أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
...لما
خلا خاطره وانجلى ناظره اهتم بعمر بن سعد وابنه حفص حدث عمر بن الهيثم قال كنت
جالسا عن يمين المختار والهيثم بن الأسود عن يساره فقال والله لأقتلن رجلا عظيم
القدمين غائر العينين مشرف الحاجبين يهمر برجله الأرض يرضي قتله أهل السماء والأرض
فسمع الهيثم قوله ووقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد فبعث ولده العريان فعرفه قول
المختار وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أعز الناس على المختار قد أخذ لعمر أمانا
حيث اختفى فيه ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) هذا أمان المختار بن أبي
عبيد الثقفي لعمر بن سعد بن أبي وقاص إنك آمن بأمان الله على نفسك وأهلك ومالك
وولدك لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك إلا أن تحدث حدثا
فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد عليهم السلام فلا يعرض له إلا
بسبيل خير والسلام ثم شهد فيه جماعة.
قال الباقر عليه
السلام إنما قصد المختار أن يحدث حدثا هو أن يدخل بيت الخلاء ويحدث فظهر عمر إلى
المختار فكان يدنيه ويكرمه ويجلسه معه على سريره.
وعلم أن قول
المختار عنه فعزم على الخروج من الكوفة فأحضر رجلا من بني تيم اللات اسمه مالك
وكان شجاعا وأعطاه أربعمائة دينار وقال هذه معك لحوائجنا وخرجا فلما كان عند حمام
عمر أو نهر عبد الرحمن وقف وقال أتدري لم خرجت قال لا قال خفت المختار فقال ابن
دومة يعني المختار أضيق استا من أن يقتلك وإن هربت هدم دارك وانتهب عيالك ومالك
وخرب ضياعك وأنت أعز العرب فاغتر بكلامه فرجعا على الروحاء فدخلا الكوفة مع
الغداة.
هذا قول
المرزباني وقال غيره إن المختار علم خروجه من الكوفة فقال وفينا له وغدر وفي عنقه
سلسلة لو جهد أن ينطلق ما استطاع فنام عمر على الناقة فرجعت وهو لا يدري حتى ردته
إلى الكوفة فأرسل عمر ابنه إلى المختار قال له أين أبوك قال في المنزل ولم يكونا
يجتمعان عند المختار وإذا حضر أحدهما غاب الآخر خوفا أن يجتمعا فيقتلهما فقال حفص
أبي يقول أتفي لنا بالأمان قال اجلس وطلب المختار أبا عمرة وهو كيسان التمار فأسر
إليه أن اقتل عمر بن سعد وإذا دخلت ورأيته يقول يا غلام علي بطيلساني فإنه يريد
السيف فبادره واقتله فلم يلبث أن جاء ومعه رأسه فقال حفص ( إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) فقال له أتعرف هذا الرأس قال نعم ولا خير في العيش
بعده فقال إنك لا تعيش بعده فقال وأمر بقتله وقال المختار عمر بالحسين وحفص بعلي
بن الحسين ولا سواء والله لأقتلن سبعين ألفا كما قتل بيحيى بن زكريا عليه السلام
وقيل إنه قال لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لما وفوا بأنملة من أنامل الحسين عليه
السلام.
وكان محمد بن
الحنفية يعتب على المختار لمجالسة عمر بن سعد وتأخير قتله فحمل الرأسين إلى مكة مع
مسافر بن سعد الهمداني وظبيان بن عمارة التميمي فبينا محمد بن الحنفية جالسا في
نفر من الشيعة وهو يعتب على المختار فما تم كلامه إلا والرأسان عنده فخر ساجدا
وبسط كفيه وقال اللهم لا تنس هذا اليوم للمختار وأجزه عن أهل بيت نبيك محمد خير
الجزاء فو الله ما على المختار بعد هذا من عتب.
