0

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
اغتيال الخوف [ قصة قصيرة ]

منذ 59 دقيقة
في 2026/11/02م
عدد المشاهدات :17
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً جثوماً على الجدرانِ الخرسانية الباردة. لم تكن القسوةُ المحيطةُ بالمكان هي مصدر الرعبِ الوحيد لـ "مريم"، بل كان الخوفُ يملأ أركانَ روحها؛ خوفُ إنسانةٍ رمَت بها الظروفُ القاسيةُ في قاعِ الضعف. كلُّ ما كانت تتطلعُ إليه في تلك البقعةِ الموحشة، هو نزرٌ يسيرٌ من الرحمة، وشعاعٌ ضئيلٌ من الأمانِ تعبرُ به جسرَ الفزع حتى لا تنكسرَ روحُها تماماً.
كانت تطوّقُ ركبتيها بيديها الراجفتين، وتسترقُ النظرَ نحو البابِ الحديدي، تترقبُ بوجلٍ خطواتِ "الحراس"؛ أولئك الذين وُضعوا في هذا المكان لتكونَ وظيفتهم إدارة الأمان وحراسة الحقوق.
وفجأةً، صرّ البابُ الحديديُّ بصوتٍ جاف، ودخل ثلاثةٌ من الحراس. لم تكن في وجوههم أيّ ملامحَ للإنسانية، بل شواهدُ استقواءٍ مقيت بالظروف والمنصب. ثلاثةُ رجالٍ تتطلعُ أعينُهم الباردةُ إلى ضعفها الحساس بانتهازيةٍ بائسة، دون أن يرمشَ لأحدهم جفنٌ أو يطرفَ لهم ضمير.
تراجعت مريم إلى الجدار، وابتلعت غصتها وهي ترفعُ يديها الضعيفتين مسترحمة:
— "رجاءً... ارحموا ضعفي، أنا امرأةٌ لا حيلةَ لي هنا ولا قوة..."
تقدم أحدهم بنظرةٍ خاليةٍ من أي حرمة، وقال بصوتٍ جافٍ يتصاعدُ منه الجبروت:
— "الرحمةُ ليست من اختصاصنا هنا.. أنتِ تحت سلطتنا الكاملة."
لم تكن تلك الفاجعةُ الشنعاءُ التي تناوبَ على ارتكابها أولئك الثلاثة مجردَ اعتداءٍ غاشمٍ على جسدٍ أعزل في لحظةِ انكسار؛ بل كانت جرفاً تاماً لكلّ ما تبقى في كيانها. لقد تجرؤوا، بكلّ صغارٍ وقسوة، على اغتصابِ شعورها بالخوف ذاته، تاركين وراءهم أثراً لا يرممُهُ الزمان.

بعد انقضاءِ تلك الليلةِ المظلمة، سكنَ الخوفُ في جوفها كلياً، وغاضت الدموعُ من عينيها، وحلّ الذهولُ المطبقُ محلّ الفزع.
جلست زميلتها في الحجز تحاولُ مواساتها والهمسَ إليها وهي تمسكُ بيدها الباردة:
— "مريم.. اتكلمي، ابكي، اصرخي.. لا تلتزمي هذا الصمتَ المرعب، الخوفُ يأكلُ قلبكِ!"
نظرت مريمُ إلى الفراغِ بعينينِ مطفأتين، وردت بنبرةٍ جافةٍ خلت من أيِّ نبض:
— "لقد اعتَدوا عليّ، نعم.. لكنهم لم يسلبوني أماني فحسب، بل اغتالوا خوفي أيضاً.. أتعلمين ما معنى أن يعيشَ الإنسانُ بلا خوف؟ إنه كمن يعيشُ بلا نوم، بلا طعام، بلا حركة، وبلا إحساس.. فماذا يتبقى منه بعد ذلك؟ ماذا بعد الخوف غير الدمار الشامل والانكسار الذي لا يُرمّم؟"
صمتت الجدرانُ وغرقَ المكانُ في أسىً صامت. كان أشدُّ ما في الحادثةِ إيلاماً وصدمة، أن من ارتكبوا هذه الجريمةَ بحقِّ امرأةٍ في أوجِ ضعفها، هم ثلاثةُ أفرادٍ وُكِلَت إليهم أمانةُ الحمايةِ ورعايةِ العدالة، لتنقلبَ الفطرةُ والمهمة: كيف يُرتجى الأمانُ إذا كان الحراسُ هم الجناة؟
وظلَّ سؤالُ روحها المنكسرةِ يترددُ في أروقةِ الصمت: أين الحرمة؟ وأين الرحمة؟ لماذا يستصعبُ البعضُ أن يرحموا الإنسانَ في ظروفه القاهرة، بينما يسهلُ عليهم رجمُهُ بالأذى والشقاء مدى الحياة؟

اعضاء معجبون بهذا

قد يكون الفراق قرارنا ياجورجيو!!
بقلم الكاتب : د.أمل الأسدي
في طفولتنا بكينا مع " جورجيو" في الفلم الكارتوني" نيلز" وكم كرهنا قسوة القائد "أكسا" الذي تخلی عن ربيبه، وتنازل عن أبوته تجاه " جورجيو" وكيف حلّق بعيدا مع سربه من دون الاكتراث بوجع "جورجيو" ومن دون الالتفات أو الإصغاء الی نداءاته المتكررة ولهفته! فلم تحركه صرخاته بكلمة: أبي أبي أبي أكسا... وقد اعترض"... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 1 اسبوع
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ 1 اسبوع
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ اسبوعين
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...