جاء في محاضرات في أصول الفقه الجزء 1 للشيخ محمد إسحاق الفياض: قوله تعالى "وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ" (النساء 101) فانّ الآية الكريمة تشير إلى وجوب القصر عند تحقق الضرب في الأرض، ولكنّها أهملت التعرض لمقدار الضرب وتحديده بحدوده الخاصّة، فتكون مهملةً من هذه الناحية فلا يمكن التمسك باطلاقها. وأمثلة ذلك كثيرة في الآيات والروايات، إلاّ أنّ الاطلاق والتقييد في مقام الاثبات خارج عن محل البحث هنا، حيث إنّه في الاطلاق والتقييد في مرحلة الثبوت والواقع كما عرفت. وقد تحصّل من ذلك عدّة نقاط: الاولى: أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل الضدّين لا العدم والملكة كما اختاره شيخنا الاستاذ قدس سره. الثانية: أنّنا لو افترضنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة لا التضاد، إلاّ أنّ ما أفاده قدس سره من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق خاطئ، وذلك لأنّها تقوم على أساس اعتبار القابلية الشخصية في العدم والملكة، ولكن قد عرفت أنّ القابلية المعتبرة أعم من أن تكون شخصية أو صنفية أو نوعية أو جنسية. الثالثة: أنّ استحالة التقييد بشيء تستلزم ضرورة الاطلاق أو التقييد بغيره، لاستحالة الاهمال في الواقع. هذا تمام الكلام في إمكان أخذ قصد الأمر في متعلقه وعدم امكانه.
وعن نية الأعمال يقول المرجع الشيخ محمد اسحاق الفياض قدس سره: عدّة من الروايات: منها قوله عليه السلام: (إنّما الأعمال بالنيّات) وقوله عليه السلام: (لكل امرئ ما نوى) ببيان أنّ كل عمل إذا خلا عن نيّة التقرب فلا عمل ولا أثر له إلاّ أن يقوم دليل من الخارج على وجود أثر له، وعليه فمقتضى هذه الرواية هو أنّ كل عمل ورد الأمر به في الشريعة المقدّسة لزم الاتيان به بنيّة التقرب إلاّما قام الدليل على عدم اعتباره، وهذا معنى أصالة التعبدية في الواجبات. ولنأخذ بالمناقشة عليه: وهي أنّ هذه الروايات لا تدل بوجه على اعتبار نيّة القربة في كل فعل من الأفعال الواجبة في الشريعة المقدّسة إلاّما قام الدليل على عدم اعتباره، وذلك لأنّ مفادها هو أنّ الغاية القصوى من الأعمال الواجبة لا تترتب عليها إلاّمع النيّات الحسنة لا بدونها، فإذا أتى المكلف بعمل فان قصد به وجه الله تعالى تترتب عليه المثوبة، وإن لم يقصد به وجه الله سبحانه بل قصد به أمراً دنيوياً ترتب عليه ذلك الأمر الدنيوي دون الثواب. ولا يكون مفادها فساد العمل وعدم سقوط الأمر، فلو جاء المكلف بدفن الميت مثلاً، فان أراد به وجه الله تعالى اثيب عليه، وإلاّ فلا وإن سقط الأمر عنه بذلك وفرغت ذمّته. وقد صرّح بذلك في بعض هذه الروايات كقوله عليه السلام: (إنّ المجاهد إن جاهد لله تعالى فالعمل له تعالى، وإن جاهد لطلب المال والدنيا فله ما نوى). وإليه أشار أيضاً قوله تعالى "وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها" (آل عمران 145). والحاصل: أنّ الروايات ناظرة إلى أنّه يصل لكل عامل من الأجر حسب ما نواه من الدنيوي أو الاخروي.
وعن حصر الواجبات الالهية يقول آية الله الشيخ محمد اسحاق الفياض: قوله سبحانه وتعالى "وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" (البينة 5) ببيان أنّ الآية الكريمة واضحة الدلالة على حصر الأوامر الصادرة منه سبحانه وتعالى بالأوامر العبادية، وتدل على لزوم الاتيان بمتعلقاتها عبادةً وخالصةً وهي نيّة القربة. أو فقل: إنّ الآية تدل على حصر الواجبات الإلهية بالعبادات، وعليه فان قام دليل خاص على كون الواجب توصلياً فهو، وإلاّ فالمتبع هو عموم الآية، وهذا معنى كون الأصل في الواجبات التعبدية، فالتوصّلية تحتاج إلى دليل. وفيه: أنّ الاستدلال بظاهر هذه الآية الكريمة وإن كان أولى من الاستدلال بالروايات المتقدمة، إلاّ أنّه لايمكن الالتزام بهذا الظاهر، وذلك من ناحية وجود قرينة داخلية وخارجية. أمّا القرينة الداخلية: فهي ورودها في سياق قوله تعالى "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ" (البينة 1) حيث يستفاد من هذا أنّ الله عزّ وجلّ في مقام حصر العبادة بعبادة الله تعالى، وليس في مقام حصر أنّ كل أمر ورد في الشريعة المقدّسة عبادي إلاّفيما قام الدليل على الخلاف، فالآية في مقام تعيين المعبود وقصر العبادة عليه ردّاً على الكفار والمشركين الذين عبدوا الأصنام والأوثان وغير ذلك حيث لا سلطان ولا بيّنة لهم على ذلك، فلو طلب منهم البيّنة فقالوا: إنّا وجدنا آباءنا على ذلك، لا في مقام بيان حال الأوامر وأ نّها عبادية. فالنتيجة أنّ الآية المباركة بقرينة صدرها في مقام حصر العبادة بعبادته تعالى لا بصدد حصر الواجبات بالواجبات العبادية. فحاصل معنى الآية هو أنّ الله تعالى إذا أمر بعبادة أمر بعبادة له لا لغيره، وهذا المعنى أجنبي عن المدّعى. وأمّا القرينة الخارجية: فهي لزوم تخصيص الأكثر، حيث إنّ أغلب الواجبات في الشريعة المقدّسة توصلية، والواجبات التعبدية قليلة جداً بالنسبة إليها، وحيث إنّ تخصيص الأكثر مستهجن فهو قرينة على عدم إرادة ما هو ظاهرها. وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه: أنّ مقتضى الأصل اللفظي في موارد الشك في التعبدية والتوصلية هو التوصلية، فالتعبدية تحتاج إلى دليل خاص.







محمد عبد السلام
منذ 5 ساعات
ماء المتفوق
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
عاشوراء.. تبديل رايات العزاء وتجديد الولاء
EN