0

بمختلف الألوان
كلُّ حادثةٍ مروِّعةٍ تجرُّ عواطفَ الناسِ وتؤثِّرُ فيهم للغاية، بيدَ أنَّ لها وقتاً وأَمَدا ! إلا عاشوراءَ فإنَّها الحادثةُ التي تُنزلُ الدموعَ وتُخِرجُ الآهاتَ من ساعةِ وقوعِها وإلى يومِ القيامةِ ! يا ترى ما السِّرُ في ذلكَ! لم لا تتوقفُ الدموعُ عندَ ذكرِ فاجعةِ كربلاء ! ما علاقةُ الحُسينِ الشهيدِ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ

منذ 18 دقيقة
في 2026/11/06م
عدد المشاهدات :20
بيت القصيد
«فسيحوا في الأرض» مدخلاً إلى رحلة إنسانية واجتماعية، لا إلى السفر المكاني وحده؛ فالسياحة هنا اكتشاف للآخر، وتأمل في الوطن، ومراجعة للذات، وقد امتزجت فيها مشاهد الحياة اليومية بحوارات تحمل أسئلة واقعية عن الغربة والعمل والأسرة والإنسانية.
قصة قصيرة
لم يكن الطريق طويلاً كما تخيّله، لكنّ الغربة كانت تجعل المسافات أطول، والوجوه أكثر غموضاً، والليل أثقل مما تحتمله ذاكرة رجلٍ اعتاد أن يعرف أسماء الشوارع، ويحفظ ملامح العابرين، ويطمئنّ إلى رائحة الخبز المنبعثة من أفران الحيّ كلّ صباح.
حين أغلق حقيبته الصغيرة، التفت إلى زوجته التي كانت تقف عند الباب، تحاول أن تخفي دمعتين تسلّلتا إلى عينيها.
قالت بصوت خفيض:
ـ أحقّاً ستسافر؟
ـ نعم، لعلّ في الأرض متّسعاً لما ضاق به المكان.
ـ وماذا عن البيت؟ وماذا عن الأولاد؟ وماذا عن عمرك الذي مضى هنا؟
ابتسم ابتسامة شاحبة، ثم قال:
ـ البيوت لا تهرب يا امرأة، لكنّ أحلامنا أحياناً تضيق جدرانها. سأذهب لأبحث عن نافذة، لا عن بيت آخر.
لم تجبه. وضعت في حقيبته قميصاً نظيفاً، وعلبة دواء، وبعض التمر، ثم دسّت بين ثيابه صورة العائلة القديمة.
قالت:
ـ خذهم معك، حتى لا تنسى من تكون حين تطول بك الطرقات.
كان اسمه حامداً، رجلاً تجاوز الخمسين بقليل، أمضى نصف عمره يطارد لقمة العيش، والنصف الآخر يطارد ما تبقّى من أحلامه. لم يكن فقيراً بالمعنى الذي تقيسه المصارف، ولا غنياً بالمعنى الذي تتباهى به المجالس؛ كان من أولئك الذين يملكون ما يكفي ليعيشوا، ولا يملكون ما يكفي ليطمئنوا.
خرج من مدينته وفي قلبه سؤال ظلّ يرافقه منذ سنوات:
هل خُلق الإنسان ليبقى حيث وُلد، أم خُلق ليكتشف أن الأرض أوسع من حدود ذاكرته؟
في محطة السفر، جلس إلى جوار شابّ يحمل حقيبة مهترئة، ويحدّق في هاتفه بين الحين والآخر. كان الشاب في العشرين من عمره، تبدو على وجهه علامات تعب لا تليق بسنّه.
بادره حامد:
ـ إلى أين تمضي يا بني؟
ـ إلى حيث أجد عملاً.
ـ وهل تعرف أحداً هناك؟
ـ لا.
ـ وهل تعرف الطريق؟
ـ أعرف أن البقاء هنا لم يعد طريقاً.
ضحك حامد، لكنّ ضحكته سرعان ما انطفأت.
