اليوم : السبت ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ المصادف ۲۲ آب۲۰۲٦م
اضيف حديثاً
ما جرى على الحسين واصحابه يوم عاشوراء واستشهاده عليه السلام... طلب يزيد البيعة من الحسين عليه السلام وأحداث ما بعدها... حدثني عن مقتل الحسين ابن رسول الله... قاتل الحسين عليه نصف عذاب اهل النار... ألا انبئكم بمن يضاهي اليهود من هذه الامة؟ أجر من شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله... قاتل يحيى بن زكريا والحسين عليهما ‌السلام اولاد زنا... إلى الله أشكو عدوهم من امتي... الويل لمن قتل الحسين بن علي عليه السلام... من هو أول من لعن قاتل الحسين عليه ‌السلام... منزلة في النار لا يستحقها الا من قتل الحسين بن علي ويحيى ابن زكريا عليهما ‌السلام... ما عند الله أشد عذابا وأشد نكالا... ماذا اقول عند ذكر الحسين عليه السلام؟ لعن الله المستحل من عترتي ما حرم الله... قاتل الحسين عليه ‌السلام في تابوت من نار... لا يوم كيوم الحسين... الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك... الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر... أيها الباكي لو علمت ما أعد الله لك لفرحت أكثر مما حزنت... أجر من قطرت عيناه في أهل البيت قطرة... لم يرض الله لمن ذكر الحسين ودمعت عينه بدون الجنة... البكاء مكروه للعبد ما خلا البكاء على الحسين فانه فيه مأجور ... ما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه ‌الله... من ذكرنا عنده ففاضت عيناه غفر الله له ذنوبه... من أنشد في الحسين بيتا فبكى وأبكى فله ولهم الجنة...
0

أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر
أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
ما جرى على الحسين واصحابه يوم عاشوراء واستشهاده عليه السلام...
تاريخ النشر : 2026-08-22
رواية المفيد قال: قال علي بن الحسين عليهما‌ السلام إني جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده فلان مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :
يا دهر أف لك من خليل
    كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب وطالب قتيل
    والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل
    وكل حي سالك سبيلي
فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه وقالت وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي وثمال الباقي فنظر إليها الحسين عليه ‌السلام وقال لها يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان وترقرقت عيناه بالدموع وقال لو ترك القطا ليلا لنام فقالت يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي ثم لطمت وجهها وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها.
فقام إليها الحسين عليه ‌السلام فصب على وجهها الماء وقال لها يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل شيء هالك إلا وجه الله تعالى الذي خلق الخلق بقدرته ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة فعزاها بهذا ونحوه وقال لها يا أختاه إني أقسمت عليك فأبري قسمي ـ لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.
ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض وأن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم ورجع عليه ‌السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون.
وقال في المناقب فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة فقالوا وما الذي رأيت يا ابن رسول الله فقال رأيت كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي يا بني أنت شهيد آل محمد وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك.
وقال المفيد قال الضحاك بن عبد الله : ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينا عليه ‌السلام ليقرأ ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله ابن سمير وكان مضحاكا وكان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال نحن ورب الطيبون ميزنا بكم فقال له برير بن الخضير يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين قال له من أنت ويلك قال أنا برير بن الخضير فتسابا.
وأصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا وقال محمد بن أبي طالب وفي رواية أخرى اثنان وثمانون راجلا وقال السيد روي عن الباقر عليه السلام أنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكذا قال ابن نما وقال المفيد فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه وأعطى رايته العباس أخاه وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.
وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة وقيل يوم السبت فعبأ أصحابه وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس وعلى الرجالة شبث بن ربعي وأعطى الراية دريدا مولاه وقال محمد بن أبي طالب وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفا وفي رواية عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا.
قال المفيد وروي عن علي بن الحسين أنه قال لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه وقال اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من كرب يضعف عنه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة قال فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين فيرون الخندق في ظهورهم
والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان ألقي فيه فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته يا حسين أتعجلت بالنار قبل يوم القيامة فقال الحسين عليه السلام من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن فقالوا نعم فقال له يا ابن راعية المعزى أنت ( أَوْلى بِها صِلِيًّا ) ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك فقال له دعني حتى أرميه فإن الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين وقد أمكن الله منه فقال له الحسين عليه السلام لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم بقتال.
