Logo

بمختلف الألوان
في وطنٍ تئنُّ روحه من ثِقل الأيام، وتتوقُّ أجياله إلى فجرٍ يمحو ظلام اليأس، انبعث نورٌ من قلب مدينة مقدسة، نورٌ يملأ الوطن ضياءً، وأيدٍ أمينة تعانق آماله واحلامه. سطع نور العتبة العباسية المقدسة، التي لطالما كانت مَوئِلاً للعلم والمعرفة، لتتجاوز دورها الديني وتصبح حاضنة حقيقية للطاقات الشابة،... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
معاوية بن "أبي سفيان": قراءة نقدية في تأسيس الدولة الأموية وتحول الشرعية السياسية وأثرها المستمر على الانقسام الإسلامي

منذ ساعتين
في 2026/02/18م
عدد المشاهدات :22
معاوية بن "أبي سفيان": قراءة نقدية في تأسيس الدولة الأموية وتحول الشرعية السياسية وأثرها المستمر على الانقسام الإسلامي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
14/02/2026
لطالما ارتبط اسم معاوية بن "أبي سفيان" بصور درامية ومجسّمة في بعض الخطابات والقصص الموضوعة، إذ غالبًا ما قُدِّم كبطل حكيم أو رجل دولة محنك. هذه التصورات، وإن كانت جذابة، أسهمت في تزييف فهم التاريخ المبكر للخلافة الإسلامية لدى بعض الأجيال، فجعلت الفعل السياسي في عهده محكومًا بالأسطورة أكثر من الوقائع. غير أن التحقيق النقدي في المصادر التاريخية المبكرة يكشف عن واقع أكثر تعقيدًا وإشكالية: فقد أظهرت الروايات المعتبرة أن سياسات معاوية في إدارة السلطة، وقمع المعارضين، وإقرار التوريث، شكّلت منعطفًا حاسمًا في مسار الأمة الإسلامية، وأسهمت في انقسام سياسي ومذهبي طويل الأمد، انعكاساته ما تزال قائمة حتى يومنا هذا.
يعرض هذا المقال مجموعة من الوقائع الدقيقة المستمدة من كتب التاريخ والآثار، لتوضيح هذه الحقائق، ومقارنتها بما يُروّج عن شخصيته في الخطابات المبالغ فيها، مع التركيز على أثرها المباشر في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي داخل الأمة.
معاوية هو أبو عبد الرحمن معاوية بن "أبي سفيان صخر بن حرب" بن أمية. وقد اختلفت الروايات في سنة ولادته، فقيل: قبل البعثة بخمس سنين، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة سنة. وأمه هند بنت عتبة. وتذكر بعض المصادر مسألة انتساب أمية إلى عبد شمس بوصفه نسبًا لصيقًا لا أصيلًا، وحسب هذه الروايات فهو ليس قريشيًا إنما رومياً. ويُعدّ معاوية من الطلقاء يوم فتح مكة. وقد ورد في بعض كتب الحديث دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه بقوله: «اللهم لا تشبع له بطنًا». ومن أوصافه أنه كان يخضب لحيته، وقيل إنه كان يصبغها حتى تميل إلى الصفرة. كما اشتهر عنه أنه كان خمارًا ويحب مجالس اللهو ومعاشرة النساء.
يُعد معاوية أول حاكم أموي، وقد استولى على السلطة بعد الصلح مع الإمام الحسن بن علي عليه السلام سنة 41 هـ، وهو العام الذي سُمّي في بعض المصادر بـ«عام الجماعة». غير أن الجاحظ، في رسائله (ج2، ص11)، نقل توصيفًا مغايرًا لذلك العام، معتبرًا أنه كان عام غلبة وقهر، وتحول فيه نظام الإمامة إلى ملك ذي طابع كسروي وقيصري.
تولى معاوية في عهد عمر بن الخطاب ولاية الأردن، ثم بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان بطاعون عمواس، جمع له عمر ولاية الشام. وأقرّه عثمان بن عفان واليًا على الشام بأسرها، وكان الإمام علي عليه السلام معارضًا لتولية معاوية على الشام. وتذكر بعض المصادر أنه لم يسعف عثمان عسكريًا عند اشتداد الفتنة عليه، رغم استغاثته به، كما ورد في تاريخ الإسلام للذهبي (ص450–451)، وفي روايات أوردها ابن كثير في الكامل في التاريخ (ج2، ص528)، تفيد أن معاوية عرض على عثمان الانتقال إلى الشام، إلا أن عثمان رفض ذلك.
