اليوم : الأحد ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ المصادف ۲۳ آب۲۰۲٦م
اضيف حديثاً
توجه الحسين عليه ‌السلام من مكة إلى العراق وأحداث كربلاء... ما جرى على الحسين واصحابه يوم عاشوراء واستشهاده عليه السلام... طلب يزيد البيعة من الحسين عليه السلام وأحداث ما بعدها... حدثني عن مقتل الحسين ابن رسول الله... قاتل الحسين عليه نصف عذاب اهل النار... ألا انبئكم بمن يضاهي اليهود من هذه الامة؟ أجر من شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله... قاتل يحيى بن زكريا والحسين عليهما ‌السلام اولاد زنا... إلى الله أشكو عدوهم من امتي... الويل لمن قتل الحسين بن علي عليه السلام... من هو أول من لعن قاتل الحسين عليه ‌السلام... منزلة في النار لا يستحقها الا من قتل الحسين بن علي ويحيى ابن زكريا عليهما ‌السلام... ما عند الله أشد عذابا وأشد نكالا... ماذا اقول عند ذكر الحسين عليه السلام؟ لعن الله المستحل من عترتي ما حرم الله... قاتل الحسين عليه ‌السلام في تابوت من نار... لا يوم كيوم الحسين... الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك... الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر... أيها الباكي لو علمت ما أعد الله لك لفرحت أكثر مما حزنت... أجر من قطرت عيناه في أهل البيت قطرة... لم يرض الله لمن ذكر الحسين ودمعت عينه بدون الجنة... البكاء مكروه للعبد ما خلا البكاء على الحسين فانه فيه مأجور ... ما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه ‌الله... من ذكرنا عنده ففاضت عيناه غفر الله له ذنوبه...
0

أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر
أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
توجه الحسين عليه ‌السلام من مكة إلى العراق وأحداث كربلاء...
تاريخ النشر : 2026-08-23
قال المفيد ـ ره ـ : فصل : وكان خروج مسلم بن عقيل ـ رحمه ‌الله ـ بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين ، وقتله ـ رحمه ‌الله ـ يوم الأربعاء لتسع خلون منه يوم عرفة ، وكان توجه الحسين عليه ‌السلام من مكة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة وهو يوم التروية ، بعد مقامه بمكة بقية شعبان و [ شهر ] رمضان وشوالا وذا القعدة وثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين ، وكان قد اجتمع إلى الحسين عليه ‌السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز ، ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه.
ولما أراد الحسين التوجه إلى العراق ، طاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة ، لأنه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ إلى يزيد بن معاوية ، فخرج عليه ‌السلام مبادرا بأهله وولده ومن انضم إليه من شيعته ، ولم يكن خبر مسلم بلغه بخروجه يوم خروجه على ما ذكرناه.
وقال السيد رضي ‌الله ‌عنه : روى أبو جعفر الطبري ، عن الواقدي وزرارة بن صالح قالا : لقينا الحسين بن علي عليهما ‌السلام قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة ، وأن قلوبهم معه ، وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى ، فقال عليه ‌السلام : لو لا تقارب الاشياء ، وحبوط الاجر لقاتلتهم بهؤلاء ، ولكن أعلم يقينا أن هناك مصرعي ومصرع أصحابي ، ولا ينجو منهم إلا ولدي علي.
ورويت بالإسناد ، عن أحمد بن داود القمي ، عن أبي عبد الله عليه ‌السلام قال : جاء محمد ابن الحنفية إلى الحسين عليه ‌السلام في الليلة ألتي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة فقال له : يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فان رأيت أن تقيم فانك أعز من بالحرم وأمنعه ، فقال : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت ، فقال له ابن الحنفية : فان خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر فانك أمنع الناس به ، ولا يقدر عليك أحد ، فقال : انظر فيما قلت.
فلما كان السحر ، ارتحل الحسين عليه ‌السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته ـ وقد ركبها ـ فقال : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال : بلى قال : فما حداك على الخروج عاجلا؟ قال : أتاني رسول الله (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) بعد ما فارقتك فقال : يا حسين اخرج فان الله قد شاء أن يراك قتيلا فقال محمد ابن الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟ قال : فقال [ لي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ] : إن الله قد شاء أن يراهن سبايا ، فسلم عليه ومضى.
قال : وجاءه عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير فأشارا عليه بالإمساك فقال لهما : إن رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه ، قال : فخرج ابن العباس وهو يقول  واحسيناه ، ثم جاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال ، فقال : يا أبا عبدالرحمان أما علمت أن من هوان الدنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل أما تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام اتق الله يا أبا عبدالرحمن ، ولا تدع نصرتي.
ثم قال المفيد ـ رحمه ‌الله ـ وروي عن الفرزدق أنه قال : حججت بأمي في سنة ستين ، فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين عليه ‌السلام خارجا من مكة ، معه أسيافه وتراسه ، فقلت : لمن هذا القطار؟ فقيل : للحسين بن علي عليهما ‌السلام فأتيته وسلمت عليه. وقلت له : أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله ما اعجلك عن الحج؟ قال : لو لم اعجل لأخذت ثم قال لي : من أنت؟ قلت : رجل من العرب ، ولا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك.
ثم قال لي : أخبرني عن الناس خلفك؟ فقلت : الخبير سألت قلوب الناس معك وأسيافهم عليك ، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء قال : صدقت لله الامر من قبل ومن بعد ، وكل يوم [ ربنا ] هو في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء ، فلم يبعد من كان الحق نيته ، والتقوى سيرته ، فقلت له : أجل بلغك الله ما تحب وكفاك ما تحذر ، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها ، وحرك راحلته وقال : السلام عليك ثم افترقنا.
وكان الحسين بن علي عليه ‌السلام لما خرج من مكة اعترضه يحيى بن سعيد بن العاص ، ومعه جماعة أرسلهم إليه عمرو بن سعيد ، فقالوا له : انصرف أين تذهب؟ فأبى عليهم ومضى ، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط ، فامتنع الحسين عليه ‌السلام وأصحابه منهم امتناعا قويا وسار حتى أتى التنعيم ، فلقي عيرا قد أقبلت من اليمن فاستأجر من أهلها جمالا لرحله وأصحابه ، وقال لأصحابها : من أحب أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا في بعض الطريق أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق ، فمضى معه قوم وامتنع آخرون.
وألحقه عبد الله بن جعفر بابنيه عون ومحمد وكتب على أيديهما كتابا يقول فيه : أما بعد فاني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا فاني مشفق عليك من هذا التوجه الذي توجهت له ، أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الارض ، فانك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، ولا تعجل بالسير فاني في أثر كتابي والسلام.
