كتاب "تاريخ الحديث النبوي بين سلطة النص ونص السلطة" هو دراسة تحليلية معمقة تسلط الضوء على تأثير السلطة السياسية في صياغة النصوص وتوظيفها.
قال الكاتب السيد محمد علي الحلو رحمه الله :
لم تعد قراءة النص حالة اعتباطية تتداعى فيها الافهام الخاصة المعتمدة على المذاق الشخصي عند تفسيره وقراءته وفهمهه ومن ثم تعميمه وجعله مسألة تقليدية تتبع فيها توجهات معينة ورؤية خاصة ، بل صارت قراءة النص ( الحديث الشريف ) تعتمد على قواعد علمية وأسس تابعة من السيرة العقلائية المتسالمة.
والمدرسة الامامية سباقة في وضع قواعد رصينة لفهم النص ونظرياته وذلك للحاجة الماسة التي ارتأتها هذه المدرسة من محاولة التنظير للقواعد وأسس لايمكن اغفالها في خضم جملة من تفسيرات النص المروي عن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والتي ذهبت بها المذاهب شتى في محاولة توجيه هذه النصوص إلى غير وجهتها الحقيقة وفرض ذلك على اتباعها وجعله تعميما مقدسا لا يقبل الشك ولا الإنكار.
ثم عرض الكاتب (ره) إلى جملة من المباحث :
النظرية الامامية في قراءة النص.
حيث شهد عهدا الامامين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق عليهما السلام بدايات لتنظيرات أصولية واملاء قواعده على جملة من اصحابهما، وعرف في هذا المضمار هشام بن الحكم ، ثم استعرض جملة مما صنفه وكذلك اهم ما نشط به اصوليو الشيعة .
مسارات في قراءة الحديث النبوي
ثم قدم تساؤلًا جوهريًا من خلال النصوص التي اوردها الى ان الحديث النبوي ظل خاضعً لمحاولة السلطة السياسية لقراءة النص وممارسة سلطتها على توجهات المؤرخ ومثال ذلك حديث الغدير حيث تعرض الى استبعاد من كتب الصحاح ( البخاري ومسلم ) علما ان الحديث صحيح على شرطهما وعلى شرط باقي الصحاح التي التزمت بعدالة الراوي وتوثيقه، فكل رواة الحديث ثقات عند الشيخين،
وهو شرطهما.
ثم ذكر رحمه الله شواهد ميدانية في سقم بعض المنهجيات التحليلية حتى يقف القارئ المنصف على خروقات هذه المدارس في تعاملها مع الحديث النبوي.
النموذج الأول البداية والنهاية لابن كثير حيث قال في حديث الطير: وهذا الحديث قد صنف الناس فيه وله طرق متعددة وفي كل منها نظر ونحن نشير إلى شئ من ذلك قال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حتى اسنده الى عن أنس قال: " كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " فجاء علي فأكل معه).
ثم ذكر طرقا كثيرة للحديث وبعد اعترافه بثبوت الحديث تواتراً، قال (وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه).
النموذج الثاني شرح جامع الترمذي المعروف بتحفة الاحوذي.
في شرحه لحديث بريدة ... قائلا في علي ... وهو ولي كل مؤمن بعدي .
قال ما نصه: كذا في بعض النسخ بزيادة من ووقع في بعضها بعدي بحذف من وكذا وقع في رواية أحمد في مسنده وقد استدل به الشيعة على أن عليا رضي الله عنه كان خليفة بعد رسول الله من غير فصل واستدلالهم به عن هذا باطل فإن مداره عن صحة زيادة لفظ بعدي وكونها صحيحة محفوظة قابلة للاحتجاج والأمر ليس كذلك فإنها قد تفرد بها جعفر بن سليمان وهو شيعي بل هو غال في التشيع قال في تهذيب التهذيب قال الدوري كان جعفر إذا ذكر معاوية شتمه وإذا ذكر عليا قعد يبكي وقال ابن حبان في كتاب الثقات حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا إسحاق بن أبي كامل حدثنا جرير بن يزيد بن هارون بين يدي أبيه قال بعثني أبي إلى جعفر فقلت بلغنا أنك تسب أبا بكر وعمر قال أما السب فلا ولكن البغض ما شئت فإذا هو رافضي الحمار انتهى فسبه أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ينادي بأعلى نداء أنه كان غاليا في التشيع لكن قال ابن عدي عن زكرياء الساجي وأما الحكاية التي حكيت عنه فإنما عنى به جارين كانا له قد تأذى بهما يكنى أحدهما أبا بكر ويسمى الاخر عمر فسئل عنهما فقال أما السب فلا ولكن بغضا مالك ولم يعن به الشيخين أو كما قال انتهى فإن كان كلام ابن عدي هذا صحيحا فغلوه منتف وإلا فهو ظاهر وأما كونه شيعيا فهو بالاتفاق قال في التقريب جعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري صدوق زاهد لكنه كان يتشيع...
الى ان قال: فإن قلت لم يتفرد بزيادة قوله بعدي جعفر بن سليمان بل تابعه عليها أجلح الكندي فروى الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث من طريق أجلح الكندي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة قال بعث رسول الله بعثين إلى اليمن على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الاخر خالد بن الوليد الحديث وفي آخره لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي وإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي قلت أجلح الكندي هذا أيضا شيعي قال في التقريب أجلح بن عبد الله بن حجية يكنى أبا حجية الكندي يقال اسمه يحيى صدوق شيعي انتهى وكذا في الميزان وغيره.
هكذا يتكلف الشارح في رده للحديث لا لشيء ولكن لصراحته ( حديث بريدة) في تعيين الخليفة الشرعي .
مبحث منهجية المدرستين في الجرح والتعديل لرواة الحديث النبوي.
أولا التقييم السندي قوائم التقييمات السلفية (وهو مصطلح اعتمده المؤلف ره لأهل السنة والجماعة).
١- قائمة بأسماء المرفوضين بسبب التقييم المذهبي، وعلى رأسهم الإمام الصادق عليهالسلام و إبان بن تغلب وجابر الجعفي وابي الصلت الهروي وغيرهم .
٢- قائمة بأسماء المقبولين بسبب التقييم المذهبي ، وعلى رأسهم عمر بن سعد وخالد بن يزيد بن معاوية وغيرهم .
٣- قائمة بأسماء المقبولين بسبب التقييم السياسي ، كزهير بن معاوية بن خديج وقبيصة بن ذويب وكثير بن الصلت وغيرهم .
معالم المدرسة السلفية في الجرح والتعديل
بعد أن استعرض الكاتب رحمه الله قوائم الرواة من المقبولين والمتروكين على اساس المنهجية السلفية ، قال رحمه الله نستطيع أن نقرأ معالم هذه المدرسة في توثيق الراوي وتضعيفه كما يلي :
١ - ان أهم مرتكزات بعض المناهج الرجالية في تضعيف الراوي وتوثيقه ينطلق من أساس مذهبي شديد الحذر من رواية الحديث النبوي الذي يشمل فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام، فضلاً عن النص على خلافته لأنه سيكون تبريراً فيما بعد لتفضيله على غيره، وسيعطي لمشروعية خلافته تراثاً نبوياً من الأحاديث التي لا يمكن التخلف عنها بحال.
٢- استخدمت مدرسة الصحابة مصطلح الأحاديث المنكرة والذي يستبطن منه توجهات ثقافية سياسية، والغرض من وراءه أن التحدث بأية منقبة لعلي بن أبي طالب عليه السلام يعدُ تدخلا سافراً في شؤون الخلافة ، فالخلافة حق من حقوق الأمة والخليفة يتم ترشيحه من قبلها والصحابة يتساوون في جميع الامتيازات، ولذا عُدً ذكر فضائل علي عليه السلام ومناقبه منكرة تلغيها دوائر الحديث ويمنع تدوينها.
٣- ملاك الجرح والتعديل هو انتساب الراوي ، فمجرد طعن الراوي بالتشيع كاف في التوقف في الراوي وعدم الراوية عنه أو تضعيفه.
٤- أن الانتماء المذهبي لم يعد علة تامة بل جزء علة والعلة التامة هي روايته فضائل علي عليه السلام.
٥ - اعتماد أسلوب خاص ضد كل من يروي فضائل علي عليه السلام أما التضعيف أو الاتهام بالخلط أو الاضطراب في الحديث.
نتائج منهجية الجرح والتعديل.
أن نتائج هذا التقييم خلقت مشكلة خطيرة على المنهج الفقهي لاتباع مدرسة الصحابة الا وهي تراجع الفقه عن ممارسة الإبداع، قال المصنف رحمه الله: اقصد بذلك طرح الأحاديث وعدم التعامل معها على اساس صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم واللجوء إلى طرق عقلية تحكمية تحاول سد النقص في آلية الفتوى والاجتهاد.
التقييم الدلالتي
منهجية المدرستين في قراءة الحديث النبوي.
لم تكن مشكلة التقييم الدلالتي اقل خطرا من التقييم السندي ذلك لان التقييم السندي يكشف ان الجرح والتعديل بخضع لتوجهات شخصية، عندها يمكن للباحث أن يتجاوز هذه المشكلة إلى تقييم موضوعي مبني على أسس علمية موضوعية .
الا أن التقييم الدلالتي سيواجه الباحث مشكلة الاحتمالات ، أي انشطار التقييم الروائي إلى احتمالات مبهمة يضطرب من خلالها القارئ ولا يقوى على معرفة دلالتها فيدعها أو يرجعها إلى أهلها مسكوتاً عنها أو يؤجل الفهم ، أن ام تلغيها من منظومة الحديث الروائية ،ولعل الأسباب التي حدت بتهافت التقييم السندي هي نفسها التي ادت إلى الاضطراب في الفهم والتحليل ، على أن الاضطراب هذا سيكون مبرمجاً من قبل السلطة لمحاولة توجيه الحديث أو ابهامه، سيكون الموقف محسوما لصالح ايهام مقصود النبي صلى الله عليه وآله مم تعيين الخليفة الشرعي، وسيجد القارى نفسه محاصرا باحتمالات التفسير الذي يبعده عن فهم مقصود النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث ، وسيلجأ إلى اطروحات المدارس السياسية في تدوين الحديث ، وقد واجهت هذه المدارس المدرسة الامامية بثلاث صيغ :
أحدهما الطعن السندي وطرح الأحاديث بحجة عدم توثيق رواتها وقد مر آنفا.
ثانيهما محاولات التوجيه في قراءة الحديث لابعاده عن واقع العمل في ترتيب الخلافة الإسلامية.
وثالثهما إيجاد منظومات الحديث التي وضعتها لمواجهة المد الروائي الأمامي.
ثم استعرض الكاتب رحمه الله جملة من محاولات التوجيه والتأويل حيث نجد ان المدرسة السلفية ( كما اصطلح على تسميتها المصنف ويعني به جمهور المخالفين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام ) تجهد نفسها في إيجاد تفسيرات محتملة لمصطلح المولى الذي ورد في قول النبي صلى الله عليه وآله( من كنت مولاه فعلي مولاه ) لإبعاده عن المشروع النبوي .
ثالثا المنظومة النصية السلفية ويستعرض فيها الوضاعون للحديث كما يذكرهم ابن الجوزي وغيره.
ومن ثم يتطرق إلى فصل جديد وهو مراحل تاريخ الحديث النبوي، من الصفحة ١١٥ الى الصفحة ٢٨٢، ويقسمه إلى خمسة مراحل:
الأولى مرحلة الالغاء والتصفية
كانت الخطوة الأولى إبان عهد الخليفة الأول، مرحلة أولية تحضيرية إذ أمر بحرق الأحاديث التي لديه، ولعله أثرى تراث جمعه من الصحابة.
قالت عائشة: "جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا قالت: فغمني، فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فدعا بنا فحرقها. فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك" (ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" نقلا عن الحاكم").
ان الجهد الذي بذله الخليفة الأول في محاولة اتلاف الحديث كانت خطوة تمهيدية تفتح الباب للاجتهادات القادمة لإلغاء الحديث النبوي.
معارضة النصية اسمها " فاطمة".
ان الصراع " الفدكي" الذي قدته السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أعادت للنص عافيته من جديد ، وإنما عبر المصنف (رحمه الله) عن السيدة فاطمة عليها السلام بأنها معارضة نصية، لأنها كانت نصا الهيًا- نبويا يتحرك على ساحة الاحداث ، وكان المسلمون تشخص ابصارهم الخاشعة إلى السيدة فاطمة لأنها كانت "النص" الذي خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله، فضلا عما قدمه القرآن الكريم من قبل، فقد شهد بعظيم منزلتها وكرامتها عند الله عزوجل بقوله"،{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }( الأحزاب : 33 ).
ويتطرق المصنف رحمه الله في النهاية إلى نتائج الحظر على الحديث النبوي في عهد الخليفة الأول وينتقل بعدها إلى المرحلة التالية.
الثانية مرحلة الالغاء والمطاردة الأولى.
اتخذ الخليفة الثاني خطوة متقدمة في مضمار الحظر على الحديث النبوي، فقد كانت مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك والصراع الذي وقفته السلطة غير الشرعية منها، واخفاقها في إيقاف تهديد المعارضي النصي الفاطمي لها مما مثل تهديدا لشرعيتها ، لجأ الخليفة الثاني إلى حظر الحديث وفرض رقابة عليه ، بل وسجن كل من يحدث به ، فقد روى بن العربي أن عمر بن الخطاب سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. اهـ
أخرج الحاكم في المستدرك (1/ 110) وصححه، وقال الذهبي في التلخيص:على شرطهما.
عن سعيد بن ابراهيم،عن أبيه: أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود،ولأبي الدرداء،ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب.
ثم يستعرض المصنف رحمه الله نتائج الحظر على الحديث النبوي في عهد الخليفة الثاني ، وأنها أدخلت مدرسة الصحابة وضعا خطيرا ، لأن الخليفة الثاني اتخذ من اجتهاداته وآراءه منطلقا للفتوى والقضاء، وذكر لذلك شواهد عديدة .
الثالثة مرحلة التصفية والمطاردة الثانية.
وقد اسهب المصنف رحمه الله الكلام في هذه المرحلة وافرد لها ٣٥ صفحة بدأ من ١٧١ وانتهاء ٢٠٦ ، وما يميزها أنها مرحلة تأسيس إذ بدأ الحظر الثالث مصبوغا بصبغة الشيخين. ليشعر الناس أن الحظر الثالث امتداد لما قام به الأول والثاني من حظر .
قال المصنف رحمه الله:( فإن الخليفة الثالث كان عليه العبأ الاكبر في تحديد معالم المدونة الحديثية.....، اذ ان المدرسة السلفية- ويقصد بها مدرسة الخلفاء - قد جعلت قيمومة الخلفاء الثلاث على الحديث ، إحدى الحجج التي من خلالها سمحت بترسيم حدود المدونة الحديثية التي يجوز تداولها، وخلاف ذلك يعتبر تعديا لحدود شرعية الحديث النبوي ).
الرابعة مرحلة العهد النصي وفترة انتعاش الحديث النبوي
تبدأ من سنة ٣٥ وتنتهي سنة ٤٠ للهجرة.
بويع أمير المؤمنين علي عليه السلام للخلافة، بعد مقتل عثمان، وفي واقعها هي بيعة للحديث النبوي الشريف، الذي بدأ يسترد أنفاسه بعد أن عانى من الحظر والتضيق والاخفاء لفترة امتدت ثلاثة عقود حاكمة، وصار الحديث النبوي الشريف أداة شرعية الدولة الإسلامية.
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في أول خطبة له: اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ...الى ان قال: ألا وإن أبرار عترتي، وأطائب أرومتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً.
ألا وإنَّا أهل البيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، وبقول صادق أخذنا [من قول صادق سمعنا]، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا.
معنا راية الحق من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح الله لا بكم، وبنا يختم لا بكم».
وهذا اول خطاب رسمي يعلنه عليه السلام ليؤكد أهمية السنة الشريفة.
وقد اختصر المصنف رحمه الله الحديث في هذه المرحلة معللا ذلك بأن البحث معقود لحالات الخرق التي احدثتها توجهات سياسية حاكمية على طول التاريخ الروائي للحديث.
وليت شعري ما ضره لو بيًن ما أطلقه أمير المؤمنين عليه السلام في الحث على مداولة الحديث النبوي والتعامل به في جميع نواحي الحياة، فإن الإمام علي عليه السلام أرسى نظامه الجديد على إعادة الاعتبار للحديث النبوي الشريف.
الخامسة مرحلة الوضع النصي.
قاد معاوية تمرداً سياسياً على دار الخلافة في المدينة المنورة، وأعلن استقلاليته وخروجه عن السلطة المركزية التي يتزعمها الخليفة الامام عليه السلام.
وإذا كانت الدولة تقوم شرعيتها على حالة من حالات الحكم المتعارف كالنص كما في دولة الخليفة الامام عليه السلام، او الاجماع والشورى ما نظّره الشيخان ابان توليهما الحكم، فان دولة معاوية تفتقد لهذه الاعتبارات الثلاث الفي قررت فيما بعد احدى التوجهات التي تقوم عليها التشكيلة الإسلامية، وهذا يعني فقدانها لأية شرعية بتجاوزها هذه الاعتبارات.
وفي غضون هذا التمرد السياسي الذي يخوضه معاوية عمل على ترتيبات شرعية مفقودة والتي حصل عليها بطريقته غير الشرعية، اذ وجه فريق عمل فني لإنجاز هذه المهمة الخطيرة، وهي مهمة وضع الحديث وتحريفه، ويستعرض المصنف رحمه الله كيف جعل معاوية قوما من الصحابة والتابعين على وضع أحاديث في ذم أمير المؤمنين علي عليه السلام وبذل المال لهم ، منهم ابو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وعروة بن الزبير.
وأورد ما أحدثه هذا الفريق مدوّنة حديثٍ موضوعٍ، وقسم عملهم ضمن مراحل متعددة.
الاولى مرحلة التأسيس الوضعي.
تعد هذه المرحلة باكورة عمل سياسي - فكري خطير ، تواصلته بني أمية إبان تسلطها، وتعد محاولات معاوية ورقة عمل تاسيسة لقيام مشاريع وضع الحديث.
قال مصنف رحمه الله واليك نماذج محاولات: روى الزهري ان عروة بن الزبير حدثه، ان عائشة قالت: (كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة! إن هذين يموتان على غير ملتي، أو قال: ديني).
الثانية مرحلة التدوين الوضعي.
التي جاءت بمثابة نتيجة للأولى إذ أمكن تطورها إلى وضع أحاديث في فضائل ومناقب الشيخين والصحابة على غرار فضائل علي عليه السلام، وبذلك سيتمكن معاوية وامثاله من الاحتجاج بأن أفضلية علي عليه السلام منتفية لاشتراكه مع غيره، فما وجه تفصيله بعد ذلك ؟
وبسط المصنف رحمه الله الكلام في هذه المرحلة من صفحة ٢١٧ إلى صفحة ٢٣٣ ، حيث قال رحمه الله اننا نستطيع أن نؤرخ لهذه الفترة مرحلتين :
الأولى: مرحلة تهويد الحديث ، ويقصد بها الدور الذي لعبه كعب الأحبار في دس الإسرائيليات في الحديث النبوي و كونه المنسق التنظيري لهذه الفترة ، فقد ظهرت بوادرها ايام الخليفة الثاني ثم نضجت ايام الخليفة الثالث، حتى استفحلت ايام معاوية .
والثانية : مرحلة حديث التهويد أو ما بعد معاوية.
وفيها يتولى قيادة الدولة الإسلامية الفكر اليهودي بطراز متقن من مدونات الحديث المرفوع ( والمرفوع: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم قولاً أو فعلاً عنه، وسواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً حسب راي مدرسة الصحابة) الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم او الموجود في مغيبات التوارة تارة أخرى.
الفترة السادسة مرحلة احتواء الحديث النبوي
وهي الفترة التي عانى من الحديث النبوي أثر الصراع الدائر بين بني أمية وال الزبير إبان عهد عبد الملك بن مروان . وكيف أمر بن شهاب الزهري بوضع حديث لا تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس ، لا لشيء الا لايمنع أهل الشام من حج بيت الله الحرام خوف سطوة بن الزبير واخذه الحاج بالبيعة قهراً.
الإمام علي بن الحسين عليهما السلام وبث الحديث النبوي المبارك.
في ظل تلبد الفكر العام ، والنظام الأموي يشيع حالة سذاجة للمفاهيم الإسلامية، يتخطى الإمام علي بن الحسين عليهما السلام حدود المحذور التقليدي على الحديث النبوي ويبثه على اساس صيغ من الدعاء ، ليقهر السلطة في الاستسلام عنده لعدم امكانيتها من ابداء عدم الرضا في ترويج الدعاء الذي حمل توجهات الدين الأصيل، ويصير الحديث النبوي إلى علاقة ارتباط بين الخالق ومخلوقه، أي سيكون الحديث الان مغلفا بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى بعيدا عن ملاحقة السلطة وبطشها الفكري.
وسنأتي إلى بعض نماذج دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام والذي هو خلاصة نصوص نبوية صحيحة .
قال عليه السلام: (أَللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَـذِرُ إلَيْـكَ مِنْ مَـظْلُوم ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ).
وهو إشارة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: يا أبا ذر من اغتيب عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله عز وجل في الدنيا والآخرة، فان خذله وهو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والآخرة.
الفترة السابعة مرحلة تنظير الحديث النبوي
وهي الفترة التي بدأت بتولي عمر بن عبد العزيز الخلافة حيث كانت بداية لاستنهاض الحديث واقحامه في فلسفة الدولة لتنظير وصياغة نص نبوي مدعم برواة علماء طبقا لمبتنيات المدرسة السلفية، وعندها سيحظى النص السياسي هذا بتأييد ومباركة المنهج السلفي.
تاريخ الحديث في العصر العباسي
يعد العصر العباسي عصراً تدوينياً بكل ما للكلمة هذه من معانيها العلمية والسياسية بل وحتى الأمنية.
ففي العصر العباسي نجد ان الحاكم السياسي يتربع على كرسي الحكم مستشعرا من نفسه فضلا عن كونه حاكما سياسيا- رجل دين منظرا له توجهاته العلمية وطموحاته الفكرية.
وبدأ العصر العباسي باكورة أعماله التدوينية من خلال ما اقترحه المهدي العباسي على مالك بن أنس ليضع مدونات الحديث ضمن دائرة المشاريع التدوينية العباسية، إلا أن البعض يرجح أن المنصور هو من أمر بذلك ولعله الأرجح.
والمصنف رحمه الله بسط الكلام في هذا الفصل من صفحة 283- 348، حيث استعرض بدايات التدوين من زمن المنصور العباسي وامره مالك بتأليف الموطأ، ونشره على الولاة وامر الحفاظ بحفظه، ومحنة خلق القران التي وضعت اوزارها بموت الواثق العباسي، واحياء السنة حطت رحالها أيام المتوكل العباسي ، فكلاهما شعاران متطرفان يخضعان لتوجهات سياسية .
أبرز معالم التدوين في العصر العباسي:
1- الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور مهندس التشكيلات النصية، وذلك بتأسيس منظومته الحديثية ومن ثم ابتكار النص السياسي الذي من خلاله سيقتحم على ال البيت جامعتهم العلمية التي استقامت تواً (أي فترة الانتعاش بين سقوط دولة بني امية وقيام دولة بني العباس) وإيقاف امتداداتها، وذلك باستنفار محدّثي السلف لوضع منظومتهم النصية وتأسيس مشاريعهم، للوقوف أمام النص النبوي الذي يتداوله آل البيت عليهم السلام.
2- الصحاح وتشكيلة الفقه السلفي.
3- المدونات الفقهية ونزعات غير عربية.
4- الصحاح الستة في الميزان.
5- مستدرك الحاكم، محنةُ حديث ام محنة محدّث؟
الشيعة الامامية وتصنيف الحديث النبوي
تُعدُّ جهود الامامية البواكير الأولى في جمع الحديث النبوي، وذلك على يد الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، أذ جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، كتاباً ضم فيه أحاديث النبي الأعظم في الاحكام والسنن والفرائض، وأودعه لدى أبنائه يتوارثونه واحداً بعد واحد، فسمي بكتاب علي عليه السلام، وهو أحد مصادر علومهم صلوات الله عليهم أجمعين.
وحذى على ذلك أصحابه الميامين، فقد صنفوا في الحديث كتبا تعد مرجعا من مراجع الامامية في احكامها، هي كتبهم الأربعة الحديثية المعروفة.
والحمد لله أولا واخر.







د. رافع زعاطي عبادي الحيدري المشعشعي
منذ 1 ساعة
لماذا كان الزلزال في تركيا وسوريا من أقوى الزلازل في التاريخ؟
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
المكونات العراقية وإشكالية المصطلح
EN