بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا يُعد "خوف الفقر" مهلكاً؟
يُعدّ الفقر أحد أهمّ العوامل المؤدية إلى تدهور الصحة النفسية، فهو سبب ونتيجة في آنٍ واحد. ويمكن أن يُسهم التعرض للفقر، سواء في الطفولة أو البلوغ، في تدهور الصحة النفسية من خلال عوامل مثل الإجهاد المزمن، والوصم الاجتماعي، والتعرض للصدمات النفسية.
في الوقت نفسه، يمكن أن تزيد مشاكل الصحة العقلية من خطر الوقوع في الفقر بسبب فقدان الوظيفة، أو انخفاض القدرة على الكسب، أو انهيار الشبكات الاجتماعية وشبكات الدعم.
في اسكتلندا، يعيش 21% من السكان في فقر نسبي بعد احتساب تكاليف السكن، ويتأثر الأطفال بشكل خاص. وتشير التقديرات إلى أن طفلاً من بين كل أربعة أطفال تقريباً ينشأ في فقر.
كما أن معدلات الانتحار أعلى بثلاث مرات في المناطق الأكثر حرماناً مقارنةً بالمناطق الأقل حرماناً، مما يُظهر وجود صلة واضحة بين الفقر وتدهور الصحة النفسية.
ما هو الأثر النفسي للفقر؟
قد يكون الأثر النفسي للفقر مدمراً. فالضغط المستمر لتوفير الاحتياجات الأساسية كالغذاء والسكن والمعيشة اليومية بشكل عام غالباً ما يؤدي إلى الإجهاد والإنهاك المزمنين.
قد يُشعر هذا الضيق الأفراد بالإرهاق والعجز، وكأنهم عالقون في ظروفهم. فبالإضافة إلى التحديات العاطفية المباشرة، غالباً ما يؤدي الفقر إلى مشاعر اليأس والعجز، مما يُصعّب على الأفراد تصديق إمكانية تحسّن أوضاعهم.
وتقول دراسة منشورة في Journal of Affective Disorders، إن الضغط المالي يرتبط غالباً بالاكتئاب لدى البالغين.
وقد راجعت الدراسة مؤشرات متعددة للضغط المالي، مثل الديون، وصعوبة دفع الفواتير، والحرمان المالي، ووجدت أن معظم الدراسات تشير إلى علاقة إيجابية بين هذه الضغوط وأعراض الاكتئاب.
كما ربطت دراسة منشورة في BMC Public Health القلق المالي بالضيق النفسي لدى البالغين.
ففي حين يستسلم الإنسان لهواجس الفقر، فإنه يتوهم -وعياً أو دون وعي- أن رزقه معزول عن تدبير الله عز وجل، غافلاً عن الحقيقة القرآنية المطلقة: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}. إن هذا الضمان الإلهي لا يقتصر على الإنسان وحده، بل يشمل كل الكائنات، الله يرزقها، يدبر أمرها، ويسوق إليها ما تقوم به حياتها دون أن يشغله رزق كائن عن آخر.
إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق هذه الخلائق ويتركها هملاً، بل وضع لها نظاماً دقيقاً كفيلًا باستمرارها. والإنسان ليس استثناءً أو منسياً في هذا الكون؛ فكما رزق الله جارك سيرزقك.
وحتى ذلك السعي اليومي والذهاب إلى العمل منذ الصباح الباكر، ما هو إلا وسيلة سخرها الله لك، فالقوة والقدرة والفكرة التي تملكها وتجلب بها قوتك هي في الأصل منح وعطايا ربانية.
إن الحقيقة اليقينية هي أن رزق الإنسان ليس بيده، وما يتدفق إليه من نعم ليس نتاج عبقريته المحضة، بل هو صادر عن "مدبر الأمور". وإذا كان الله سبحانه قائمًا على تدبير مليارات البشر، وتريليونات الكائنات الحية في وقت واحد، فهل يُعقل أن يعجز بعد سنوات عن رزقك أنت؟
إن الذي ضمن رزقك وأنت جنين في بطن أمك، في مكان لا يملك فيه بشر القدرة على إطعامك، ووضع لك نظاماً فريداً يصل به الغذاء إليك دون أن تبذل أدنى حركة أو جهد، هو نفسه الحي القيوم القائم على رزقك بعد عشرين وثلاثين سنة وفي كل مستقبل حياتك. لذا، فإن قهر خوف الفقر يبدأ من استعادة هذا اليقين، والوعي بأن التدبير الإلهي محيط بالماضي والحاضر والمستقبل على حد سواء.