وصار عبد الله إلى عمرو بن سعيد وسأله أن يكتب إلى الحسين عليه ‌السلام أمانا ويمنيه ليرجع عن وجهه ، وكتب إليه عمرو بن سعيد كتابا يمنيه فيه الصلة ، ويؤمنه على نفسه ، وأنفذه مع يحيى بن سعيد ، فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه ، ودفعا إليه الكتاب وجهدا به في الرجوع ، فقال : إني رأيت رسول الله (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) في المنام وأمرني بما أنا ماض له ، فقالوا له : ما تلك الرؤيا؟ فقال : ما حدثت أحدا بها ولا أنا محدث بها أحدا حتى ألق ربي عزوجل فلما يئس منه عبد الله بن جعفر أمر ابنيه عونا ومحمدا بلزومه ، والمسير معه ، والجهاد دونه ، ورجع مع يحيى ابن سعيد إلى مكة.
وتوجه الحسين عليه ‌السلام إلى العراق مغذا لا يلوي إلى شيء حتى نزل ذات عرق وقال السيد ـ رحمه ‌الله : ـ توجه الحسين عليه ‌السلام من مكة لثلاث مضين من ذي الحجة سنة ستين قبل أن يعلم بقتل مسلم ، لأنه عليه ‌السلام خرج من مكة في اليوم  الذي قتل فيه مسلم رضوان الله عليه.
وروي أنه صلوات الله عليه لما عزم على الخروج إلى العراق ، قام خطيبا فقال : الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء ، فيملان مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقربهم عينه ، وتنجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا إنشاء الله.
أقول : ورى هذه الخطبة في كشف الغمة عن كمال الدين ابن طلحة.
قال السيد وابن نما رحمهما‌ الله : ثم سار حتى مر بالتنعيم فلقي هناك عيرا تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن وعليها الورس والحلل فأخذها عليه ‌السلام لان حكم امور المسلمين إليه ، وقال لأصحاب الابل : من أحب منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه واحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكرى بقدر ما قطع من الطريق ، فمضى قوم وامتنع آخرون.
ثم سار عليه ‌السلام : حتى بلغ ذات عرق ، فلقي بشر بن غالب واردا من العراق فسأله عن أهلها ، فقال : خلفت القلوب معك ، والسيوف مع بني امية. فقال : صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد.
قال : ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم استيقظ فقال : قد رأيت هاتقا يقول : أنتم تسرعون ، والمنايا تسرع بكم إلى الجنة ، فقا له ابنه علي : يا أبه أفلسنا على الحق؟ فقال : بلى با بني والذي إليه مرجع العباد ، فقال : يا أبه إذن لا نبالي بالموت ، فقال له الحسين عليه ‌السلام جزاك الله يا بني خير ما جزا ولدا عن والد ثم بات عليه ‌السلام في الموضع.
فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الازدي ، قد أتاه فسلم عليه ثم قال : يا ابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك محمد (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله)؟ فقال الحسين عليه ‌السلام : ويحك أبا هرة إن بني امية أخذوا ما لي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنهم الله ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم ، فحكمت في أموالهم ودمائهم.
وقال محمد بن أبي طالب : واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن الحسين عليه ‌السلام توجه إلى العراق فكتب إلى ابن زياد : « أما بعد فان الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة ، وفاطمة بنت رسول الله ، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك وقومك أمرا في هذه الدنيا لا يصده شيء ، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا ما دامت الدنيا » : قال : فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد.
وفي كتاب تاريخ عن الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال : حججت فتركت أصحابي وانطلقت أتعسف الطريق وحدي ، فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط ، فانطلقت نحوها حتى أتيت أدناها فقلت : لمن هذه الابنية؟ فقالوا : للحسين عليه ‌السلام قلت : ابن علي؟ وابن فاطمة عليهما ‌السلام؟ قالوا : نعم ، قلت : في أيها هو؟ قالوا : في ذلك الفسطاط ، فانطلقت نحوه ، فاذا الحسين عليه ‌السلام متك على باب الفسطاط يقرأ كتابا بين يديه فسلمت فرد علي ، فقلت يا ابن رسول الله بأبي أنت وامي ما أنزلك في هذه الارض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة قال : إن هؤلاء أخافوني وهذه كتب أهل الكوفة ، وهم قاتلي ، فاذا فعلوا ذلك ولم يدعوا لله محرما إلا انتهكوه ، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من قوم الامة.
وقال ابن نما : حدث عقبة بن سمعان قال : خرج الحسين عليه ‌السلام من مكة فاعترضته رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردوه فأبى عليهم وتضاربوا  بالسياط ، ومضى عليه ‌السلام على وجهه ، فبادروه وقالوا : يا حسين ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة؟ فقال : لي عملي ، ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ، وأنا برئ مما تعملون.
ورويت أن الطرماح بن حكم قال : لقيت حسينا وقد امترت لأهلي ميرة فقلت : اذكرك في نفسك لا يغرنك أهل الكوفة ، فوالله لئن دخلتها لتقتلن وإني لأخاف أن لا تصل إليها ، فان كنت مجمعا على الحرب فانزل أجأ فانه جبل منيع والله ما نالنا فيه ذل قط ، وعشيرتي يرون جميعا نصرك ، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم فقال : إن بيني وبين القوم موعدا أكره أن اخلفهم فان يدفع الله عنا فقديما ما أنعم علينا وكفى ، وإن يكن ما لا بد منه ، ففوز وشهادة إنشاء الله.
ثم حملت الميرة إلى أهلي وأوصيتهم بأمورهم اريد الحسين عليه ‌السلام فلقيني سماعة بن زيد النبهاني فأخبرني بقتله فرجعت.
وقال المفيد ـ رحمه ‌الله ـ ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين عليه ‌السلام من مكة إلى الكوفة ، بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه ، حتى نزل القادسية ، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان وما بين القادسية إلى القطقطانة ، وقال للناس : هذا الحسين يريد العراق ، ولما بلغ الحسين الحاجز من بطن الرمة ، بعث قيس ابن مسهر الصيداوي ويقال إنه بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر إلى أهل الكوفة.
ولم  يكن عليه ‌السلام علم بخبر مسلم بن عقيل ـ رحمه ‌الله ـ وكتب معه إليهم : بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى إخوانه المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ملائكم على نصرنا والطلب بحقنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر ، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية ، فاذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فاني قادم عليكم في أيامي هذه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة وكتب إليه أهل الكوفة أن لك ههنا مائة ألف سيف ولا تتأخر.
فأقبل قيس بن مسهر بكتاب الحسين عليه ‌السلام حتى إذا انتهى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد [ إلى الكوفة ] فقال له عبيد الله بن زياد : اصعد فسب الكذاب الحسين بن علي.
وقال السيد : فلما قارب دخول الكوفة ، اعترضه الحصين بن نمير ليفتشه فأخرج [ قيس ] الكتاب ومزقه ، فحمله الحصين إلى ابن زياد ، فلما مثل بين يديه قال له : من أنت؟ قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه عليهما ‌السلام قال : فلماذا خرقت الكتاب؟ قال : لئلا تعلم ما فيه ، قال : وممن الكتاب وإلى من؟ قال : من الحسين بن علي إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم ، فغضب ابن زياد فقال : والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك إربا إربا ، فقال قيس : أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم ، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فأفعل ، فصعد المنبر وحمد الله وصلى على النبي وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات الله عليهم ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني امية عن آخرهم ، ثم قال : أنا رسول الحسين إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه.