وفي خلافة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، خرج معاوية على إمامه مطالبًا بدم عثمان، فوقعت معركة صفين سنة 37هـ، وكادت الكفة تميل لجيش الإمام علي عليه السلام لولا حادثة رفع المصاحف والتحكيم. وقد تم توصيف الفئة التي خرجت على الإمام علي عليه السلام بالفئة الباغية. وبعد استشهاد الإمام علي سنة 40هـ، تم الصلح بين الأمام الحسن عليه السلام ومعاوية، فآلت السلطة إليه، واتخذ دمشق عاصمة لحكمه.
وتذكر بعض المصادر أنه لم يكن له دور قتالي بارز في صد هجمات الجيش البيزنطي على ثغور المسلمين، وإن كانت روايات أخرى تشير إلى التحاقه بجيش أبي بكر بقيادة أخيه يزيد في الشام، وحضوره تحرير بعض المدن الساحلية مثل صيدا وجبيل وبيروت وعكا وصور دون قتال.
لقد حفظت لنا كتب التاريخ والآثار طيفًا واسعًا من الوقائع المنسوبة إلى معاوية بن "أبي سفيان" خلال فترة حكمه، وهي وقائع شكّلت مادة جدلٍ مبكر في التراث الإسلامي. فمن ذلك ما أورده عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (ج2، ص92) من أنه صلى الجمعة يوم الأربعاء، وصلى بغير بسملة، فاعترض عليه بعض المهاجرين والأنصار، وهي رواية استُحضرت في سياق نقد مخالفته لما استقرّ عليه العمل عند جمهور الصحابة. كما يذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج1، ص340؛ ج2، ص6) أنه استدعى بسر بن أبي أرطاة، واصفًا إياه بالقسوة وسفك الدماء، وأمره أن يسلك طريق الحجاز إلى مكة ثم اليمن، وألا يدع بلدًا على طاعة الإمام علي عليه السلام إلا خوّفه وأخضعه، وأن يدعو الناس إلى البيعة، فمن أبى قُتل، وأن يُتتبع شيعة علي عليه السلام حيث كانوا. وهذه السياسات العنيفة، التي اعتمدها معاوية لتعزيز سلطته وإخضاع المعارضين، تتجلى في نسخها المعاصرة عبر الجماعات التي تشرعن العنف السياسي باسم السلطة أو العقيدة، كما شهدناه في العراق وسوريا. وتذكر الروايات أن بسرًا قتل في حملته خلقًا كثيرًا، ومنهم ابنا عبيد الله بن العباس، وكانا غلامين صغيرين.
تشير المصادر إلى أن معاوية لم يقتصر على القمع المادي والمعارضين المسلحين، بل استثمر المنابر الدينية والسياسية لتكريس سلطته. فقد شرّع على المنابر السبّ المباشر للإمام علي عليه السلام، وتكرّر ذلك في مناسبات عامة أمام الجمهور، بما يعكس استراتيجيات السيطرة الرمزية عبر تحقير معارضيه المعنوي والديني. وقد ذكر الجاحظ في البيان والتبيين (ج2، ص42) أن هذا الأسلوب لم يقتصر على التوبيخ، بل تضمن استدعاء أعداد من الجماهير لتأكيد الطاعة والولاء للوالي الأموي، وتعظيم صورة الخليفة بما يحول المعارض إلى رمز للعداء والخروج عن الامة، وهو نهج مكّن معاوية من تحويل السلطة إلى قوة سياسية ودينية مجمعة، فكان الخطاب الإعلامي المبكر أداة لا تقل تأثيرًا عن القوة العسكرية في تثبيت الحكم.
وتنسب إليه المصادر أيضًا قتل عدد من الشخصيات المعارضة من الصحابة والتابعيين الاوليين أو المرتبطة بمعسكر الإمام علي، ومنهم حجر بن عدي بعد امتناعه عن البراءة، كما في الاستيعاب لابن عبد البر (ج1، ص197)، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وقد ذكر خليفة بن خياط في تاريخه (ص153) أن رأسه صُلب، وقيل إنه أول رأس صُلب في الإسلام وتمثل احدى بدع معاوية التي احدثها. كما تُسند إليه روايات مقتل محمد بن أبي بكر، ومقتل محمد بن أبي حذيفة بعد أسره، ومقتل عبد الرحمن بن عديس البلوي، وقد ورد ذكر الأخير في معجم البلدان لياقوت الحموي (ج2، ص157). وتذكر بعض المصادر أنه دسّ السم لعدد من الشخصيات، ومنهم الإمام الحسن بن علي، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومالك الأشتر النخعي، كما في عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (ج1، ص171–172)، كما أورد ابن أبي الحديد (ج16، ص49) ما يتعلق بقتله سعد بن أبي وقاص في هذا السياق.
