كرنفالُ الحزنِ بين الأرضِ والسماءِ (8)
حين عادَتِ النبوّةُ مضرجةً بالدمِ
بقلم: أحمد السراي
لم تكن كربلاءُ ساحةً تتكسّرُ فيها السيوفُ على السيوفِ فحسب، بل كانت موطناً تتكسّرُ فيه القلوبُ على القلوبِ، وكانت عاشوراء ساعةً ثقيلةً على الوجودِ، حتى لكأنَّ الزمنَ قد وقفَ واجماً عندَ شاطئ الفاجعة، ينظرُ إلى آل محمد (صلى الله عليه وآله) وهم يعبرونَ نحوَ الخلودِ واحداً تلوَ الآخر...
وفي ذلكَ النهارِ المضمّخِ بأوجاعِ السماءِ، لم يكن علي الأكبر مجرّدَ شابٍّ خرجَ إلى الميدانِ، بل كانَ آخر شعاعٍ من شمسِ النبوّةِ يمشي على الثرى، كانَ محمداً في قسماتِ وجهِهِ، وعذوبةِ منطقِهِ وطهرِ سريرتِهِ، حتى قيلَ فيه: إنَّهُ أشبهُ الناسِ برسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً…
فأيُّ مصابٍ أعظمُ من أن يرى الحسين صورةَ جدّهِ ماثلةً أمامَ عينيه؟
وأيُّ فاجعةٍ أشدُّ من أن يشهدَ تلك الصورةَ وهي تمضي إلى الذبحِ؟
لقد كانَ علي الأكبر نافذة يطل منها الحسين على رسول الله كلما اشتدَّ به الشوقُ، وكان نسمةً نبويةً تهبُّ على قلبِهِ فتبدّدُ وحشةَ الدنيا، و إذا تحدّثَ خُيّلَ للسامعين أن صدى الوحي ما زالَ عالقاً في حروفِهِ، وإذا أقبلَ أقبلَتْ معه مهابةُ الرسالةِ، وإذ ابتسمَ أشرقَتْ في وجهِهِ بقايا ذلك النورِ الذي أضاءَ العالمَ يومَ بزغَ فجرُ الإسلامِ…
ثم جاءَتْ ساعةُ الرحيلِ الأبدي، ساعةٌ لم تخرج فيها الروحُ من الجسدِ فحسب، بل خرجَ معها شيءٌ من قلبِ الحسين لا يعودُ، استأذنَ أباه في القتالِ ولم يكن يستأذنْ للنجاةِ ولا للعودةِ، ولا لرجاءٍ بالحياةِ، بل كانَ يستأذنُ للمضي نحوَ الموعدِ الذي كتبَتْهُ السماءُ له منذُ أن خلقَ، ومنذ أن التفتَ إلى أبيه وسألَهُ: يا أبت ألسنا على الحق؟
ما أعظم السؤال!
فلم يسألْ عن عددِ الأعداءِ، ولا عن موازين القوةِ، ولم يسأل عن احتمالاتِ النصرِ، لأنَّ الأرواحَ الكبيرةَ لا تنشغلُ بنتائجِ الطريقِ إذا كانَتْ تعلمُ أنها تسيرُ في طريقِ الحقِّ...
فلما سمعَ الجوابَ من أبيه: بلى والذي إليهِ مرجعُ العبادِ… تهلّلَ وجهه كما يتهلل فجر على أفقٍ مظلمٍ، وقالَ بيقينٍ يليقُ بأبناءِ النبوةِ: إذنْ لا نبالي أن نموتَ محقينَ…
لم يكن الموتُ عندَهُ حفرةً من ترابٍ، بل بوابةٌ من نورٍ، وكأنَّ الشهادةَ لم تكن نهايةَ العمرِ، بل بدايةُ الحضورِ الأبدي في حضرةِ الخالق...
اندفعَ إلى الميدانِ فاهتزَّتْ له الأرضُ، وتراجعَتْ أمامَهُ الصفوفُ كأنَّهُ ليث الوغى، كانَ كأنَّهُ قطعةٌ من بأسِ جدّهِ أمير المؤمنين (عليه السلام)، عادَتْ تمشي بينَ الناسِ… إذا كرَّ، اضطربَتِ القلوبُ، وإذا صاحَ، ارتجفَتِ الفرائصُ وهو يرجزُ وسطَ الميدانِ، وإذا لمعَ سيفُهُ تحتَ الشمسِ، خُيلَ للناظرينَ أنَّ ذا الفقارِ قد عادَ يكتبُ سيرتَهُ من جديدٍ، لكن المصيبةَ لم تكن في خروجِهِ إلى القتالِ، بل في عودتِهِ من القتالِ، حينَ عادَ محمولاً على سنانِ الغدرِ، مضمخاً بدمِهِ مثخناً بالجراحِ، وقد افترشَتِ الرمالُ جسداً طالما حملَ عبيرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)...
هناك لم يكن الحسين يسيرُ نحوَ ولدهِ، لا، بل كانَ يسيرُ نحو قلبِهِ الملقى على الثرى تحتَ لهيبِ الشمسِ، وكانَتِ الخطواتُ أثقلَ من الجبالِ، والأرضُ تضيقُ تحتَ قدميه، حتى لكأنَّ كربلاء كلها أصبحت قبراً واسعاً للحزنِ...
جثا عندَهُ وأخذَ يتأمّلُ ذلك الوجه الذي طالما رأى فيه ملامحَ جدِّهِ المصطفى، وجهاً أطفأه الموتُ، لكنَّ النورَ لم يفارقْهُ، وجهاً غطّاه الدم، لكنّ الهيبةَّ ما زالت تشعُّ منه، وجهاً سكنَتْهُ الشهادة، لكنّ الحياةَ الخالدةَ كَانَتْ تتدفّقُ من قسماتِهِ…
وفي تلك اللحظةِ لم يكن الحسين يبكي ولداً فقط، بل كانَ يودّعُ رسول الله للمرة الثانية، فكأنَّ المدينةَ عادَتْ إليه بكلِّ أحزانها وأوجاعها، وكأنَّ يومَ رحيلِ النبي قد بُعثَ من جديدٍ فوقَ رمالِ الطفِّ ليجدّدَ الحزنَ والأسى!
أي وجعٍ هذا الذي يحتملُهُ قلبُ الحسين؟
وأيُّ صبرٍ هذا الذي وسعَ كل تلك المصائب؟
لقد سقطَ علي الأكبر شهيداً، لكنّ النبوةَ لم تسقطْ، وسالَ دمُهُ على الرمالِ، لكنَّ الرسالةَ لم تنحنِ، وغابَ جسدُهُ عن الدنيا، لكنَّ صورتَهُ بقيَتْ ترفرفُ في وجدانِ المحبينَ كرايةٍ من نورٍ، فإذا ذُكرَ علي الأكبر، لا يذكرُ شهيداً فحسب، بل يذكرُ باعتبارِهِ اللحظة التي وقفَتْ فيها النبوةُ على أعتابِ كربلاء، ثم مضَتْ إلى الله سبحانه مخضبةً بالدمِ.
سلام على علي الأكبر يوم ارتقى شهيداً، فبكَتْ عليه الأرضُ لأنّهُ غادرها، وبكتْ عليه السماءُ لأنَّها كانت أولَ من استقبلَهُ.







د.فاضل حسن شريف
منذ ساعتين
ثقافة التظاهروالإحتجاج
كورونا..هل هي قدر إلهي ؟
محاورة مع كتاب(اتجاه الدين في مناحي الحياة) لسماحة السيد محمد باقر السيستاني (دام عزه)-القسم الثالث
EN