ثم قال المفيد : ـ رحمه ‌الله ـ فأمر بن عبيد الله بن زياد أن يرمى من فوق القصر ، فرمي به فتقطع ، وروي أنه وقع إلى الارض مكتوفا فتكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له : عبدالملك بن عمر اللخمي فذبحه فقيل له في ذلك وعيب عليه ، فقال : أردت أن اريحه.
ثم أقبل الحسين من الحاجز يسير نحو العراق فانتهى إلى ماء من مياه العرب فاذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي ، وهو نازل به ، فلما رآه الحسين قام إليه فقال : بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله ما أقدمك واحتمله وأنزله ، فقال له الحسين عليه ‌السلام : كان من موت معاوية ما قد بلغك ، وكتب إلي أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.
فقال له عبد الله بن مطيع : اذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنهتك ، أنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فو الله لئن طلبت ما في أيدي بني امية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا ، والله إنها لحرمة الاسلام تنهتك ، وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني امية ، فأبي الحسين عليه ‌السلام إلا أن يمضي.
وكان عبيد الله بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام ، وإلى طريق البصرة فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج فأقبل الحسين عليه ‌السلام لا يشعر بشيء حتى لقي الاعراب فسألهم فقالوا : لا والله ما ندري غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج ، فسار تلقاء وجهه عليه ‌السلام.
وحدث جماعة من فزارة ومن بجيلة قالوا : كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة ، وكنا نسائر الحسين عليه ‌السلام فلم يكن شيء أبغض علينا من أن ننازله في منزل : وإذا سار الحسين عليه ‌السلام فنزل في منزل لم نجد بدا من أن ننازله فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب ، فبينا نحن جلوس نتغذى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه ‌السلام حتى سلم ، ثم دخل ، فقال : يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بعثني إليك لتأتيه ، فطرح كل إنسان منا ما في يده ، حتى كأنما على رؤوسنا الطير ، فقالت له امرأته ـ قال السيد وهي ديلم بنت عمرو ـ سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت.
فأتاه زهير بن القين ، فلما لبث أن جاء مستبشرا ، قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه ، وثقله ومتاعه ، فقوض وحمل إلى الحسين عليه ‌السلام ثم قال لامرأته : أنت طالق! الحقي بأهلك فاني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير.
وزاد السيد ـ وقد عزمت على صحبة الحسين عليه ‌السلام لافديه بروحي ، وأقيه بنفسي ، ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها ، فقامت إليه وبكت وودعته ، وقالت : خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه ‌السلام.
وقال المفيد : ثم قال لأصحابه : من أحب منكم أن يتبعني وإلا فهو آخر العهد ، إني سأحدثكم حديثا إنا غزونا البحر ، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان : رحمه ‌الله ـ أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا : نعم فقال : إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم ، فأما أنا فأستودعكم الله ، قالوا : ثم والله ما زال في القوم مع الحسين حتى قتل ـ رحمه ‌الله ـ.
وفي المناقب ولما نزل عليه ‌السلام الخزيمية أقام بها يوما وليلة ، فلما أصبح أقبلت إليه اخته زينب ، فقالت : يا أخي ألا اخبرك بشيء سمعته البارحة؟ فقال الحسين عليه ‌السلام : وما ذاك؟ فقالت : خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف ، وهو يقول :
ألا يا عين فاحتفلي بجهد
   ومن يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهم المنايا      بمقدار إلى إنجاز وعد
فقال لها الحسين عليه ‌السلام : يا اختاه كل الذي قضي فهو كائن.
وقال المفيد ـ رحمه ‌الله ـ : وروى عبد الله بن سليمان والمنذر بن المشعل الاسديان قالا : لما قضينا حجتنا ، لم تكن لنا همة إلا الالحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين ، حتى لحقناه بزرود فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حتى رأى الحسين عليه ‌السلام فوقف الحسين عليه ‌السلام كأنه يريده ثم تركه ومضى ، ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا لنسأله ، فان عنده خبر الكوفة ، فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا : السلام عليك ، فقال : وعليكما السلام ، قلنا : ممن الرجل؟
قال : أسدي : قلنا له : ونحن أسديان فمن أنت؟ قال : أنا بكر بن فلان فانتسبنا له ثم قلنا له : أخبرنا عن الناس وراءك؟ قال : نعم ، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه ، حتى نزل الثعلبية ممسيا فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقلنا له : يرحمك الله إن عندنا خبرا إن شئت حدثناك به علانية وإن شئت سرا ، فنظر إلينا وإلى أصحابه ثم قال : ما دون هؤلاء سر فقلنا له : رأيت الراكب الذي استقبلته عشي أمس؟ فقال : نعم ، قد أردت مسألته فقلنا : قد والله استبرئنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرء منا ذو رأي وصدق وعقل ، وإنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهانئ ورآهما يجران في السوق بأرجلهما ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما يردد ذلك مرارا.
فقلنا له : ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا وإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف أن يكونوا عليك ، فنظر إلى بني عقيل فقال : ما ترون؟ فقد قتل مسلم؟ فقالوا : والله ما نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق ، فأقبل علينا الحسين عليه ‌السلام فقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء ، فعلمنا أنه قد عزم رأيه على المسير ، فقلنا له : خار الله لك ، فقال : يرحمكم الله ، فقال له : أصحابه : إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان أسرع الناس إليك فسكت.
وقال السيد : أتاه خبر مسلم في زبالة ثم إنه سار فلقيه الفرزدق فسلم عليه ثم قال : يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته؟ قال : فاستعبر الحسين عليه ‌السلام باكيا ثم قال : رحم الله مسلما فلقد صار إلى روح الله وريحانه ، وتحيته ورضوانه ، أما إنه قد قضى ما عليه ، وبقي ما علينا ثم أنشأ يقول :
فان تكن الدنيا تعد نفيسة
   فدار ثواب الله أعلى وأنبل
على قوم تسوقهم المنايا
   فقتل امرء بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الارزاق قسما مقدرا
  فقلة حرص المرء في الرزق أجمل
وإن تكن الاموال للترك جمعها
   فما بال متروك به الحر يبخل
وقال المفيد : ثم انتظر حتى إذا كان السحر ، فقال لفتيانه وغلمانه : أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا ، ثم ارتحلوا فسار حتى انتهى إلى زبالة ، فأتاه خبر عبد الله بن يقطر.
وقال السيد : فاستعبر باكيا ثم قال : اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ، إنك على كل شيء قدير.
وقال المفيد رحمه ‌الله : فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد أتانا خبر فظيع : قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ ابن عروة ، وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ، في غير حرج ، ليس عليه ذمام ، فتفرق الناس عنه ، وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤا معه من المدينة ، ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه عليه ‌السلام علم أن الاعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون.