ومن الوقائع التي أثارت اعتراضًا واسعًا استلحاقه زياد بن سمية ونسبته إلى أبي سفيان، وهو ما عُدّ خروجًا على القاعدة النبوية «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقد وردت تفاصيل ذلك في عدد من المصادر التاريخية، واعتُبر قرارًا سياسيًا له أبعاده السلطوية، لا سيما وأن زياد ارتبط اسمه بسياسات القمع في العراق، ومهّد نفوذه لما جرى لاحقًا في عهد ابنه عبيد الله بن زياد بن سمية.
وفي سياق الاحتجاج العلني على سياساته، أورد محمد باقر المجلسي في بحار الأنوار (ج44، ص212) النص الكامل لرسالة الإمام الحسين بن علي عليه السلام إلى معاوية، وهي رسالة ذات دلالة سياسية وأخلاقية بالغة، جاء فيها:
"أمّا بعد: فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أمور لم تكن تظنّني بها رغبة بي عنها، وإنّ الحسنات لا يهدي لها، ولا يسدّد إليها إلا الله تعالى. وأمّا ما ذكرت أنّه رُقي إليك عنّي، فإنّما رقّاه الملّاقون المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون. ما أردت حربًا ولا خلافًا، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المُحِلّين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. ألست قاتل حِجْر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؟ فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكّدة، جرأةً على الله، واستخفافاً بعهده؟ أولست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة؟ فقتلته من بعدما أعطيته العهود ما لو فهمته العُصْم نزلت من شُعَف الجبال. أولست المدّعي زيادًا في الإسلام، فزعمت أنّه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول الله أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر؟ ثم سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم على جذوع النخل. سبحان الله يا معاوية! لكأنّك لست من هذه الأمة، وليسوا منك. أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين علي، ودين عليّ هو دين ابن عمّه الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك، فتجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم. وقلت فيما قلت: لا تُرِدّ هذه الأمة في فتنة. وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك؛ فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي، وإن لم أفعل فأستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحبّ ويرضى. واتّق الله يا معاوية! واعلم أنّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، واعلم أنّ الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا قد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية، والسلام."
كما أورد ابن كثير في الكامل في التاريخ (ج2، ص528) أن معاوية استثمر اضطراب الأوضاع في أواخر خلافة عثمان بن عفان سياسيًا، وأنه عرض عليه الانتقال إلى الشام، فلما رفض لم يتدخل لحمايته. وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (ص450–451) أن عثمان بعث إليه برسالة عتاب حين اشتدت الأزمة. كما أورد الرازي في نثر الدر (ج4، ص62) وابن طيفور في بلاغات النساء (ص138–139) خبر خطبته لزوجة عثمان بعد انتقالها إلى الشام، وأنها رفضت الزواج منه.
بهذا العرض يتبين أن صورة معاوية في المصادر ليست أحادية، بل محمّلة بروايات معتبرة نقدية كثيفة، شكّلت أساسًا لاتجاهٍ واسع في التراث الإسلامي يرى في سياساته الأمنية، وتعامله مع المعارضين، وإقراره مبدأ التوريث، عواملَ مفصلية في تعميق الانقسام السياسي داخل الأمة الإسلامية.
وقد نقلت كتب التاريخ تصريحات منسوبة إلى معاوية تؤكد هذا التحول، منها قوله: «أنا أول الملوك» كما في تاريخ اليعقوبي (ج2، ص232) والمصنف لابن أبي شيبة (ج11، ص147)، وقوله: «ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا... وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم»، كما في شرح نهج البلاغة (ج16، ص46) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (ج25، ص43–45). كما ورد في الإمامة والسياسة لابن قتيبة (ج1، ص214–205) قوله إن الملك يؤتيه الله من يشاء، وإن أمر يزيد قضاء من الله، وهو ما يعكس توظيفًا دينيًا لمشروعية السلطة. وهذه الطريقة في تبرير السلطة الدينية والسياسية، التي بدأت في عهد معاوية، نجد آثارها تتكرر في بعض الأنظمة الحديثة التي تستخدم النصوص الدينية لتدعيم حكمها.