وقال محمد بن أبي طالب وركب أصحاب عمر بن سعد فقرب إلى الحسين فرسه فاستوى عليه وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه وبين يديه برير بن خضير فقال له الحسين عليه السلام كلم القوم فتقدم برير فقال يا قوم اتقوا الله فإن ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم فقالوا نريد أن نمكن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم فقال لهم برير أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات بئس ما خلفتم نبيكم في ذريته ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم أنتم.
فقال له نفر منهم يا هذا ما ندري ما تقول فقال برير الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان فجعل القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه.
وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالا بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه واله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتبا لكم ولما تريدون ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) هؤلاء قوم ( كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ) ( فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ).
فقال عمر ويلكم كلموه فإنه ابن أبيه والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع ولما حصر فكلموه فتقدم شمر لعنه الله فقال يا حسين ما هذا الذي تقول أفهمنا حتى نفهم فقال أقول ( اتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ ) ولا تقتلوني فإنه لا يحل لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي فإني ابن بنت نبيكم وجدتي خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد.
وقال المفيد ودعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته يا أهل العراق وجلهم يسمعون فقال أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي وحتى أعذر عليكم فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ( ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على النبي وعلى ملائكته وعلى أنبيائه فلم يسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ منه في منطق.
ثم قال أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوهم فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول مؤمن مصدق لرسول الله صلى الله عليه واله بما جاء به من عند ربه أوليس حمزة سيد الشهداء عمي أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي أولم يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه واله لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم اسألوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه واله لي ولأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي.
فقال له شمر بن ذي الجوشن هو ( يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ ) إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك.
ثم قال لهم الحسين عليه السلام فإن كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الأشعث يا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجند فقال له قيس بن الأشعث ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب فقال لهم الحسين عليه السلام لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد.
ثم نادى يا عباد الله ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) وأعوذ ( بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ )
ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان بعقلها وأقبلوا يزحفون نحوه.
وفي المناقب روى بإسناده عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن عبد الله قال لما عبأ عمر بن سعد أصحابه للمحاربة الحسين بن علي عليهما السلام ورتبهم مراتبهم وأقام الرايات في مواضعها وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة فقال لأصحاب القلب اثبتوا.
وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة فخرج عليه السلام حتى أتى الناس فاستنصحتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من المهلكين وكلكم عاص لأمري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام وطبع على قلوبكم ويلكم ألا تنصتون ألا تسمعون فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم وقالوا أنصتوا له.
فقام الحسين عليه السلام ثم قال تبا لكم أيتها الجماعة وترحا أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين فأصرخناكم مؤدين مستعدين سللتم علينا سيفا في رقابنا وحششتم علينا نار الفتن خبأها عدوكم وعدونا فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا عليهم لأعدائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم إلا الحرام من الدنيا أنالوكم وخسيس عيش طمعتم فيه من غير حدث كان منا لا رأي تفيل لنا فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر والجأش طامن والرأي لم يستحصف ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب وتداعيتم كتداعي الفراش فقبحا لكم فإنما أنتم من طواغيت الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرفي الكتاب ومطفئ السنن وقتلة أولاد الأنبياء ومبيري عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ أئمة المستهزئين ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ).
وأنتم ـ ابن حرب وأشياعه تعتمدون وإيانا تخاذلون أجل والله الخذل فيكم معروف وشجت عليه عروقكم وتوارثته أصولكم وفروعكم وثبتت عليه قلوبكم وغشيت صدوركم فكنتم أخبث شيء سنخا للناصب وأكلة للغاصب ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون ( الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) فأنتم والله هم.
ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين القلة [ السلة ] والذلة وهيهات ما آخذ الدنية أبى الله ذلك ورسوله وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الأسرة على قلة العتاد وخذلة الأصحاب ثم أنشأ يقول :
فإن نهزم فهزامون قدما
   وإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبنا جبن ولكن
   منايانا ودولة آخرينا
ألا ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم الرحى عهد عهده إلي أبي عن جدي ( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ) ( ثُمَّ كِيدُونِ ) جميعا ( فَلا تُنْظِرُونِ ) ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ولا يدع فيهم أحدا إلا قتله قتلة بقتلة وضربة بضربة ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم فإنهم غرونا وكذبونا وخذلونا وأنت ربنا ( عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ).
ثم قال أين عمر بن سعد ادعوا لي عمر فدعي له وكان كارها لا يحب أن يأتيه فقال يا عمر أنت تقتلني تزعم أن يوليك الدعي ابن الدعي بلاد الري وجرجان والله لا تتهنأ بذلك أبدا عهدا معهودا فاصنع ما أنت صانع فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم.
فاغتاظ عمر من كلامه ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه ما تنتظرون به احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه وعبأ أصحابه.
أقول : قد روي الخطبة في تحف العقول نحوا مما مر ورواه السيد بتغيير واختصار وستأتي برواية الإحتجاج أيضا.
ثم قال المفيد رحمه ‌الله فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد أي عمر أمقاتل أنت هذا الرجل قال إي والله قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي قال أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى قال عمر أما لو كان الأمر إلي لفعلت ولكن أميرك قد أبى فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال فما تريد أن تسقيه قال قرة فظننت والله أنه يريد أن يتنحى ولا يشهد القتال فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فو الله لو أنه
اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين.
فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له مهاجر بن أوس ما تريد يا ابن يزيد أتريد أن تحمل فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل وهي الرعدة فقال له المهاجر إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أرى منك فقال له الحر إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار فو الله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وأحرقت.
ثم ضرب فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون منك هذه المنزلة والله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما ركبت مثل الذي ركبت وأنا تائب إلى الله مما صنعت فترى لي من ذلك توبة فقال له الحسين عليه السلام : نعم يتوب الله عليك فانزل فقال أنا لك فارسا خير مني راجلا أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري فقال له الحسين عليه السلام : فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.
فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأخذتم بكلكله وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا وحلأتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابهم وها هم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ.
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام ونادى عمر بن سعد يا دريد أدن رايتك فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال اشهدوا أني أول من رمى الناس.
وقال محمد بن أبي طالب فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم قيل فلما رموهم هذه الرمية قل أصحاب الحسين عليه السلام وقتل في هذه الحملة خمسون رجلا وقال السيد فقال عليه السلام لأصحابه قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بد منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة حتى قتل من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة قال فعندها ضرب الحسين عليه السلام يده على لحيته وجعل يقول اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله تعالى وأنا مخضب بدمي.
وروي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال سمعت أبي عليه السلام يقول لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد لعنه الله وقامت الحرب أنزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى. فاختار لقاء الله تعالى.قال الراوي ثم صاح عليه السلام أما من مغيث يغيثنا لوجه الله أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله.
وقال المفيد رحمه ‌الله وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان وبرز إليه عبد الله بن عمير فقال له يسار من أنت فانتسب له فقال لست أعرفك حتى يخرج إلي زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر فقال عبد الله بن عمير يا ابن الفاعلة وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد وإنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه ثم شد عليه فضربه حتى قتله وأقبل وقد قتلهما جميعا وهو يرتجز ويقول :
إن تنكروني فأنا ابن كلب
   أنا امرؤ ذو مرة وعصب
ولست بالخوار عند النكب
وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل الكوفة فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم إلى أين ثكلتك أمك فقال إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع فقال الحسين عليه السلام لأصحابه من هذا فقيل له هذا ابن خوزة التميمي فقال اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فأطارت وعدا به فرسه فضرب برأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه إلى النار ونشب القتال فقتل من الجميع جماعة.