فلما كان السحر أمر أصحابه ، فاستقوا ماء وأكثروا ، ثم سار حتى مر ببطن العقبة ، فنزل عليها ، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له : عمر بن لوذان قال له : أين تريد؟ قال له الحسين : الكوفة ، فقال له الشيخ : أنشدك الله لما انصرفت ، فو الله ما تقدم إلا على الاسنة ، وحد السيوف ، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الاشياء فقدمت عليهم ، كان ذلك رأيا ، فأما على هذه الحال التي تذكر فاني لا أرى لك أن تفعل ، فقال له : يا عبد الله ليس يخفى علي الرأي ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره.
ثم قال عليه ‌السلام : والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فاذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الامم ، ثم سار عليه ‌السلام من بطن العقبة حتى نزل شراف فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثم سار حتى انتصف النهار فبينما هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه ، فقال له الحسين عليه ‌السلام : الله أكبر لما كبرت؟ فقال : رأيت النخل قال جماعة ممن صحبه : والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط ، فقال الحسين عليه ‌السلام : فما ترونه؟ قالوا : والله نراه أسنة الرماح وآذان الخيل ، فقال : وأنا والله أرى ذلك.
ثم قال عليه ‌السلام : ما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقلنا له : بلى هذا ذو جشم إلى جنبك ، فمل إليه عن يسارك ، فان سبقت إليه فهو كما تريد ، فأخذ إليه ذات اليسار ، وملنا معه ، فلما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبينا [ ها ] وعدلنا فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب ، وكأن راياتهم أجنحة الطير ، فاستبقنا إلى ذي جشم فسبقناهم إليه وأمر الحسين عليه ‌السلام بأبنيته فضربت ، وجاء القوم زهاء ألف فارس ، مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة ، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون أسيافهم.
فقال الحسين عليه ‌السلام لفتيانه : اسقوا القوم وارووهم من الماء ، ورشفوا الخيل ترشيفا ، ففعلوا وأقبلوا يملأون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فاذا عب فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه ، وسقي آخر ، حتى سقوها عن آخرها.
فقال علي بن الطعان المحاربي : كنت مع الحر يومئذ ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه ، فلما رأى الحسين عليه ‌السلام ما بي وبفرسي من العطش قال : أنخ الراوية! والرواية عندي السقا ثم قال : يا ابن الاخ أنخ الجمل! فأنخته ، فقال : اشرب ، فجعلت كلما شربت سال الماء من المسقاء فقال الحسين : اخنث السقاء أي اعطفه فلم أدر كيف أفعل فقام فخنثه فشربت وسقيت فرسي.
وكان مجيئ الحر بن يزيد من القادسية ، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين ابن نمير وأمره أن ينزل القادسية ، وتقدم الحر بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين عليه ‌السلام فلم يزل الحر موافقا للحسين عليه ‌السلام حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين عليه ‌السلام الحجاج بن مسروق أن يؤذن.
فلما حضرت الاقامة ، خرج الحسين عليه ‌السلام في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت علي رسلكم أن : « أقدم علينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجمعنا وإياكم على الهدى والحق » فان كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا ، وكنتم لمقدمي كارهين ، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.
فسكتوا عنه ولم يتكلموا كلمة ، فقال للمؤذن : أقم ، فأقام الصلاة فقال للحر : أتريد أن تصلي بأصحابك؟ فقال الحر : لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك ، فصلى بهم الحسين عليه ‌السلام ثم دخل فاجتمع عليه أصحابه ، وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه ، فدخل خيمة قد ضربت له ، فاجتمع إليه خمسمائة من أصحابه وعاد الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان فرسه وجلس في ظلها.
فلما كان وقت العصر أمر الحسين عليه ‌السلام أن يتهيأوا للرحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين وقام فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله ، يكن أرضى لله عنكم ، ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فان أبيتم إلا الكراهة لنا ، والجهل بحقنا ، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت علي به رسلكم انصرفت عنكم.
فقال له الحر : أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر؟ فقال الحسين عليه ‌السلام لبعض أصحابه : يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه فقال له الحر : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد امرنا أنا إذا لقيناك لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين عليه ‌السلام : الموت أدنى إليك من ذلك ثم قال لأصحابه : فقوموا فاركبوا ، فركبوا وانتظر حتى ركبت نساؤه فقال لأصحابه : انصرفوا فلما ذهبوا لينصرفوا ، حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين عليه ‌السلام للحر : ثكلتك امك ما تريد؟ فقال له الحر : أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر امه بالثكل كائنا من كان ، ولكن والله مالي من ذكر امك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه.
فقال له الحسين عليه ‌السلام : فما تريد؟ قال : اريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد ، فقال : إذا والله لا أتبعك ، فقال : إذا والله لا أدعك ، فترادا القول ثلاث مرات ، فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر : إني لم اومر بقتالك إنما امرت أن لا افارقك حتى اقدمك الكوفة فإذ أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى الامير عبيد الله بن زياد فلعل الله أن يرزقني العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك فخذ ههنا.
فتياسر عن طريق العذيب والقادسية ، وسار الحسين عليه ‌السلام وسار الحر في أصحابه يسايره ، وهو يقول له : يا حسين إني اذكرك الله في نفسك فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن فقال له الحسين عليه ‌السلام : أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الاوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) فخوفه ابن عمه وقال : أين تذهب فانك مقتول؟ فقال :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
    إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه
   وفارق مثبورا وودع مجرما
فان عشت لم أندم وإن مت لم الم       كفى بك ذلا أن تعيش وترغما
 اقول : وزاد محمد بن أبي طالب قبل البيت الاخير هذا البيت :
اقدم نفسي لا اريد بقاءها
   لتلقى خميسا في الوغى وعرمرما
ثم قال : ثم أقبل الحسين عليه ‌السلام على أصحابه وقال : هل فيكم احد يعرف الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح : نعم يا ابن رسول الله أنا أخبر الطريق فقال الحسين عليه ‌السلام : سر بين أيدينا فسار الطرماح واتبعه الحسين عليه ‌السلام وأصحابه وجعل الطرماح يرتجز ويقول :
يا ناقتي لا تذعري من زجري
    وامضي بنا قبل طلوع الفجر
 بخير فتيان وخير سفر
   آل رسول الله آل الفخر
السادة البيض الوجوه الزهر
   الطاعنين بالرماح السمر
الضاربين بالسيوف البتر
   حتى تحلى بكريم الفخر
الماجد الجد رحيب الصدر
    أثابه الله لخير أمر
عمره الله بقاء الدهر
   يا مالك النقع معا والنصر
أيد حسينا سيدي بالنصر
   على الطغاة من بقايا الكفر
على اللعينين سليلي صخر
    يزيد لا زال حليف الخمر   وابن زياد عهر بن العهر
وقال المفيد رحمه ‌الله : فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه ، وكان يسير بأصحابه ناحية والحسين عليه ‌السلام في ناحية ، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات ثم مضى الحسين عليه ‌السلام حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به وإذا هو بفسطاط مضروب ، فقال لمن هذا؟ فقيل : لعبيد الله بن الحر الجعفي قال : ادعوه إلي! فلما أتاه الرسول قال له : هذا الحسين بن علي عليهما ‌السلام يدعوك ، فقال عبيد الله : إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا فيها ، والله ما اريد أن أراه ولا يراني.