فلما قضى
المختار من أعداء الله وطره وحاجته وبلغ فيهم أمنيته قال لم يبق علي أعظم من عبيد
الله بن زياد فأحضر إبراهيم بن الأشتر وأمره بالمسير إلى عبيد الله فقال إني خارج
ولكني أكره خروج عبيد الله بن الحر معي وأخاف أن يغدر بي وقت الحاجة فقال له أحسن
إليه واملأ عينه بالمال وأخاف إن أمرته بالقعود عنك فلا يطيب له فخرج إبراهيم من
الكوفة ومعه عشرة آلاف فارس وخرج المختار في تشييعه وقال اللهم انصر من صبر واخذل
من كفر ومن عصى وفجر وبايع وغدر وعلا وتجبر فصار إلى سقر ( لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
) ليذوق العذاب الأكبر ثم رجع ومضى إبراهيم وهو يرتجز ويقول :
أنا وحق
المرسلات عرفا
حقا وحق
العاصفات عصفا
لنعسفن من بغانا
عسفا
حتى يسوم القوم
منا خسفا
زحفا إليهم لا
نمل الرجفا
حتى نلاقي بعد
صف صفا
وبعد ألف قاسطين
ألفا
نكشفهم لدى
الهياج كشفا
فسار إلى
المدائن فأقام بها ثلاثا وسار إلى تكريت فنزلها وأمر بجباية خراجها ففرقه وبعث إلى
عبيد الله بن الحر بخمسة آلاف درهم فغضب فقال أنت أخذت لنفسك عشرة آلاف درهم وما
كان الحر دون مالك فحلف إبراهيم إني ما أخذت زيادة عليك ثم حمل إليه ما أخذه لنفسه
فلم يرض وخرج على المختار ونقض عهده وأغار على سواد الكوفة فنهب القرى وقتل العمال
وأخذ الأموال ومضى إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير.
فلما علم
المختار أرسل عبد الله بن كامل إلى داره فهدمها وإلى زوجته سلمى بنت خالد الجعفية
حبسها ثم ورد كتاب المختار إلى إبراهيم يحثه على تعجيل القتال فطوى المراحل حتى
نزل على نهر الخازر على أربعة فراسخ من الموصل وعبيد الله بن زياد بها قال عبد
الله بن أبي عقب الديلمي حدثني خليلي أنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر
فيكشفونا حتى نقول هي هي ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فأبشروا واصبروا فإنكم لهم
قاهرون فعلم عبيد الله بقدوم إبراهيم فرحل في ثلاثة وثمانين ألفا حتى نزل قريبا من
عسكر العراق وطلبهم أشد طلب وجاءهم في جحفل لجب وكان مع ابن الأشتر أقل من عشرين
ألفا وكان في عسكر الشام من أشراف بني سليم عمير بن الحباب فراسله إبراهيم ووعده
بالحباء والإكرام فجاء ومعه ألف فارس من بني عمه وأقاربه فصار مع عسكر العراق
فأشار عليهم بتعجيل القتال وترك المطاولة فلما كان في السحر صلوا بغلس وعبأ
إبراهيم أصحابه فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد الأزدي وعلى ميسرته علي بن مالك
الجشمي وعلى الخيل الطفيل بن لقيط النخعي وعلى الرجالة مزاحم بن مالك السكوني ثم
زحفوا حتى أشرفوا على أهل الشام ولم يظنوا أنهم يقدمون عليهم لكثرتهم فبادروا إلى
تعبئة عسكرهم فجعل عبيد الله على ميمنته شراحيل بن ذي الكلاع وعلى ميسرته ربيعة بن
مخارق الغنوي وعلى جناح ميسرته جميل بن عبد الله بن الغنمي وفي القلب الحصين بن
نمير ووقف العسكران والتقى الجمعان فخرج ابن ضبعان الكلبي ونادى يا شيعة المختار
الكذاب يا شيعة ابن الأشتر المرتاب :
أنا ابن ضبعان الكريم المفضل
من عصبة يبرون
من دين علي
كذاك كانوا في
الزمان الأول
فخرج إليه
الأحوص بن شداد الهمداني وهو يقول :
أنا ابن شداد
على دين علي
لست لعثمان بن
أروى بولي
لأصلين القوم
فيمن يصطلي
بحر نار الحرب
حتى تنجلي
فقال للشامي ما
اسمك قال منازل الأبطال قال له الأحوص وأنا مقرب الآجال ثم حمل عليه وضربه فسقط
قتيلا ثم نادى هل من مبارز فخرج إليه داود الدمشقي وهو يقول :
أنا ابن من قاتل
في صفينا
قتال قرن لم يكن
غبينا
بل كان فيها
بطلا جرونا
مجربا لدى الوغى
كمينا
فأجابه الأحوص
يقول :
يا ابن الذي
قاتل في صفينا
ولم يكن في دينه
غبينا
كذبت قد كان بها
مغبونا
مذبذبا في أمره
مفتونا
لا يعرف الحق
ولا اليقينا
بؤسا له لقد مضى
ملعونا.
