لله ملقى على الرمضاءِ
بقلم: حنان الزيرجاوي
للـهِ ذلك الجسدُ الممدّدُ على رمالِ الطفوفِ، للـهِ ذلك القمرُ الذي أفلَ فوقَ ضفافِ الفراتِ، فاستحال الأفقُ بعدَهُ موحشاً، واستحالَ الماءُ بعدَهُ أكثرَ عطشاً من العطاشى أنفسهم…
كانَتِ الشمسُ تصبُّ لظى نارها على الرمالِ، وكانَ الحزنُ يفرشُ عباءتَهُ على كربلاء، بقيَ أبو الفضل العباس (عليه السلام) صريعاً على الثرى، لا يظلّلُهُ سقفٌ سوى السماء، ولا يؤنسُهُ إلّا صمتُ البطولةِ وهي تروي للأرضِ آخر فصولِ الوفاءِ...
كأنَّ الرمالَ التي احتضنَتْ جسدَهُ الشريفَ أدركَتْ أنَّها تحتضنُ سرّاً من أسرارِ الله (تعالى)، فصارَتْ أكثر خشوعاً تحتَ جسدِهِ، وأكثرَ مهابةً حولَ مصرعِهِ...
لقد سقطَ العباس، لكنَّ السقوطَ كانَ للجسدِ وحدَهُ، أما الروحُ فقد ارتفعَتْ حتى جاورَتْ مقامَ الخلودِ عندَ ربِّها، وأما الوفاءُ فقد بقيَ واقفاً على ضفافِ العلقمي، شامخاً كشجرةٍ ضاربةٍ جذورها في أعماقِ الثرى…
ثلاثةُ أيامٍ وجسدُهُ الطاهرُ على الرمضاءِ، والشمسُ تمرُّ عليه باكيةً، والرياحُ تدورُ حولَهُ كأنَّها حارسةٌ لمقامِهِ الشريفِ، والأرضُ تتوسّدُ دمَهُ المباركَ فتزدادُ شرفاً، حتى ليخيّل للناظرِ أنَّ الربى كَانَتْ تنحني فوقَهُ لتصنعَ من ظلالها كفناً من الهيبةِ، وأنَّ الأعاصيرَ كانَتْ تبسطُ أذيالها حولَهُ ستاراً من الإجلالِ، فلا تدعُ العيونَ تبلغُ من قدسيتِهِ ما لا يليقُ أن تراه، وكأنَّ الطبيعةَ بأسرها كانَتْ تشاركُ في مراسمِ الحدادِ…
فالترابُ يضمُّهُ إلى صدرِهِ، والريحُ تمسحُ عنه غبارَ الطريقِ، والسماءُ تحدّقُ إليه بصمتٍ طويلٍ باكيةً…
أما الوحوشُ التي اعتادَتْ أن تعبثَ بمصارعِ القتلى، فقد وقفَتْ عندَ حدودِ المهابةِ ناظرةً، كأنَّها أدركَتْ أن هذا الجسدَ ليسَ كسائرِ الأجسادِ، وهذه الدماءَ ليسَتْ كسائرِ الدماءِ، وأنَّ بينَ الثرى المسفوحِ عليه نوراً يمنعُ الاقترابَ، وهيبةً تردعُ حتى غرائزَ الوحشيةِ... فهابَتْ مصرعَهُ، وتراجعَتْ عن موضعِهِ، ووقفَتْ عندَ حدودِ الجلالِ الذي أودعَهُ الله (تعالى) في عبدِهِ الصالحِ، کأنَّ شجاعتَهُ تحملُ سراً حتى بعدَ شهادتِهِ!
ونورٌ بقيَ يشعُّ من جسدِهِ حتى خضعَتْ له الأرضُ والريحُ والوحشُ معاً!
إنَّها ليسَتْ هيبةَ القوةِ فحسبُ، فالسيوفُ قد قطعَتْ ساعديه، وليسَتْ هيبةَ السلطانِ فحسبُ، فقد فارقَ الدُّنيا شهيداً… إنَّها هيبةُ الإخلاصِ والوفاءِ لإمامِ زمانِهِ قبلَ وفاءِ الاخوّةِ، هيبةُ القلبِ الذي ذابَ في حبِّ ابن بنت نبيه حتى لم يعد يرى لنفسِهِ وجوداً، هيبةُ الروحِ التي باعَتِ الدُّنيا كلها لتشتريَ رضا الله (تعالى)، هيبةُ رجلٍ حملَ لواءَ الوفاءِ حتى آخر قطرةٍ من دمِهِ…
ولهذا لم يكن العباسُ شهيداً عادياً في كربلاء، بل كان عنواناً خالداً للفداءِ، وقبلةً للوفاءِ، وآيةً من آيات الإيثارِ التي لا يبهتُ نورها مهما تعاقبَتِ الأعوامُ...
ولهذا ما زالَتْ كربلاء، كلما هبَّتْ عليها الرياحُ، كأنَّها تهمسُ باسمِهِ، وما زالَ الفرات، كلما لامسَتْ أمواجُهُ ضفتيه، كأنَّهُ يستحيي من ذكرِ عطشِهِ، وما زالت القلوبُ، كلما مرت بذكراه، تشعرُ أن قمراً من نورٍ قد سقطَ على الأرضِ ذاتَ يومٍ فأضاءَ السماءَ إلى الأبدِ.
سلامٌ على أبي الفضل العباس، يومَ جادَ بنفسِهِ دونَ الحسين، ويوم افترشَ الرمضاءَ وحيداً، ويومَ وقفَتِ الأرضُ والسماءُ والريحُ إجلالا لمصرعِهِ... ويوم بقيَتْ رايةُ وفائِهِ خفّاقةً في ضميرِ الأحرارِ ما بقيَ الدهرُ.







د.فاضل حسن شريف
منذ 3 ساعات
الرسول محمد وابنته فاطمة الزهراء -عليهما السلام- حاضران في واقعة الطف
محاورة مع كتاب(اتجاه الدين في مناحي الحياة) لسماحة السيد محمد باقر السيستاني (دام عزه)-القسم الثالث
مؤامرة أم "نظرية المؤامرة"
EN