فأتاه الرسول فأخبره فقام إليه الحسين فجاء حتى دخل عليه وسلم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه ، فأعاد عليه عبيد الله بن الحر تلك المقالة واستقاله مما دعاه إليه ، فقال له الحسين عليه ‌السلام : فان لم تكن تنصرنا فاتق الله [ أن ] لا تكون ممن يقاتلنا ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك ، فقا له : أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله.
ثم قام الحسين عليه ‌السلام من عنده حتى دخل رحله ، ولما كان في آخر الليلة أمر فتيانه بالاستقاء من الماء ، ثم أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل.
فقال عقبة بن سمعان : فسرنا معه ساعة ، فخفق عليه ‌السلام وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول : « إنا لله وإنا إليه راجعون » والحمد لله رب العالمين ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال : مم حمدت الله واسترجعت؟ قال : يا بني إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا ، فقال له : يا أبت لا أراك الله سوءا ، ألسنا على الحق؟ قال : بلى والله الذي مرجع العباد إليه ، فقال : فإننا إذا لا نبالي أن نموت محقين ، فقال له الحسين عليه ‌السلام : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده.
فلما أصبح نزل وصلى بهم الغداة ثم عجل الركوب وأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيرده وأصحابه ، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه ، فارتفعوا ، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوى بالمكان الذي نزل به الحسين عليه ‌السلام فإذا راكب على نجيب له عليه سلاح متنكبا قوسا مقبلا من الكوفة ، فوقفوا جميعا ينتظرونه ، فلما انتهى إليهم سلم على الحر وأصحابه ولم يسلم على الحسين وأصحابه ، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله ابن زياد لعنة ألله فاذا فيه أما بعد فجعجع بالحسين حين بلغك كتابي هذا ويقدم عليك رسولي ، ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري والسلام.
فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر : هذا كتاب الامير عبيد الله يأمرني أن اجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه ، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ أمره فيكم ، فنظر يزيد بن المهاجر الكندي وكان مع الحسين عليه ‌السلام إلى رسول ابن زياد فعرفه فقال له : ثكلتك امك ما ذا جئت فيه؟ قال : اطعت إمامي ووفيت ببيعتي ، فقال له ابن المهاجر : بل عصيت ربك ، وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسيت العار والنار ، وبئس الامام إمامك قال الله عزوجل : « وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون » فإمامك منهم ، وأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقال له الحسين عليه ‌السلام : دعنا ويحك ننزل هذه القرية أو هذه ، يعني نينوى والغاضرية ، أو هذه يعني شفية! قال : لا والله ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إلي عينا علي فقال له زهير بن القين : إني والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلا أشد مما ترون ، يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به ، فقال الحسين عليه ‌السلام : ما كنت لأبدئهم بالقتال ثم نزل وذلك اليوم يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.
وقال السيد رحمه ‌الله : فقام الحسين عليه ‌السلام خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنه قد نزل من الامر ما قد ترون ، وان الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا حقا فاني لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير بن القين فقال : قد سمعنا ـ هداك الله يا ابن رسول الله ـ مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخلدين ، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
قال : ووثب هلال بن نافع البجلي فقال : والله ما كرهنا لقاء ربنا ، وإنا على نياتنا وبصائرنا ، نوالي من والاك ، ونعادي من عاداك.
قال : وقام برير بن خضير فقال : والله يا ابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، فيقطع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
قال : ثم إن الحسين عليه ‌السلام ركب وسار كلما أراد المسير يمنعونه تارة و يسايرونه اخرى حتى بلغ بكربلاء وكان ذلك في اليوم الثامن من المحرم.
وفي المناقب : فقال له زهير : فسربنا حتى ننزل بكربلاء فإنها على شاطئ الفرات ، فنكون هنالك ، فان قاتلونا قاتلناهم ، واستعنّا الله عليهم ، قال : فدمعت علينا الحسين عليه ‌السلام ثم قال : اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء ، ونزل الحسين في موضعه ذلك ، ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس ، ودعا الحسين بداوة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه : بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ، ورفاعة بن شداد ، وعبد الله بن وأل ، وجماعة المؤمنين أما بعد فقد علمتم أن رسول الله (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) قد قال في حياته : « من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل ، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله » وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان ، وتولوا عن طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلاله ، وإني أحق بهذا الامر لقرابتي من رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله.
وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم ، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فان وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم ، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ، فلكم بي اسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم ، فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم والسلام.
ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي ـ وساق الحديث كما مر ـ ثم قال : ولما بلغ الحسين قتل قيس استعبر باكيا ثم قال : « اللهم اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلا كريما ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شيء قدير ».
قال : فوثب إلى الحسين عليه ‌السلام رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجلي فقال : يا ابن رسول الله أنت تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب ، وقد كان منهم منافقون يعدون بالنصر ، ويضمرون له الغدر ، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمر من الحنظل ، حتى قبضه الله إليه ، وإن أباك عليا رحمة الله عليه قد كان في مثل ذلك ، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين ، حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه ، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده ، وخلع بيعته ، فلن يضر إلا نفسه ، والله مغن عنه ، فسربنا راشدا معافا مشرقا إن شئت ، وإن شئت مغربا ، فو الله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربنا ، وإنا على نياتنا وبصائرنا ، نوالي من والاك ، ونعادي من عاداك.
ثم وثب إليه برير بن خضير الهمداني فقال : والله يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيه أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة بين أيدينا ، لا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم ، اف لهم غدا ماذا يلاقون؟ ينادون بالويل والثبور في نار جهنم.
قال : فجمع الحسين عليه ‌السلام ولده وإخوته وأهل بيته ، ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال : اللهم إنا عترة نبيك محمد وقد اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو امية علينا اللهم فخذنا لنا بحقنا ، وانصرنا على القوم الظالمين.
قال : فرحل من موضعه حتى نزل في يوم الاربعاء أو يوم الخميس بكربلاء وذلك في الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.
ثم أقبل على أصحابه ، فقال : الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم ، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.
ثم قال : أهذه كربلاء؟ فقالوا : نعم يا ابن رسول الله ، فقال : هذا موضع كرب وبلاء ، ههنا مناخ ركابنا ، ومحط رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا. قال : فنزل القوم وأقبل الحر حتى نزل حذاء الحسين عليه ‌السلام في ألف فارس ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين بكربلا.