ثم التقيا فضربه
الأحوص فقتله ثم عاد إلى صفه وخرج الحصين بن نمير السكوني وهو يقول :
يا قادة الكوفة
أهل المنكر
وشيعة المختار
وابن الأشتر
هل فيكم قوم
كريم العنصر
مهذب في قومه
بمفخر
يبرز نحوي قاصدا
لا يمتري
فخرج إليه شريك
بن خزيم التغلبي وهو يقول :
يا قاتل الشيخ
الكريم الأزهر
بكربلاء يوم
التقاء العسكر
أعني حسينا ذا
الثنا والمخفر
وابن النبي
الطاهر المطهر
وابن علي البطل
المظفر
هذا فخذها من
هزبر قسور
ضربة قوم ربعي
مضري.
فالتقيا بضربتين
فجدله التغلبي صريعا فدخل على أهل الشام من أهل العراق مدخل عظيم.
ثم تقدم إبراهيم
ونادى ألا يا شرط الله ألا يا شيعة الحق ألا يا أنصار الدين قاتلوا المحلين وأولاد
القاسطين لا تطلبوا أثرا بعد عين هذا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين ثم حمل على
أهل الشام وضرب فيهم بسيفه وهو يقول :
قد علمت مذحج
علما لا خطل
أني إذا القرن
لقيني لا وكل
ولا جزوع عندها
ولا نكل
أروع مقداما إذا
النكس فشل
أضرب في القوم
إذا جاء الأجل
واعتلى رأس
الطرماح البطل
بالذكر البتار
حتى ينجدل
وحمل أهل العراق
معه واختلطوا وتقدمت رايتهم وشبت فيهم نار الحرب ودهمهم العسكر بجناحيه والقلب إلى
أن صلوا بالإيماء والتكبير صلاة الظهر واشتغلوا بالقتال إلى أن تحلى صدر الدجى
بالأنجم الأزهر وزحف عليهم عسكر العراق فرحا بالمصاع وحرصا على القراع ووثوقا بما
وعدهم الله به من النصر وحسن الدفاع وانقضوا عليهم انقضاض العقبان على الرخم
وجالوا فيهم جولان السرحان على الغنم وعركوهم عرك الأديم ودحوا بهم إلى عذاب
الجحيم وأذاقوهم أسنة الرماح النازعة للمهج والأرواح فلم تزل الحرب قائمة والسيوف
لأجسادهم منتهبة فولى عسكر الشام مكسورا عليه ذلة الخائب الخجل وارتياع الخائف
الوجل وعسكر العراق منصورا وعلى وجههم مسحة المسرور الثمل وتبعوهم إلى متون النجاد
وبطون الوهاد والنبل ينزل عليهم كصيب العهاد.
ثم انجلت الحرب
وقد قتل أعيان أهل الشام مثل الحصين بن نمير وشراحبيل بن ذي الكلاع وابن حوشب
وغالب الباهلي وأبي أشرس بن عبد الله الذي كان على خراسان وحاز إبراهيم ره فضيلة
هذا الفتح وعاقبة هذا المنح الذي انتشر في الأقطار ودام دوام الأعصار ولقد أحسن
عبد الله بن الزبير الأسدي يمدح إبراهيم الأشتر فقال :
الله أعطاك
المهابة والتقى
وأحل بيتك في
العديد الأكثر
وأقر عينك يوم
وقعة خازر
والخيل تعثر في
القنا المتكسر
من ظالمين كفتهم
أيامهم
تركوا لحاجلة
وطير أعثر
ما كان أجرأهم
جزاهم ربهم
يوم الحساب على
ارتكاب المنكر
قال الرواة
رأينا إبراهيم بعد ما انكسر العسكر وانكسف العثير قوما منهم ثبتوا وصبروا وقاتلوا
فلقطهم من صهوات الخيل وقذفهم في لهوات الليل حتى صبغت الأرض من دمائهم ثيابا حمرا
وملأ الفجاج ببأسه ذعرا وتساقطت النسور على النسور وأهوت العقبان على أجسادهم وهي
كالعقيق المنثور واصطلح على أكل لحمهم الذئب والسبع والسيد والضبع.