كما نقلت المصادر خطب زياد بن سمية في البصرة والكوفة، كما في الفتوح لابن أعثم (ج4، ص180) والبيان والتبيين للجاحظ (ج2، ص42) وتاريخ الطبري (ج5، ص220)، بما يدل على ترسيخ خطاب السلطان الإلهي. وكرر يزيد المعنى ذاته في أول خطبة له، كما في الإمامة والسياسة وأنساب الأشراف للبلاذري (ج5، ص229).
أما على الصعيد الخارجي، فإن المصادر الكلاسيكية، وفي مقدمتها الطبري، تذكر أن الصراع مع الدولة البيزنطية اتخذ طابع الحملات الموسمية، غير أن حصار القسطنطينية انتهى دون تحقيق هدفه، كما أشار ابن الأثير إلى أثر النار الإغريقية في إضعاف الأسطول الإسلامي، مما ينفي الادعاء بأن البحر المتوسط تحول إلى «بحيرة إسلامية» في عهده. كما يبيّن البلاذري والطبري أن فتح العراق وفارس تم في عهد عمر، وأن الأندلس فُتحت سنة 92هـ في عهد الوليد بن عبد الملك، مما يجعل نسبة تلك الفتوحات إلى معاوية خلطًا زمنيًا لا يستقيم مع التحقيق التاريخي. أما مسألة سكّ الدينار الإسلامي، فقد أثبت المقريزي أن الإصلاح النقدي الكامل وقع في عهد عبد الملك بن مروان، لا في عهد معاوية.
وعند النظر إلى ما أعقب وفاته سنة 60هـ، والمدفون في مقبرة باب الصغير بدمشق، يتضح أن نظام التوريث الذي أسسه أفضى إلى أزمة كربلاء سنة 61هـ، كما يذكر الطبري وابن كثير، وهو ما اعتبره يوليوس فلهاوزن نتيجة مباشرة لتحول الخلافة إلى ملك وراثي.
وبذلك يتبين أن حكم معاوية مثّل مرحلة تأسيسية للدولة الأموية التي استمرت 91 سنة، وتولى الحكم فيها أربعة عشر خليفة من معاوية إلى مروان بن محمد. وقد تمكن معاوية من تثبيت أركان دولة مركزية قوية بحد السيف، لكنه في الوقت نفسه أسس لتحول بنيوي عميق من الخلافة الشورية إلى الملك الوراثي، وهو تحول ظل مؤثرًا في التاريخ السياسي الإسلامي حتى العصور اللاحقة. وتذهب بعض المصادر إلى القول إن معاوية كان السبب في الانحراف عن الرسالة المحمدية الأصيلة التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم.
وإذا كان الجدل حول شخصية معاوية بن "أبي سفيان" قد انقسم تاريخيًا بين تمجيدٍ مطلق وتجريمٍ مطلق، فإن القراءة التاريخية النقدية تُظهر أن أخطر ما في تجربته السياسية لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل التحول البنيوي الذي أحدثه في مفهوم الشرعية ذاته حين أقرّ توريث الحكم بتعيين ابنه يزيد بن معاوية وليًا للعهد. لقد مثّل هذا القرار قطيعة واضحة مع مبدأ الشورى الذي استندت إليه شرعية الحكم في التجربة الإسلامية الأولى، وأعاد تعريف الخلافة بوصفها سلطة أسرية قابلة للانتقال الوراثي، لا عقدًا رضائيًا يقوم على الاختيار العام أو الإجماع السياسي.
وقد جاءت أحداث كربلاء سنة 61 هـ، ثم وقعة الحرة سنة 63 هـ، وما رافقهما من قتلٍ وانتهاكٍ لحرمة المدينة، لتجسّد عمليًا النتائج الكارثية لذلك التحول. فالمصادر التاريخية المبكرة، وفي طليعتها الطبري وابن الأثير، تسجل تفاصيل الصدام الدموي بين السلطة المركزية وقطاعات من المهاجرين والأنصار وأبناء الصحابة، بما يكشف أن الانقسام لم يعد نظريًا أو سياسيًا محدودًا، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة داخل الجسد الإسلامي ذاته. وحتى إن اختلف المؤرخون في تحديد حدود المسؤولية المباشرة، فإن الثابت تاريخيًا أن تأسيس نظام التوريث هو الذي مهّد لهذا المسار، إذ ألغى عمليًا إمكانية التداول التوافقي للسلطة، وأغلق باب المراجعة الجماعية لشرعيتها.