ـ عجيب أمرنا! نغادر بلادنا لأننا لا نجد فيها ما نريد، ثم نحملها معنا في حقائبنا، ونبحث عنها في كلّ مكان.
قال الشاب:
ـ وهل وجدتَ ما تبحث عنه في سفرك؟
نظر حامد من النافذة، وقال:
ـ لم أجد كلّ ما أريد، لكنني وجدت أشياء لم أكن أعرف أنني أحتاج إليها.
كانت المدن تتبدّل أمام عينيه مثل صفحات كتاب لا ينتهي. قرى تتكئ على سفوح الجبال، وحقول تمتدّ حتى تلامس الأفق، وأنهار تشقّ الأرض كأنها عروقها النابضة، ووجوه مختلفة تتشابه في شيء واحد: التعب.
في إحدى المدن، نزل في فندق متواضع، وهناك تعرّف إلى رجل مسنّ يعمل في تنظيف الممرات. كان الرجل يمسح الأرض ببطء، ويتمتم بأغنية قديمة.
سأله حامد:
ـ ألا تتعب من هذا العمل؟
رفع الرجل رأسه، ومسح جبينه بكمّه:
ـ أتعب، لكنّ التعب ليس عيباً يا سيدي، العيب أن نعتاد أن نرى الناس متعبين فلا نشعر بهم.
ـ ومن أين أنت؟
ـ من مدينة بعيدة. جئت قبل عشرين عاماً، ولم أعد إليها إلا مرتين.
ـ ألا تشتاق إليها؟
ابتسم الرجل وقال:
ـ أشتاق إليها كلّ يوم، لكنني تعلّمت أن الحنين لا يُطعم الأطفال.
ثم أضاف وهو يعود إلى ممسحته:
ـ أتدري؟ كنت أظنّ أن السفر يغيّر الإنسان، ثم اكتشفت أن الإنسان هو الذي يكشفه السفر. هناك من يغادر قريته فيكبر قلبه، وهناك من يعبر البحار ولا يتجاوز عتبة أنانيته.
ظلّت العبارة عالقة في ذهن حامد طويلاً.
في صباح اليوم التالي، خرج إلى سوق المدينة. كان السوق يعجّ بالبائعين والحمّالين والنساء والأطفال. روائح التوابل تختلط برائحة الخبز، وأصوات المساومة تتعالى كأنّ الناس يتفاوضون مع الحياة نفسها.
توقّف أمام بائع فاكهة، واشترى بعض البرتقال. وبينما كان يدفع ثمنها، سمع امرأة تخاطب البائع بقلق:
ـ أرجوك، خفّض السعر قليلاً، معي طفلان ولم يبقَ في جيبي إلا هذا المبلغ.
نظر البائع إليها بفتور:
ـ هذه أسعار السوق، وأنا لست مسؤولاً عن ظروفك.
تدخّل حامد ودفع الفرق.
التفتت المرأة إليه بدهشة:
ـ لماذا فعلت ذلك؟
قال:
ـ لأنني رأيت في عينيك شيئاً أعرفه جيداً.
ـ وماذا رأيت؟
ـ رأيت أمي حين كانت تحاول أن تخفي عجزها عنّا.
سكتت المرأة، ثم قالت:
ـ جزاك الله خيراً. نحن غرباء هنا، ولا نعرف أحداً.
أجابها:
ـ كلّنا غرباء يا أختي، حتى الذين يسكنون البيوت التي وُلدوا فيها. الغربة ليست أن تجهل الطريق، بل أن تمرّ بك حاجة إنسان فلا تعرف كيف تمدّ إليه يدك.
مضت الأيام، وبدأ حامد يشعر بأن السفر ليس انتقالاً بين الأمكنة فحسب، بل انتقال بين نسخ الإنسان المختلفة. ففي كلّ مدينة كان يترك شيئاً من غروره، ويتعلّم شيئاً من التواضع. كان يكتشف أن الفقر لا يتكلم لغة واحدة، وأن الدموع لا تحتاج إلى مترجم، وأن الأمّهات في كلّ مكان يخفن على أبنائهن بالطريقة نفسها.