قال إبراهيم
وأقبل رجل أحمر في كبكبة يغري الناس كأنه بغل أقمر لا يدنو منه فارس إلا صرعه ولا
كمي إلا قطعه فدنا مني فضربت يده فأبنتها وسقط على شاطئ الخازر فشرقت يداه وغربت
رجلاه فقتلته ووجدت رائحة المسك تفوح منه وجاء رجل نزع خفيه وظنوا أنه ابن زياد من
غير تحقيق فطلبوه فإذا هو على ما وصف إبراهيم فاجتزوا رأسه واحتفظوا طول الليل
بجسده فلما أصبحوا عرفه مهران مولى زياد فلما رآه إبراهيم قال الحمد لله الذي أجرى
قتله على يدي وقتل في صفر وقال قوم من أصحاب الحديث يوم عاشوراء وعمره دون
الأربعين وقيل تسع وثلاثون سنة وأصبح الناس فحووا ما كان وغنموا غنيمة عظيمة ولقد
أجاد أبو السفاح الزبيدي بمدحته إبراهيم وهجائه ابن زياد فقال :
أتاكم غلام من
عرانين مذحج
جريء على
الأعداء غير نكول
أتاه عبيد الله
في شر عصبة
من الشام لما
أرضيوا بقليل
فلما التقى
الجمعان في حومة الوغى
وللموت فيهم ثم
جر ذيول
فأصبحت قد ودعت
هندا وأصبحت
مولهة ما وجدها
بقليل
وأخلق بهند أن
تساق سبية
لها من أبي
إسحاق سر حليل
تولى عبيد الله
خوفا من الردى
وخشية ماضي
الشفرتين صقيل
جزى الله خيرا
شرطة الله إنهم
شفوا بعبيد الله
كل غليل
يعني بقوله هند
بنت أسماء بن خارجة زوجة عبيد الله لما قتل حملها عتبة أخوها إلى الكوفة وبقوله
أبي إسحاق هو المختار.
وهرب غلام لعبيد
الله إلى الشام فسأله عبد الملك بن مروان عنه قال لما جال الناس تقدم فقاتل ثم قال
ايتني بجرة فيها ماء فأتيته فشرب وصب الماء بين درعه وجسده وصب على ناصية فرسه ثم
حمل فهذا آخر عهدي به.
قال يزيد بن
مفرغ يهجو ابن زياد :
إن المنايا إذا
حاولن طاغية
هتكن عنه ستورا
بعد أبواب
إن الذي عاش
غدارا بذمته
ومات هزلا قتيل
الله بالراب
ما شق جيب ولا
ناحتك ناحية
ولا بكتك جياد
عند أسلاب
هلا جموع نزار
إذ لقيتهم
كنت امرأ من
نزار غير مرتاب
أو حمير كنت
قيلا من ذوي يمن
أن المقاويل في
ملك وأحباب
وكان المختار قد
سار من الكوفة يتطلع أحوال إبراهيم واستخلف في الكوفة السائب بن مالك فنزل ساباط
ثم دخل المدائن ورقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس بالجد في النهوض إلى
إبراهيم قال الشعبي كنت معه فأتته البشرى بقتل عبيد الله وأصحابه فكاد يطير فرحا
ورجع إلى الكوفة في الحال مسرورا بالظفر.
وذكر أبو السائب
عن أحمد بن بشير عن مجالد عن عامر أنه قال الشيعة يتهموني ببغض علي عليه السلام
ولقد رأيت في النوم بعد مقتل الحسين عليه السلام كأن رجالا نزلوا من السماء عليهم
ثياب خضر معهم حراب يتبعون قتلة الحسين عليه السلام فلما لبثت أن خرج المختار
فقتلهم.
وذكر عمر بن شبة
قال حدثني أبو أحمد الزبيري عن عمه قال قال أبو عمر البزاز كنت مع إبراهيم بن
الأشتر لما لقي عبيد الله بن زياد بالخازر فعددنا القتلى بالقصب لكثرتهم قيل كانوا
سبعين ألفا قال وصلبه إبراهيم منكسا فكأني أنظر إلى خصييه كأنهما جعلان وعن الشعبي
أنه لم يقتل قط من أهل الشام بعد صفين مثل هذه الوقعة بالخازر وقال الشعبي كانت
يوم عاشوراء سنة سبع وستين وبعث إبراهيم برأس عبيد الله بن زياد ورؤوس الرؤساء من
أهل الشام وفي آذانهم رقاع أسمائهم فقدموا عليه وهو يتغدى فحمد الله تعالى على
الظفر فلما فرغ من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله ثم رمي بها إلى غلامه وقال
اغسلها فإني وضعتها على وجه نجس كافر.
وعن أبي الطفيل
عامر بن واثلة الكناني قال وضعت الرؤوس عند السدة بالكوفة عليها ثوب أبيض فكشفنا
عنها الثوب وحية تتغلغل في رأس عبيد الله ونصبت الرؤوس في الرحبة قال عامر ورأيت
الحية تدخل في منافذ رأسه وهو مصلوب مرارا.