وكتب ابن زياد لعنه الله إلى الحسين صلوات الله عليه : أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلا ، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير ، ولا أشبع من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير ، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام.
فلما ورد كتابه على الحسين وقرأه رماه من يده ، ثم قال : لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فقال له الرسول : جواب الكتاب؟ أبا عبد الله! فقال : ما له عندي جواب لانه قد حققت عليه كلمة العذاب ، فرجع الرسول إليه فخبره بذلك ، فغضب عدو الله من ذلك أشد الغضب ، والتفت إلى عمر بن سعد وأمره بقتال الحسين ، وقد كان ولاه الري قبل ذلك ، فاستعفى عمر من ذلك ، فقال ابن زياد : فاردد إلينا عهدنا ، فاستمهله ثم قبل بعد يوم خوفا عن أن يعزل عن ولاية الري.
وقال المفيد رحمه ‌الله : فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس فنزل بنينوى ، فبعث إلى الحسين عليه ‌السلام عروة بن قيس الاحمسي فقال له : ائته فسله ما الذي جاء بك وما تريد! وكان عروة ممن كتب إلى الحسين ، فاستحيى منه أن يأتيه ، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه وكلهم أبى ذلك وكرهه.
فقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي وكان فارسا شجاعا لا يرد وجهه شيء فقال له : أنا أذهب إليه ، ووالله لئن شئت لافتكن به ، فقال له عمر بن سعد : ما اريد أن تفتك به ، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به ، فأقبل كثير إليه ، فلما رآه أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه ‌السلام : أصلحك الله يا عبد الله! قد جاءك شر أهل الارض وأجرأه على دم وأفتكه ، وقام إليه فقال له : ضع سفيك ، قال : لا والله ولا كرامة إنما أنا رسول إن سمعتم كلامي بلغتكم ما ارسلت إليكم ، وإن أبيتم انصرفت عنكم ، قال : فاني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك قال : لا والله لا تمسه فقال له : أخبرني بما جئت به وأنا ابلغه عنك ، ولا أدعك تدنو منه ، فانك فاجر ، فاستبا وانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.
فدعا عمر بن سعد قرة بن قيس الحنظلي فقال له : ويحك الق حسينا فسله ما جاء به؟ وما ذا يريد؟ فأتاه قرة فلما رآه الحسين مقبلا قال : أتعرفون هذا؟
فقال حبيب بن مظاهر : هذا رجل من حنظلة تميم ، وهو ابن اختنا ، وقد كنت أعرفه بحسن الرأي ، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد ، فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه ، فقال له الحسين عليه ‌السلام : كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم ، فأما إذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم ، فقال حبيب بن مظاهر : ويحك يا قرة أين تذهب؟ إلى القوم الظالمين؟ انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة ، فقال له قرة : أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي ، فانصرف إلى عمر بن سعد وأخبره الخبر ، فقال عمر بن سعد : أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.
وكتب إلى عبيد الله بن زياد : « بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب؟ فقال : كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم ، يسألوني القدوم إليهم ففعلت ، فأما إذا كرهتموني ، وبدالهم غير ما أتتني به رسلهم ، فأنا منصرف عنهم ».
قال حسان بن قائد العبسي : وكنت عند عبيد الله بن زياد حين أتاه هذا الكتاب فلما قرأه قال :
الآن إذ علقت مخالبنا به
   يرجو النجاة ولات حين مناص
وكتب إلى عمر بن سعد : « أما بعد فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما ذكرت فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه ، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام » فلما ورد الجواب على عمر بن سعد قال : قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية وقال محمد بن أبي طالب : فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبدا ، قال : ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة ، ثم خرج فصعد المنبر ثم قال : أيها الناس إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون ، وهذا أمير المؤمنين يزيد ، قد عرفتموه حسن السيرة محمود الطريقة ، محسنا إلى الرعية ، يعطي العطاء في حقه ، قد أمنت السبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره ، وهذا ابنه يزيد من بعده ، يكرم العباد ، ويغنيهم بالأموال ، ويكرمهم ، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة ، وأمرني أن اوفرها عليكم واخرجكم إلى حرب عدوه الحسين ، فاسمعوا له وأطيعوا.
ثم نزل عن المنبر ووفر الناس العطاء وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين عليه ‌السلام ، ويكونوا عونا لابن سعد على حربه ، فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف ، فصار ابن سعد في تسعة آلاف ، ثم أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين ، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف ، وفلانا المازني في ثلاثة آلاف ، ونصر بن فلان في ألفين ، فذلك عشرون ألفا.
ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا وإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب الحسين ، فتمارض شبث ، وأراد أن يعفيه ابن زياد فأرسل إليه : أما بعد فان رسولي أخبرني بتمارضك ، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون ، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعا.
فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلا ينظر إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة فلما دخل رحب به وقرب مجلسه ، وقال : احب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عونا لابن سعد عليه ، فقال : أفعل أيها الامير ، فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفا ما بين فارس وراجل ، ثم كتب إليه ابن زياد أني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال ، فانظر لا اصبح ولا امسي إلا وخبرك عندي غدوة وعشية ، وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم.
وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه ‌السلام فقال : يا ابن رسول الله ههنا حي من بني أسد بالقرب منا أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك ، فعسى الله أن يدفع بهم عنك ، قال : قد أذنت لك ، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكرا حتى أتى إليهم فعرفوه أنه من بني أسد ، فقالوا : ما حاجتك؟ فقال : إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم ، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فانه في عصابة من المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل ، لن يخذلوه ولن يسلموه أبدا وهذا عمر بن سعد قد أحاط به ، وأنتم قومي وعشيرتي ، وقد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة فاني اقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلا كان رفيقا لمحمد (صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله) في عليين قال : فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر فقال : أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة ، ثم جعل يرتجز ويقول :
قد علم القوم إذا تواكلوا
   وأحجم الفرسان إذ تناقلوا
أني شجاع بطل مقاتل
   كأنني ليث عرين باسل
ثم تبادر رجال الحي حتى التأم منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون الحسين عليه ‌السلام وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال ، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الازرق فضم إليه أربعمائة فارس ووجه نحو حي بني أسد ، فبينما اولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين عليه ‌السلام في جوف الليل إذا استقبلهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات ، وبينهم وبين عسكر الحسين اليسير ، فناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا ، وصاح حبيب ابن مظاهر بالأزرق ويلك مالك ومالنا انصرف عنا ، ودعنا يشقى بنا غيرك ، فأبى الازرق أن يرجع ، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم ، فانهزموا راجعين إلى حيهم ، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيتهم ورجع حبيب بن  مظاهر إلى الحسين عليه ‌السلام فخبره بذلك فقال عليه ‌السلام : لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال : ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات ، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، وأضر العطش بالحسين وأصحابه ، فأخذ الحسين عليه ‌السلام فأسا وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في الارض تسع عشر خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك ، فنبعت له عين من الماء العذب ، فشرب الحسين عليه ‌السلام وشرب الناس بأجمعهم ، وملاوا أسقيتهم ، ثم غارت العين ، فلم ير لها أثر ، وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى عمر بن سعد : بلغني أن الحسين يحفر الآبار ، ويصيب الماء ، فيشرب هو وأصحابه ، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيق عليهم ، ولا تدعهم يذوقوا الماء ، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان فعندها ضيق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق.
فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس فضم إليه ثلاثين فارسا وعشرين راكبا ، وبعث معه عشرين قربة ، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات فقال عمرو بن الحجاج : من أنتم؟ فقال رجل من أصحاب الحسين عليه ‌السلام ، يقال له هلال بن نافع البجلي : ابن عم لك جئت أشرب من هذا الماء ، فقال عمرو : اشرب هنيئا فقال هلال : ويحك تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشا؟ فقال عمرو : صدقت ولكن امرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه ، فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات ، وصاح عمرو بالناس واقتتلوا قتالا شديدا ، فكان قوم يقاتلون ، وقوم يملأون حتى ملاوها ، ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد ثم رجع القوم إلى معسكرهم ، فشرب الحسين ومن كان معه ، ولذلك سمي العباس عليه ‌السلام السقاء.
ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله : أني اريد أن اكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسرك ، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك ، فلما التقيا أمر الحسين عليه ‌السلام أصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه أخوه العباس ، وابنه علي الاكبر ، وأمر عمر بن سعد وأصحابه فتنحوا عنه ، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.
فقال له الحسين عليه ‌السلام : ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي ، فانه أقرب لك إلى الله تعالى ، فقال عمر بن سعد : أخاف أن يهدم داري ، فقال الحسين عليه ‌السلام : أنا أبنيها لك فقال : أخاف أن تؤخذ ضيعتي ، فقال الحسين عليه ‌السلام : أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز فقال : لي عيال وأخاف عليهم ، ثم سكت ولم يجبه إلى شيء فانصرف عنه الحسين عليه ‌السلام ، وهو يقول : مالك ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك ، فو الله إني لارجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيرا فقال ابن سعد : في الشعير كفاية عن البر مستهزئا بذلك القول.
رجعنا إلى سياقة حديث المفيد قال : وورد كتاب ابن زياد في الاثر إلى عمر ابن سعد أن : حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان ، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين عليه ‌السلام بثلاثة أيام.
ونادى عبد الله بن حصين الازدي وكان عداده في بجيلة : قال بأعلى صوته : يا حسين! ألا تنظر [ ون ] إلى الماء كأنه كبد السماء ، والله لا تذوقون منه قطرة واحدة ، حتى تموتوا عطشا ، فقال الحسين عليه ‌السلام : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا ، قال حميد بن مسلم : والله لعدته في مرضه بعد ذلك فو الله الذي لا إله غيره ، لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغر ثم يقيئه ويصيح العطش العطش ثم يعود ويشرب حتى يبغر ثم يقيئه ويتلظى عطشا فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه.
ولما رأى الحسين عليه ‌السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله ، أنفذ إلى عمر بن سعد : أنني اريد أن ألقاك ، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ثم رجع عمر إلى مكانه ، وكتب إلى عبيد الله بن زياد : « أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، وأصلح أمر الامة ، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور ، فيكون رجلا من المسلمين : له مالهم ، وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا لك رضى وللامة صلاح ».
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه ، فقام إليه شمر بن ذي الجوشن ، فقال : أتقبل هذا منه ، وقد نزل بأرضك واتى جنبك؟ والله لئن رحل بلادك ولم يضع يده في يدك ، ليكونن أولى بالقوة ، ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة ، فانها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصاحبه ، فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك.
فقال ابن زياد : نعم ما رأيت! الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فان فعلوا فليبعث بهم إلي سلما ، وإن هم أبوا فليقاتلهم ، فان فعل فاسمع له وأطع ، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
وكتب إلى عمر بن سعد : « لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتعتذر عنه ، ولا لتكون له عندي شفيعا ، انظر فان نزل حسين وأصحابه على حكمي ، واستسلموا ، فابعث بهم إلي سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فانهم لذلك مستحقون ، فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فانه عات ظلوم ، ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا ، ولكن علي قول قد قلته لو قد قتلته لفعلته هذا به ، فان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام ».
فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد ، فلما قدم عليه وقرأه ، قال له عمر : مالك ويلك ، لاقرب الله دارك ، وقبح الله ما قدمت به علي ، والله إني لأظنك نهيته عما كتبت به إليه ، وأفسدت علينا أمرا قد كنا رجونا أن يصلح ، لا يستسلم والله حسين إن نفس أبيه لبين جنبيه ، فقال له شمر : يده ولا يصح ذلك عنه ، فان عقبة بن السمعان قال : صحبت الحسين من المدينة إلى العراق ولم أزل معه إلى أن قتل والله ما سمعته قال ذلك.
أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لامر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر ، قال : لا ولا كرامة لك ، ولكن أن اتولى ذلك فدونك فكن أنت على الرجالة.
ونهض عمر بن سعد إلى الحسين عليه ‌السلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين وقال : أين بنو اختنا؟
فخرج إليه جعفر والعباس وعبد الله وعثمان بنو علي عليه ‌السلام فقالوا : ما تريد؟ فقال أنتم يا بني اختي آمنون ، فقال له الفئة : لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.
ثم نادى عمر : يا خيل الله اركبي! وبالجنة أبشري! فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر والحسين عليه ‌السلام جالس أمام بيته محتبئ بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت اخته الصيحة ، فدنت من أخيها وقالت : يا أخي أما تسمع هذه الاصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين عليه ‌السلام رأسه فقال : إني رأيت رسول الله الساعة في المنام ، وهو يقول لي : إنك تروح إلينا ، فلطمت اخته وجهها ، ونادت بالويل فقال لها الحسين : ليس لك الويل يا اخته اسكتي رحمك الله ، وفي رواية السيد قال : يا اختاه إني رأيت الساعة جدي محمدا وأبي عليا وامي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون : يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب وفي بعض الروايات : غدا ، قال : فلطمت زينب عليها‌ السلام  على وجهها وصاحت ، فقال لها الحسين عليه ‌السلام : مهلا لا تشمتي القوم بنا.
قال المفيد : فقال له العباس بن علي عليه ‌السلام : يا أخي أتاك القوم ، فنهض ثم قال : اركب أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم : مالكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم ، فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس : ما بدا لكم وما تريدون؟ قالوا : قد جاء أمر الامير أن يعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم ، قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا فقالوا : القه وأعلمه ثم القنا بما يقول لك فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين عليه ‌السلام يخبره الخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، ويعظونهم ويكفونهم عن قتال الحسين.
فجاء العباس إلى الحسين عليه ‌السلام وأخبره بما قال القوم ، فقال : ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غد ، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أني كنت قد احب الصلاة له ، وتلاوة كتابه ، وكثرة الدعاء والاستغفار.