وفي مساء بارد، جلس في مقهى صغير يطلّ على شارع مزدحم. كان إلى جواره شابّ يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع:
ـ لا، لن أعود! ماذا سأفعل هناك؟ لا عمل، لا مستقبل، لا شيء!
أنهى المكالمة بعصبية، ثم وضع رأسه بين يديه.
قال له حامد:
ـ يبدو أن الحديث كان مع شخص يحبّك كثيراً.
ردّ الشاب بحدّة:
ـ وما شأنك؟
ـ لا شأن لي، لكنني سمعتك تقول إنك لن تعود. أردت فقط أن أسألك: هل فكّرت يوماً في أن هناك من ينتظر عودتك أكثر مما ينتظر نجاحك؟
رفع الشاب رأسه، وقال:
ـ أبي يريدني أن أعود لأعمل معه في دكانه القديم! أيريدني أن أدفن شبابي بين الرفوف؟
قال حامد:
ـ وهل الدكان قبر؟
ـ أنت لا تفهم. نحن نريد أن نعيش، لا أن نبقى أسرى حياة آبائنا.
تأمّله حامد، ثم قال:
ـ صدقت، ليس من حقّ الآباء أن يختاروا أبناءهم نيابة عنهم، لكن ليس من الحكمة أيضاً أن نظنّ أن الحياة تبدأ فقط حين نغادر. يا بني، لا تجعل من السفر انتقاماً من واقعك، اجعله بحثاً عن أفقك. فالطريق الذي لا تعرف لماذا تسلكه قد يعيدك إلى المكان نفسه، ولكن بقلبٍ أكثر تعباً.
صمت الشاب طويلاً، ثم سأل:
ـ وهل عدتَ أنت إلى بيتك؟
ابتسم حامد:
ـ لم أعد بعد، لكنني صرت أعرف أن للعودة معنى لا يقلّ جمالاً عن الرحيل.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان يتصفّح هاتفه، وصلته رسالة من ابنته:
«أبي، متى تعود؟ لقد أصلحنا المصباح الذي كان معطّلاً في غرفتك، وأمّي تقول إنّ البيت صار بارداً من دونك».
قرأ الرسالة مرّتين، ثم وضع الهاتف على صدره. لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها فعلت فيه ما لم تفعله آلاف الكيلومترات.
اتصل بها.
ـ ألو، أبي!
ـ نعم يا قطعة من قلبي.
ـ هل اشتريت لنا شيئاً؟
ضحك:
ـ اشتريت لكم أشياء كثيرة، لكنني لا أعرف كيف أحملها.
ـ ماذا اشتريت؟
ـ اشتريت حكايات عن الناس، ووجوهاً لا أعرف أسماءها، وعلّمتني المدن أن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يتركه من أثر في قلوب الآخرين.
ضحكت الصغيرة وقالت:
ـ أبي، لا تنسَ أن تشتري لي دمية!
ـ سأشتري لك دمية، وأشتري لأخيك كتاباً، وأمك سأشتري لها شيئاً لا يباع في الأسواق.
ـ وما هو؟
ـ عودتي.
في طريق العودة، كان حامد ينظر من نافذة الحافلة، وقد تغيّر شيء في داخله. لم تعد الأرض في عينيه مجموعة حدود وجوازات سفر، ولم تعد المدن أسماء على خرائط، بل صارت حكايات بشرية متصلة، لكلّ إنسان فيها جرح يخفيه، وحلم يؤجّله، ونافذة ينتظر أن تُفتح.
تذكّر الرجل الذي ينظّف الفندق، والمرأة التي عجزت عن شراء البرتقال، والشاب الذي أراد أن يهرب من دكان أبيه، وتذكّر نفسه وهو يغادر بيته ظانّاً أن السعادة تسكن في آخر الطريق.
