حين يقترب شهر محرم الحرام لا يعود الزمن في وجدان المؤمنين مجرد أيامٍ تتعاقب بل يعود التاريخ حاضراً بكل آلامه ودروسه وتُفتح من جديد صفحات الواقعة التي بقيت أعظم شاهد على مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) يوم وقف سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام) في أرض الطف يحمل أمانة الرسالة ويواجه انحراف الأمة بقلبٍ ثابت ويقينٍ راسخ حتى بذل نفسه وأهل بيته وأصحابه في سبيل إحياء الحق وإقامة معالم الدين .
فكربلاء ليست حادثةً انقضت بانتهاء يوم عاشوراء بل هي مصابٌ متجدد في ضمير المؤمنين ومدرسةٌ إلهية المعالم تستلهم منها الأجيال معنى الصبر حين يشتد البلاء ومعنى الثبات حين تُحاصر القيم ومعنى التضحية حين تكون كلمة الحق أغلى من الحياة .
وفي أجواء يخيم عليها الحزن والولاء أعلنت الأمانتان العامتان للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية إقامة مراسم تبديل الرايتين فوق قبتي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) مساء يوم الثلاثاء الموافق 16 حزيران 2026م بعد صلاة العشائين إيذاناً بدخول شهر الأحزان وبدء موسم العزاء الحسيني لعام 1448 للهجرة .
وهذه المراسم المباركة تحمل في دلالتها معنى عميقاً فهي لحظة تجدد فيها كربلاء عهدها مع صاحب الطف وتعلن للأرواح أن أيام المصاب قد أقبلت وأن ذكرى الدماء الطاهرة التي سُفكت على رمضاء كربلاء ستبقى حاضرة في وجدان الأمة لا يطويها مرور السنين ولا تغيرها تقلبات الأيام .
فعندما تُرفع الراية السوداء فوق القباب الشريفة تستحضر القلوب فصول الملحمة العاشورائية خيام الحسين (عليه السلام) وهي محاصرة ونداء العطاشى من الأطفال وصبر العقيلة زينب الكبرى (عليها السلام) ووفاء أبي الفضل العباس (عليه السلام) الذي جسد أسمى معاني النصرة والولاء وموقف الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يقف أمام جموع الباطل ثابت الجنان معلناً أن طريق الإصلاح لا يُعبد إلا بالتضحيات .
إن عاشوراء في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرد ذكرى تُستعاد ولا واقعة تُروى وإنما هي رسالة ممتدة تحمل في أعماقها معاني الإمامة والولاء والمسؤولية وهي ميزانٌ يميز بين طريق الحق وطريق الانحراف وبين من يحمل مبادئ الدين قولاً ومن يحملها موقفاً وتضحية .
ومن هنا بقيت كربلاء حاضرةً في الوعي الإسلامي لأنها لم تكن معركة بين قوتين فحسب بل كانت مواجهة بين منطق الرسالة ومنطق الطغيان بين صوت الإصلاح وصوت الاستبداد فاختار الحسين (عليه السلام) طريق العز والشهادة ليبقى الحق نابضاً في الأمة .
ومع حلول أيام المحرم ترتدي كربلاء المقدسة ثوب الحداد وتتوشح شوارعها وساحاتها بالسواد وتفد إليها القلوب قبل الأقدام حيث يجتمع الزائرون والمعزون من مختلف البلدان ليجددوا العهد مع سيد الشهداء (عليه السلام) ويستمدوا من نهضته معاني الإيمان والصبر والثبات .
فالراية السوداء المرفوعة فوق القبتين الطاهرتين ليست راية حزنٍ فحسب بل هي راية مصاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سبطه ولوعة أمير المؤمنين (عليه السلام) في ولده وفاجعة الزهراء (عليها السلام) في ريحانتها وهي في الوقت ذاته راية عهدٍ بأن نهج الحسين (عليه السلام) سيبقى حياً ما بقي في الأمة قلبٌ يعرف معنى الحق والوفاء.
وهكذا تستقبل كربلاء شهر الأحزان لتبقى منارةً تهتدي بها الأرواح ومحراباً للثائرين على الظلم وشاهداً خالداً على أن دم الحسين (عليه السلام) لم يكن نهاية واقعة بل كان بداية رسالة لا تنطفئ .







محمد عبد السلام
منذ 5 ساعات
حسين مني وأنا من حسين
تأثير الخلل في الحاضنة على سوء تلقي الدين
الحسين بين الأمس واليوم
EN