فمضى العباس إلى القوم ، ورجع من عندهم ، ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول : إنا قد أجلناكم إلى غد ، فان استسلمتم سرحنا بكم إلى عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا بتاركيكم ، فانصرف. وجمع الحسين عليه ‌السلام أصحابه عند قرب المساء.
قال علي بن الحسين زين العابدين عليهما ‌السلام : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبي يقول لأصحابه : أثني على الله أحسن الثناء واحمده على السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين.
أما بعد فاني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر وأوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني خيرا ألا وإني لأظن يوما لنا من هؤلاء ألا وإني قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا.
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر : لم نفعل : ذلك لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا ، بدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعته الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه ، فقال الحسين عليه ‌السلام : يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم ، فقالوا : سبحان الله ما يقول الناس؟ نقول إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام ، ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ، لا والله ما نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.
وقام إليه مسلم بن عوسجة ، فقال : أنحن نخلي عنك ، وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك ، أما والله لو علمت أني اقتل ثم احيى ثم احرق ثم احيى ثم اذرى ، يفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتله واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
وقام زهير بن القين فقال : والله لوددت أني قتلت نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا ألف مرة ، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فجزاهم الحسين خيرا  وانصرف إلى مضربه.
وقال السيد : وقيل لمحمد بن بشر الحضرمي في تلك الحال : قد اسر ابنك بثغر الري ، فقال : عند الله احتسبه ونفسي ما احب أن يؤسر وأنا أبقى بعده ، فسمع الحسين عليه ‌السلام قوله ، فقال : رحمك الله أنت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال : أكلتني السباع حيا إن فارقتك ، قال : فأعط ابنك هذه الاثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه ، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
قال : وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة ، ولهم دوي كدوي النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا.
فلما كان الغداة أمر الحسين عليه ‌السلام بفسطاطه فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن يا برير أتضحك ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعاجلهم ساعة ثم نعانق الحور العين.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف :  العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي  
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 374 ]

Untitled Document
دعاء يوم الأحد
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، بِسْمِ الله الَّذِي لا أَرجو إِلّا فَضْلَهُ، وَلا أَخْشى إِلّا عَدْلَهُ، وَلا أَعْتَمِدُ إِلّا قَوْلَهُ، وَلا أُمْسِكُ إِلّا بِحَبْلِهِ. بِكَ أَسْتَجِيرُ يا ذا العَفْوِ وَالرِّضْوانِ مِنَ الظُّلْمِ وَالعُدْوانِ، وَمِنْ غِيَرِ الزَّمانِ، وَتَوَاتُرُ الأَحْزانِ، وَطوارِقِ الحَدَثانِ، وَمِنَ اِنْقضاء المُدَّةِ قَبْلَ التَّأَهُّبِ وَالعُدَّةِ. وَإِيّاكَ أَسْتَرْشِدُ لِما فِيهِ الصَّلاحُ وَالإِصْلاحُ، وَبِكَ أَسْتَعِينُ فِيما يَقْتَرِنُ بِهِ النَّجاحُ وَالإِنْجاحُ، وَإِيّاكَ أَرْغَبُ فِي لِباسِ العافِيَةِ وَتَمامِها وَشُمُولِ السَّلامَةِ وَدَوَامِها، وأَعُوذُ بِكَ يا رَبِّ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَأَحْتَرِزُ بِسُلْطانِكَ مِنْ جَوْرِ السَّلاطِينِ. فَتَقَبَّلْ ما كانَ مِنْ صَلاتِي وَصَوْمِي، وَاجْعَلْ غَدِي وَما بَعْدَهُ أَفْضَلَ مِنْ ساعَتِي وَيَوْمِي، وَأَعِزَّنِي فِي عَشِيرَتِي وَقَوْمِي، وَاحْفَظْنِي فِي يَقْظَتِي وَنَوْمِي، فَأَنْتَ الله خَيْرٌ حافِظاً وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ. اللّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيكَ فِي يَوْمِي هذا وَما بَعْدَهُ مِنَ الآحادِ مِنَ الشِّرْكِ وَالإِلْحادِ، وَأُخْلِصُ لَكَ دُعائِي تَعَرُّضاً لِلإِجابَةِ، وَأُقِيمُ عَلى طاعَتِكَ رَجاءً لِلإِثابَةِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِكَ الدَّاعِي إِلى حَقِّكَ، وَأَعِزَّنِي بِعِزِّكَ الَّذِي لا يُضامُ، وَاحْفَظْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لا تَنامُ، وَاخْتِمْ بِالاِنْقِطاعِ إِلَيْكَ أَمْرِي وَبِالمَغْفِرَةِ عُمْرِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

زيارات الأيام
زيارة أمير المؤمنين والزهراء (عليهما السلام) في يوم الأحد
زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام): اَلسَّلامُ عَلَى الشَّجَرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالدَّوْحَةِ الْهاشِمِيَّةِ المُضيئَةِ المُثْمِرَةِ بِالنَّبُوَّةِ الْمُونِقَةِ بِالْاِمامَةِ وَعَلى ضَجيعَيْكَ آدَمَ وَنُوح عَلَيْهِمَا السَّلامُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلى اَهْلِ بَيْتِكَ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ وَ عَلَى الْمَلائِكَةِ الْمُحْدِقينَ بِكَ وَالْحافّينَ بِقَبْرِكَ. يا مَوْلايَ يا اَميرَ الْمُوْمِنينَ هذا يَوْمُ الْاَحَدِ وَهُوَ يَوْمُكَ وَبِاسْمِكَ وَاَنَا ضَيْفُكَ فيهِ وَجارُكَ فَاَضِفْنى يا مَوْلايَ وَاَجِرْني فَاِنَّكَ كَريمٌ تُحِبُّ الضِّيافَةَ وَمَأْمُورٌ بِالْاِجارَةِ فَافْعَلْ ما رَغِبْتُ اِلَيْكَ فيهِ وَرَجَوْتُهُ مِنْكَ بِمَنْزِلَتِكَ وَ آلِ بَيْتِكَ عِنْدَ اللهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَكُمْ وَبِحَقِّ ابْنِ عَمِّكَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ اَجْمَعينَ. زيارة الزهراء (سلام الله عليها) : اَلسَّلامُ عَلَيْكِ يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ الَّذي خَلَقَكِ فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صابِرَةً اَنَا لَكِ مُصَدِّقٌ صابِرٌ عَلى ما اَتى بِهِ اَبُوكِ وَوَصِيُّهُ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِما وَاَنَا أَسْأَلُكِ اِنْ كُنْتُ صَدَّقْتُكِ إلاّ اَلْحَقْتِني بِتَصْديقي لَهُما لِتُسَرَّ نَفْسي فَاشْهَدي اَنّي ظاهِرٌ بِوَلايَتِكِ وَوَلايَةِ آلِ بَيْتِكِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ اَجْمَعينَ.