قال في نفسه:
«كم نحن بحاجة إلى أن نسيح في الأرض، لا لنبتعد عن أوطاننا، بل لنقترب من الإنسان! أن نرى كيف يعيش الآخرون، وكيف يفرحون ويحزنون، وكيف يتقاسمون الخبز والخيبة والأمل. فالأرض لا تضيق بأبنائها، إنما تضيق حين تتسع فينا الأنانية، وتتحوّل القلوب إلى حدود لا تسمح لأحد بالعبور».
وحين وصل إلى مدينته، كانت الشمس تميل نحو المغيب. استقبله أولاده عند الباب، ووقفت زوجته خلفهم، تحمل ابتسامة حاولت أن تخفي ما وراءها من عتاب.
احتضن ابنته، ثم وضع حقيبته أرضاً.
قالت زوجته:
ـ هل وجدتَ ما كنت تبحث عنه؟
نظر إليها طويلاً، ثم أجاب:
ـ وجدتُ أنني كنت أبحث عن العالم، والعالم كان يعلّمني كيف أرى بيتي.
ـ وهل ستسافر ثانية؟
ابتسم وقال:
ـ ربما، فالأرض واسعة، والحياة أقصر من أن نقضيها في مكان واحد. لكنني تعلّمت أن نسافر بقلوب مفتوحة، لا بأقدام هاربة.
ثم أخرج من حقيبته دمية ابنته، وكتاباً لابنه، ووشاحاً لزوجته، ووضع الأشياء الثلاثة أمامهم.
قالت الزوجة وهي تلمس الوشاح:
ـ وهل هذا كلّ ما جلبته؟
أجابها:
ـ لا، جلبت شيئاً لا تستطيع الحقيبة حمله.
ـ وما هو؟
ـ يقيناً بأن الإنسان لا يعرف قيمة وطنه حتى يرى أوطان الآخرين، ولا يدرك نعمة بيته حتى ينام في بيوت لا يعرف فيها أحداً، ولا يفهم معنى الرحمة حتى يرى وجع الغرباء عن قرب.
ثم أضاف وهو ينظر إلى أبنائه:
ـ أوصيكم أن لا تخافوا من الأرض، ولا من اختلاف الناس، ولا من الطرق البعيدة. اذهبوا، تعلّموا، اكتشفوا، وافتحوا نوافذ عقولكم على العالم، لكن إياكم أن تفقدوا الطريق إلى قلوبكم.
في تلك الليلة، نام حامد نوماً عميقاً، كأنّه عاد من رحلة أطول من السفر، رحلة إلى نفسه.
وكانت آخر عبارة دوّنها في دفتره قبل أن يطفئ المصباح:
«فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ... فليس المقصود أن نقطع المسافات فحسب، بل أن تتّسع أرواحنا بقدر اتّساعها؛ فربّ رحلةٍ تعلّمنا كيف نعيش، وربّ غريبٍ يعيد إلينا إنسانيتنا، وربّ عودةٍ واحدة تختصر ألف سفر. الأرض كتاب مفتوح، فلا تقرؤوا منه صفحة الوطن وحدها، ولا تنسوا أن أجمل ما نحمله من الرحلات قلبٌ صار أكثر رحمة، وعقلٌ صار أكثر اتّساعاً، وروحٌ لم تعد تخشى الاختلاف».

اعضاء معجبون بهذا

البيت الذي أكل أبناءه
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
قصة قصيرة مؤلمة مستوحاة من حادثة حقيقية في تكريت، حيث تتكئ البيوت على ذاكرة دجلة وتختلط حكايات الناس بأسرار الأزقة القديمة، كان بيت عائلة "فردوس" يبدو للناظرين حصنًا من السعادة. باب واسع، وغرف فسيحة، وأثاث يشي بالترف، وخزائن تحفظ من المال ما يكفي لأن يحلم أصحابها بما وراء الحدود. لم يكن ينقص ذلك... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ اسبوعين
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ اسبوعين
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...