وأن الجريمة التي لا تجد محكمةً تحاسبها قد تجد في الضمير الإنساني محكمةً لا تنتهي جلساتها.
ولعل أكثر ما يوجع في هذه الحكاية ليس موت راجحة وحده، بل تلك الصورة الصغيرة التي ينبغي ألا تغيب عن الذاكرة: طفلٌ يقف عند باب البيت، يترقب عودة أمه، ويسأل أباه كلما طال المساء:
ـ متى تعود أمي؟
ولا يجد الأب جواباً سوى أن يمد يده إلى رأسه، ويمسح عليه، ويقول:
ـ قريباً يا بني... قريباً.
ولم تكن الأم في رحلة عمل.
كانت في رحلةٍ إلى الغياب، ولم تعد.
إن راجحة خضير لم تقتلها نكتة؛ فالضحك لا يقتل أحداً. الذي قتلها عقلٌ لم يحتمل السخرية، وسلطةٌ اعتقدت أن هيبتها أثمن من حياة الإنسان.
وهكذا، في زمن الديكتاتورية، لم تكن الكلمة تحتاج إلى أن تكون ثورية كي تصبح تهمة، ولم يكن صاحبها يحتاج إلى أن يكون معارضاً كي يدفع حياته ثمناً لها.
كانت تكفي ضحكة واحدة...
كي يصبح البيت يتيماً، والطفل بلا أم، والزوج أرمل، والتاريخ شاهداً.
سلامٌ على راجحة خضير، وعلى كل صوتٍ أُسكت لأنه قال ما لا يريد الطغاة سماعه.
وسلامٌ على العراق الذي دفع من أبنائه ثمناً باهظاً، لا لأنهم حملوا السلاح دائماً، بل لأن بعضهم امتلك شجاعة أن يقول نكتة في زمنٍ كان فيه الضحك جريمة.
من ذاكرة الديكتاتورية... حين كان ثمن الابتسامة أغلى من ثمن الحياة.

اعضاء معجبون بهذا

الرابع (د)
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
قصة قصيرة مستوحاة من الواقع العراقي عن طلاب أعدموا لأنهم كتبوا ما لم يحتمل الطغيان قراءته . لم تكن السبورةُ سوداء تماماً في ذلك الصباح؛ كان عليها غبارٌ أبيض، وبقايا معادلةٍ رياضية، وأثرُ قلبٍ صغيرٍ رسمه أحد الطلاب قرب النافذة. وكانت الشمس تتسلّل إلى الصفّ من زجاجٍ مغبرّ، فتوقظ على المقاعد الخشبية... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 6 ايام
2026/11/02
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة واثنان وعشرون: النسبية العامة عند...
منذ اسبوعين
2026/10/26
لا يُعدّ لمس الطفل واحتضانه مجرد تعبير عن الحب والحنان، بل هو تجربة حسية مهمة تؤثر...
منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...