إن أخطر ما ترتب على هذا التحول لم يكن فقط سفك الدماء، بل إعادة تشكيل بنية الانقسام الإسلامي على أسس عقدية وسياسية دائمة. فمنذ إقرار التوريث، لم يعد الخلاف حول الحاكم خلافًا في تدبيرٍ إداري، بل صار خلافًا في أصل المشروعية ومصدرها، وتحوّل إلى انقسام مذهبي وفكري ممتد عبر القرون. وهكذا يمكن القول، ضمن منظور نقدي تاريخي، إن لحظة توريث الحكم في عهد معاوية شكّلت نقطة الانكسار الكبرى في مسار الإجماع الإسلامي؛ إذ نقلت الأمة من طور الاختلاف السياسي القابل للاحتواء إلى طور الانقسام البنيوي، الذي ما تزال ارتداداته حاضرة في الوعي والواقع حتى يومنا هذا.
ومهما حاولت أي سردية حديثة لتجميل صورة معاوية بن "أبي سفيان"، فهي سرعان ما تسقط أمام الحقائق التاريخية، والروايات المعتبرة للباحثين عن الحقيقة. فالتوثيق الدقيق للوقائع، والرجوع إلى المصادر المبكرة، يكشف السياسة الأمنية والعنف المنهجي، واستثمار المنابر الدينية، وتحويل السلطة إلى حكم وراثي، وكل ما سبق يُثبت أن صورة البطل الحكيم أو الرجل الدولة المحنك ما هي إلا طبقة من الأسطورة التي لا تلبس واقع الأحداث. إن التاريخ، بما يحمله من شهادات، ووقائع، وروايات موثقة، يظل أصدق وأقوى من أي تجميل، ويُظهر أن تجربة معاوية لم تكن مجرد خلاف على السلطة، بل لحظة فاصلة غيّرت مفهوم الشرعية السياسية وأثرت في بنية الانقسام الإسلامي لقرون طويلة. وهكذا، يظل المنهج النقدي التاريخي الأصدق وسيلة الباحثين عن الحقيقة لفهم مسار الأمة، بعيدًا عن أي تحيّز أو تقويم إساطيري، مؤكّدًا أن قراءة الماضي بشجاعة وموضوعية هي الطريق الوحيد لفهم حاضر الأمة ومستقبلها.
مفهوم الأمن المجتمعي
بقلم الكاتب : د.فاضل حسن شريف
جاء في مجلة العلوم السياسية للكاتبة الكوثر عبد الباري حسين يواجه الأمن المجتمعي في العراق تحديات كبيرة، لا سيما في السنوات التي أعقبت عام 2003. ويتمحور الموضوع الرئيسي لهذا البحث حول الموارد والفرص المتاحة لتعزيز الأمن المجتمعي، ومدى إمكانية تبني سياسات عامة أكثر فعالية لمواجهة التحديات التي تعيق... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

يا حجة ظهورك هو اليوم * الموعود في قرآن الكرماء يا حجة ولدت في أرض * تحيطها الأعداء... المزيد
لم يكن ميلاد الشعر الحر في العراق حدثًا عابرًا في تاريخ الشعر العربي الحديث، بل... المزيد
جاء في موقع اجابة: تكرار بعض الآيات في القرآن يأتي لأسباب عديدة، بعضها: 1- التأكيد... المزيد
لمّا أرخى الليلُ ستوره، وجلس وحده حيث لا شاهد إلا الصمت، أدرك أن الكلمات التي... المزيد
عن كتاب أسرار التكرار في القرآن للمؤلف محمود بن حمزة بن نصر الكرماني: سورة يونس: 191... المزيد
في ذلك اليوم ستميل الشمس إلى حمرةٍ داكنة، كأنها تعتصرُ من أفق الشام دماً عبيطاً. الريحُ...
عن موسوعة الوافر: ما الفرق بين الجناس والطباق والسجع؟ السجع هو توافق الحرف الأخير من...
بقلم| مجاهد منعثر منشد رهيفة الحسِّ تغمره بالحنان والعاطفة, يستنشق من مناهل الكوثر ثغرا تحلى...
جاء في موقع اللغة العربية صاحبة الجلالة عن حرف الفاء للكاتب محمد يحيى كعدان: وذهب الفراء إلى...


منذ ساعتين
2026/02/18
عن شركة برنز فاي مفهوم الامن السيبراني أبرز أنواعه وأهميته للشركات: مع تنامي...
منذ 7 ايام
2026/02/12
تُعدّ النيوكليوتيدات من أكثر الجزيئات أهمية في الأنظمة الحيوية، إذ لا يقتصر...
منذ 7 ايام
2026/02/12
تخطط أربع من أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية إلى إنفاق رأسمالي قياسي قد يصل إلى...