قال صاحب الميزان (رض): " الانفاق من أعظم ما يهتم بأمره الإِسلام في أحد ركنيه وهو حقوق الناس وقد توسل إليه بأنحاء التوسل إيجاباً وندباً من طريق الزكاة والخمس والكفارات المالية وأقسام الفدية والانفاقات الواجبة والصدقات المندوبة، ومن طريق الوقف والسكنى والعمرى والوصايا والهبة وغير ذلك.
وإنما يريد بذلك ارتفاع سطح معيشة الطبقة السافلة التي لا تستطيع رفع حوائج الحياة من غير إمداد مالي من غيرهم، ليقرب أفقهم من أُفق أهل النعمة والثروة، ومن جانب آخر قد منع من تظاهر أهل الطبقة العالية بالجمال والزينة في مظاهر الحياة بما لا يقرب من المعروف ولا تناله أيدي النمط الأوسط من الناس، بالنهي عن الإِسراف والتبذير ونحو ذلك.
وكان الغرض من ذلك كله إيجاد حياة نوعية متوسطة متقاربة الأجزاء متشابهة الأبعاض، تحيي ناموس الوحدة والمعاضدة، وتميت الإِرادات المتضادة وأضغان القلوب ومنابت الأحقاد، فإن القرآن يرى أن شأن الدين الحق هو تنظيم الحياة بشؤونها، وترتيبها ترتيباً يتضمن سعادة الإِنسان في العاجل والآجل، ويعيش به الإِنسان في معارف حقة، وأخلاق فاضلة، وعيشة طيبة يتنعم فيها بما أنعم الله عليه من النعم في الدنيا، ويدفع بها عن نفسه المكاره والنوائب ونواقص المادة.
ولا يتم ذلك إلاَّ بالحياة الطيبة النوعية المتشابهة في طيبها وصفائها، ولا يكون ذلك إلاَّ بإصلاح حال النوع برفع حوائجها في الحياة، ولا يكمل ذلك إلاَّ بالجهات المالية والثروة والقنية، والطريق إلى ذلك انفاق الأفراد مما اقتنوه بكد اليمين وعرق الجبين، فإنما المؤمنون إخوة، والأرض لله، والمال ماله.
وهذه حقيقة أثبتت السيرة النبوية على سائرها أفضل التحية صحتها واستقامتها في القرار والنماء والنتيجة في برهة من الزمان وهي زمان حياته عليه السلام ونفوذ أمره.
وهي التي يتأسف عليها ويشكو انحراف مجراها أمير المؤمنين علي عليه السلام إذ يقول: وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاَّ إدباراً، والشر فيه إلاَّ إقبالاً، والشيطان في هلاك الناس إلاَّ طمعاً، فهذا أوان قويت عدته وعمّت مكيدته وأمكنت فريسته، اضرب بطرفك حيث شئت هل تبصر إلاَّ فقيراً يكابد فقراً؟ أو غنياً بدل نعمة الله كفراً؟ أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفراً أو متمرداً كأن باذنه عن سمع المواعظ وقراً؟"1.
ما هو الفخر؟
الفخر هو التباهي وأن يرى الإنسان في نفسه من الصفات ما يجعله أفضل من الآخرين، فيرى لنفسه عليهم درجةً وأنه في مقام أعظم من مقامهم.
والفخر هو أول ما أوقَع إبليس في المعصية، حيث افتخر على آدم إذ كان يرى أنه خلق من نار وآدم خلق من طين والنار أفضل وهذا ما حدثّنا به أمير المؤمنين عليعليه السلام يقول: فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله... فلعمرو الله لقد فخر على أصلكم، ووقع في حسبكم، ودفع نسبكم... فالله الله في كبر الحمية وفخر الجاهلية.
والفخر يصل بالإنسان إلى مقام من لا يحبه الله عز وجل. بنص الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان:18).
ومن الفخر ما يكون ممدوحاً ومطلوباً، وذلك عندما يفتخر الإنسان بما يحمله من صفات هي بنظر الدين الحنيف صفات مرغوبة ومطلوبة كالعبودية لله عز وجل
من عظمة مقام العبودية لله أن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يفتخر به، وها نحن نشهد في الصلاة في كل يوم بقولنا "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، صلى الله عليه وآله وسلم .
وورد في مناجاة لأمير المؤمنين عليه السلام قال: إلهي كفى لي عزاً أن أكون لك عبداًً، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً.
نسألكم الدعاء.
1- الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 394 | العلامة محمد حسين الطباطبائي(رض).







وائل الوائلي
منذ 8 ساعات
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN