قال الأديب والمفكر عباس محمود العقّاد (ره)في كتابه (عبقرية الإمام علي – ص١٢٨)1:
«ومن إحسان التسمية أنّه -أي الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام- همّ بتسمية ابنه حرباً؛ لأنّه يرشحه للجهاد وهو أشرف صناعاته، لولا أنّ رسول الله سمّاه الحسن وهو أحسن، فجرى على هذا الاختيار في تسمية أخويه الحسين والمحسن...».
ولا يخفى على الباحث المحقق أنّ مستند كلام العقاد مبنيٌّ على رواياتٍ وردت بأسانيدَ عليلة، وتفرد بها رجالٌ تكلّم فيهم أئمة الجرح والتعديل، الأمر الذي يؤكد ضعف هذه المرويات التي نُسبت إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويبهت وجه الاستدلال بها كما سيأتي بيانه تفصيلاً.
أولاً: الميزان السندي وتتبع طرق الرواية
روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (2/ 236) (الحديث 413 و 730): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: «لَمَّا وُلِدَ الْحَسَنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ حَرْبًا، قالَ: بَلْ هُوَ حَسَنٌ. فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ حَرْبًا، قَالَ: بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ. فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قُلْتُ حَرْبًا، قَالَ: بَلْ هُوَ مُحَسِّنٌ، ثُمَّ قَالَ: سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ هَارُونَ: شَبَّرُ، وَشَبِيرُ، وَمُشَبِّرٌ».
ورواه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (11/ 35)، والبخاري في "الأدب المفرد" (823)، وابن حبان في "صحيحه" (15/ 410)، والبزار (1997)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 166)، والطبراني في "المعجم الكبير" (3/ 161)، والدولابي في "الذرية الطاهرة" (94)، وأحمد في "فضائل الصحابة" (1323)، كلهم من طرقٍ عن إسرائيل، بمثله.
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 63) من طريق أخرى عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن هانئ بن هانئ، عن علي. كما رواه الطبراني (3/ 162) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي بمثله.
ثانياً: علل الحديث ومواضع الضعف
يلاحظ القارئ اللبيب أن مدار الروايات كلها يلتقي عند طريق واحد وهو: (أبو إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ عن علي عليه السلام) .
أي أن هذا الطريق هو الممر الوحيد لهذه الرواية، ومما تفرد به هذان الرجلان، ولم يتابعها عليهما أحد.
وقد ضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني في موضعين؛ الأول في "السلسلة الضعيفة" (رقم 3706)، والثاني في "ضعيف الأدب المفرد".
وتعود علل الحديث التي استند إليها في التضعيف إلى أمرين رئيسيين:
1. اختلاط أبي إسحاق السبيعي وتدليسه: ومما يعضد ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (8/ 59) حيث قال: «فأما أبو إسحاق فقد روى عن قوم لا يعرفون ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلا ما حكى أبو إسحاق عنهم، فإذا روى تلك الأشياء عنهم كان التوقيف في ذلك الصواب عندي».
2. جهالة حال هانئ بن هانئ: وقد لخص ابن حجر القول فيه في "تقريب التهذيب" فوصفه بأنه "مستور"، ونقل في "التهذيب" كلمات الأئمة فيه قاصداً تجهيله؛ حيث قال: «وذكره ابن سعد في الطبقات في الطبقة الأولى من أهل الكوفة قال: وكان يتشيع. وقال ابن المديني: مجهول. وقال الشافعي: هانئ بن هانئ لا يُعرف، وأهل العلم بالحديث لا ينسبون حديثه لجهالة حاله».
أما رواية ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 513): (حدثنا وكيع عن الأعمش عن سالم قال: إني سميت ابني هذين باسم ابني هارون شبير وشبير)، فهي رواية مرسلة.
وقد أخرجها الطبراني (2777) من طريق يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي: «كنت رجلاً أحب الحرب فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حرباً فسماه رسول الله الحسن...» الحديث، ولم يذكر فيه محسناً.
وعلة هذا الطريق أن سالماً يدلس ويرسل، ولم يصرح هنا بالسماع المباشر من الإمام علي (عليه السلام).
ثالثاً: النقد الموضوعي والنظر في المتن.
إن اندفاع الأستاذ العقاد (ره) وراء التحليل الأدبي والنفسي لشخصية أمير المؤمنين في سلسلة "العبقريات" جعله يسترسل وراء هذه الروايات التاريخية دون تصفية حديثية أو تحقيق سندي، وهو مسلك يقع فيه الكثير من الأدباء والمؤلفين.
فالتفكير الموضوعي والنظر المتأمل في متن الرواية يفرض علينا تساؤلات جوهرية نقضية:
• أولاً: كيف يُتصور في حق الإمام علي (عليه السلام) -وهو الأديب الأريب، والأعلم بالسنة والأقرب لرسول الله صلى الله عليه واله - أن يكرر تسمية أبنائه باسم (حرب) مرة بعد مرة (مع الحسن، ثم الحسين، ثم المحسن)، وهو يرى في كل مرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرفض الاسم ويغيره؟ إن هذا التكرار المفترض يتنافى مع أدب الامتثال والوعي التام بذوق النبي صلى الله عليه واله وتوجيهاته.
• ثانياً: لماذا لم يسمِّ أمير المؤمنين أحداً من أولاده الآخرين الذين وُلدوا بعد رحيل النبي الأعظم بـ (حرب)، إن كان هو حقاً يحب هذا الاسم ويفضله كما زعمت رواية سالم؟
رابعاً: الموقف الشرعي من التسمية بـ "حرب"
إن ادعاء "إحسان التسمية" يسقطه المنظور الإسلامي للمفردات؛ إذ إن لفظة (حرب) من الأسماء والمفردات التي يكره الإسلام تكرارها على ألسنة الناس اسماً وصفةً، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن التسمّي بها، واعتبرها من أقبح الأسماء التي يعاد تنشيطها في المجتمع المسلم بعد أن كانت رمزاً لأيام الجاهلية وانحطاطها الفكري المرتكز على الغزو والنزاع.
فقد روى أبو داود في سننه عن أبي وهب الجشمي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تَسَمَّوْا بأسماءِ الأنبياءِ ، وأحبُّ الأسماءِ إلى اللهِ عبدُ اللهِ ،وعبدُ الرحمنِ ، وأصدُقُها حارثٌ، وهَمَّامٌ ، وأقبَحُها حَرْبٌ، ومُرَّةُ.
أخرجه أبو داود (4950) واللفظ له، والنسائي (3565)، وأحمد (19032) باختلاف يسير تامًا. قال الشارح"وأقبحُها حَربٌ، ومُرَّةُ"؛ وذلك لِمَا في الحربِ من بَشاعةِ القتلِ والتَّدميرِ، وما في مُرَّة مِن المرارةِ التي تَأباها الطِّباعُ
وعن أبي وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سموا أولادكم أسماء الأنبياء، وأحسن الأسماء: عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة) .
أخرجه: ابن قتيبة في غريب الحديث من طريق عمران بن موسى (1/ 80) ، والدولابي في الكنى والأسماء عن إبراهيم بن يعقوب السعدي واللفظ له (1/ 177) ، وقوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني في الترغيب والترهيب من طريق عمران (1/ 261).
خلاصة القول:
أين وجه الإحسان الذي استشفه الأستاذ العقَّاد من التسمي بـ (حرب)؟ بعدما تبينت نكارة المتن وضَعف السند، وتنصيص الأحاديث الشريفة الصريحة على قبح هذا الاسم وكراهة التسمّي به؛ فالروايات الضعيفة لا تُنهض دليلاً فكرياً، والتظافر السندي والموضوعي يثبت بطلان هذه المرويات، وأن أسماء الائمة عليهم السلام كانت اختياراً وتوجيهاً نبوياً خالصاً منذ اللحظة الأولى.
1- اعتمدت نسخة مؤسسة هنداوي المطبوعة 2014م، يمكن تحميلها عبر الموقع (pdf).







حسن الدخيلي
منذ 1 ساعة
الحسين بين الأمس واليوم
عاشوراء.. تبديل رايات العزاء وتجديد الولاء
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
EN