ثم حمل المختار
رأسه ورؤوس القواد إلى مكة مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي وعبد الرحمن بن شداد
الجشمي وأنس بن مالك الأشعري وقيل السائب بن مالك ومعها ثلاثون ألف دينار إلى محمد
بن الحنفية وكتب معهم أني بعثت أنصاركم وشيعتكم إلى عدوكم فخرجوا محتسبين أسفين
فقتلوهم فالحمد لله الذي أدرك لكم الثأر وأهلكهم في كل فج عميق وغرقهم في كل بحر
وشفى الله ( صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) فقدموا بالكتاب والرؤوس عليه فلما رآها
خر ساجدا ودعا للمختار وقال جزاه الله خير الجزاء فقد أدرك لنا ثأرنا ووجب حقه على
كل من ولده عبد المطلب بن هاشم اللهم واحفظ لإبراهيم الأشتر وانصره على الأعداء
ووفقه لما تحب وترضى واغفر له في الآخرة والأولى.
فبعث رأس عبيد
الله إلى علي بن الحسين عليهما السلام فأدخل عليه وهو يتغدى فسجد شكرا لله تعالى
وقال الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من عدوي وجزى الله المختار خيرا أدخلت على عبيد
الله بن زياد وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه فقلت اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن
زياد وقسم محمد المال في أهله وشيعته بمكة ومدينة على أولاد المهاجرين والأنصار.
وروى المرزباني
بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال : ما اكتحلت هاشمية ولا
اختضبت ولا رئي في دار هاشمي دخان خمس حجج حتى قتل عبيد الله بن زياد وعن عبد الله
بن محمد بن أبي سعيد عن أبي العيناء عن يحيى بن راشد قال قالت فاطمة بنت علي ما
تحنأت امرأة منا ولا أجالت في عينها مرودا ولا امتشطت حتى بعث المختار رأس عبيد
الله بن زياد.
وروي أنه قتل
ثمانية عشر ألفا ممن شرك في قتل الحسين عليه السلام أيام ولايته وكانت ثمانية عشر
شهرا أولها أربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ست وستين وآخرها النصف من شهر
رمضان من سنة سبع وستين وعمره سبع وستون سنة.
قال جعفر بن نما
مصنف هذا الثأر اعلم أن كثيرا من العلماء لا يحصل لهم التوفيق بفطنة توقفهم على
معاني الألفاظ ولا روية تنقلهم من رقدة الغفلة إلى الاستيقاظ ولو تدبروا أقوال
الأئمة في مدح المختار لعلموا أنه من السابقين المجاهدين الذين مدحهم الله تعالى
جل جلاله في كتابه المبين ودعاء زين العابدين عليه السلام للمختار دليل واضح
وبرهان لائح على أنه عنده من المصطفين الأخيار ولو كان على غير الطريقة المشكورة
ويعلم أنه مخالف له في اعتقاده لما كان يدعو له دعاء لا يستجاب ويقول فيه قولا لا
يستطاب وكان دعاؤه عليه السلام له عبثا والإمام منزه عن ذلك وقد
أسلفنا من أقوال الأئمة في مطاوي الكتاب تكرار مدحهم له ونهيهم عن ذمه ما فيه غنية
لذوي الأبصار وبغية لذوي الاعتبار وإنما أعداؤه عملوا له مثالب ليباعدوه من قلوب
الشيعة كما عمل أعداء أمير المؤمنين عليه السلام له مساوي وهلك بها كثير ممن حاد
عن محبته وحال عن طاعته فالولي له عليه السلام لم تغيره الأوهام ولا باحته تلك
الأحلام بل كشفت له عن فضله المكنون وعلمه المصون فعمل في قضية المختار ما عمل مع
أبي الأئمة الأطهار وقد وفيت بما وعدت من الاختصار وأتيت بالمعاني التي تضمنت حديث
الثأر من غير حشو ولا إطالة ولا سأم ولا ملالة وأقسمت على قارئيه ومستمعيه وعلى كل
ناظر فيه أن لا يخليني من إهداء الدعوات إلي والإكثار من الترحم علي وأسأل الله أن
يجعلني وإياهم ممن خلصت سريرته من وساوس الأوهام وصفت طويته من كدر الآثام وأن
يباعدنا من الحسد المحبط للأعمال المؤدي إلى أقبح المآل وأن يحسن لي الخلافة على
الأهل والآل ويذهب الغل من القلوب ويوفق لمراضي علام الغيوب فإنه أسمع سميع وأكرم
مجيب ( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) وصلاته على سيد المرسلين محمد
وآله الطاهرين.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 45 / صفحة [ 446 ]