وقال محمد بن أبي طالب وصاحب المناقب وابن الأثير في الكامل ورواياتهم متقاربة أن الحر أتى الحسين عليه السلام فقال يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لأكون أول قتيل بين يديك وأول من يصافح جدك غدا وإنما قال الحر لأكون أول قتيل بين يديك والمعنى يكون أول قتيل من المبارزين وإلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الأولى كما ذكر فكان أول من تقدم إلى  براز القوم وجعل ينشد ويقول :
إني أنا الحر ومأوى الضيف
    أضرب في أعناقكم بالسيف
عن خير من حل بأرض الخيف
   أضربكم ولا أرى من حيف
وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان أما والله لو لحقته لأتبعته السنان فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وإن الدماء لتسيل إذ قال الحصين يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه قال نعم فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله وقتل أربعين فارسا وراجلا فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه وبقي راجلا وهو يقول :
إني أنا الحر ونجل الحر
  أشجع من ذي لبد هزبر
ولست بالجبان عند الكر
   لكنني الوقاف عند الفر
ثم لم يزل يقاتل حتى قتل رحمه ‌الله فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول أنت الحر كما سمتك أمك وأنت الحر في الدنيا وأنت الحر في الآخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام وقيل بل رثاه علي بن الحسين عليهما السلام.
لنعم الحر حر بني رياح
   صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحر إذ نادى حسينا
    فجاد بنفسه عند الصياح
فيا ربي أضفه في جنان
   وزوجه مع الحور الملاح
وروي أن الحر كان يقول:
آليت لا أقتل حتى أقتلا
   أضربهم بالسيف ضربا معضلا
لا ناقل عنهم ولا معللا
   لا عاجز عنهم ولا مبدلا
أحمي الحسين الماجد المؤملا
قال المفيد رحمه ‌الله : فاشترك في قتله أيوب بن مسرح ورجل آخر من
فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه.
وقال ابن شهرآشوب قتل نيفا وأربعين رجلا منهم وقال ابن نما ورويت بإسنادي أنه قال للحسين عليه السلام لما وجهني عبيد الله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي أبشر يا حر بخير فالتفت فلم أر أحدا فقلت والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين وما أحدث نفسي باتباعك فقال عليه السلام لقد أصبت أجرا وخيرا.
ثم قالوا وكان كل من أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام وقال السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه وعليك السلام ونحن خلفك ويقرأ عليه السلام ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ).
ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر وكان من عباد الله الصالحين فبرز وهو يقول :
أنا برير وأبي خضير
    ليث يروع الأسد عند الزئر
يعرف فينا الخير أهل الخير
   أضربكم ولا أرى من ضير
كذاك فعل الخير من برير
وجعل يحمل على القوم وهو يقول اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين وكان برير أقرأ أهل زمانه فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل فقال لبرير أشهد أنك من المضلين فقال له برير هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا وأن يقتل المحق منا المبطل فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا وضربه برير ضربة قدت المغفر ووصلت إلى دماغه فسقط قتيلا قال فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا رحمه ‌الله وكان يقال لقاتله بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان الحرب وجعل يقول :
سلي تخبري عني وأنت ذميمة
   غداة حسين والرماح شوارع
ألم آت أقصى ما كرهت ولم يحل
    غداة الوغى والروع ما أنا صانع
معي مزني لم تخنه كعوبه
   وأبيض مشحوذ الغرارين قاطع
فجردته في عصبة ليس دينهم
    كديني وإني بعد ذاك لقانع
وقد صبروا للطعن والضرب حسرا
    وقد جالدوا لو أن ذلك نافع
فأبلغ عبيد الله إذ ما لقيته
   بأني مطيع للخليفة سامع
قتلت بريرا ثم جلت لهمة
   غداة الوغى لما دعا من يقارع
قال ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين وجاءه ابن عم له وقال ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا قال فندم الشقي وأنشأ يقول :
فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم
   ولا جعل النعماء عند ابن جائر
لقد كان ذا عارا علي وسبة
   يعير بها الأبناء عند المعاشر
فيا ليت أني كنت في الرحم حيضة
    ويوم حسين كنت ضمن المقابر
فيا سوأتا ما ذا أقول لخالقي
    وما حجتي يوم الحساب القماطر
ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي وقد كانت معه أمه يومئذ فقالت قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله فقال أفعل يا أماه ولا أقصر فبرز وهو يقول :
إن تنكروني فأنا ابن الكلب
    سوف تروني وترون ضربي
وحملتي وصولتي في الحرب
   أدرك ثأري بعد ثأر صحبي
وأدفع الكرب أمام الكرب
   ليس جهادي في الوغى باللعب
ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة فرجع إلى أمه وامرأته فوقف عليهما فقال يا أماه أرضيت فقالت ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين عليه السلام فقالت امرأته بالله لا تفجعني في نفسك فقالت أمه يا بني لا تقبل قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله فرجع قائلا:
إني زعيم لك أم وهب
    بالطعن فيهم تارة والضرب
ضرب غلام مؤمن بالرب
   حتى يذيق القوم مر الحرب
إني امرؤ ذو مرة وعصب
    ولست بالخوار عند النكب
حسبي إلهي من عليم حسبي
فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا واثني عشر راجلا ثم قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا وأقبلت نحوه وهي تقول فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله فأقبل كي يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه وقالت لن أعود أو أموت معك فقال الحسين جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت وجعل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه قال فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها وهي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين.
ورأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا فأسلم هو وأمه على يدي الحسين فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلا واثني عشر فارسا ثم أخذ أسيرا فأتي به عمر بن سعد فقال ما أشد صولتك ثم أمر فضربت عنقه ورمي برأسه إلى عسكر الحسين عليه السلام فأخذت أمه الرأس فقبلته ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته ثم شدت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين فقال لها الحسين ارجعي يا أم وهب أنت وابنك مع رسول الله فإن الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت وهي تقول إلهي لا تقطع رجائي فقال لها الحسين عليه السلام لا يقطع الله رجاك يا أم وهب.
ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي وهو يقول :
إليك يا نفس إلى الرحمن
   فأبشري بالروح والريحان
اليوم تجزين على الإحسان
    قد كان منك غابر الزمان
ما خط في اللوح لدى الديان
    لا تجرعي فكل حي فان
والصبر أحظى لك بالأماني
    يا معشر الأزد بني قحطان
ثم قاتل حتى قتل رحمه‌ الله :
وفي المناقب ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو وهو يرتجز ويقول :
صبرا على الموت بني قحطان
 كي ما تكونوا في رضي الرحمن
ذي المجد والعزة والبرهان
    وذي العلى والطول والإحسان
يا أبتا قد صرت في الجنان
   في قصر رب حسن البنيان
ثم تقدم فلم يزل يقاتل حتى قتل ـ رحمة الله عليه ـ
وقال محمد بن أبي طالب ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي وهو يقول :
صبرا على الأسياف والأسنة
   صبرا عليها لدخول الجنة
وحور عين ناعمات هنه
    لمن يريد الفوز لا بالظنة
يا نفس للراحة فاجهدنه
    وفي طلاب الخير فارغبنه
ثم حمل وقاتل قتالا شديدا ثم قتل رضوان الله عليه.
وخرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي وهو يرتجز ويقول:
قد علمت سعد وحي مذحج
    أني لدى الهيجاء ليث محرج
أعلو بسيفي هامة المدجج
   وأترك القرن لدى التعرج
فريسة الضبع الأزل الأعرج
ولم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي وعبد الله البجلي.
ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة رحمة الله وهو يرتجز :
إن تسألوا عني فإني ذو لبد
   من فرع قوم من ذري بني أسد
فمن بغانا حائد عن الرشد
   وكافر بدين جبار صمد
ثم قاتل قتالا شديدا.
وقال المفيد وصاحب المناقب بعد ذلك وكان نافع بن هلال البجلي يقاتل قتالا شديدا ويرتجز ويقول :
أنا ابن هلال البجلي
  أنا على دين علي
ودينه دين النبي
فبرز إليه رجل من بني قطيعة وقال المفيد هو مزاحم بن حريث فقال أنا على دين عثمان فقال له نافع أنت على دين الشيطان فحمل عليه نافع فقتله.
فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أتدرون من تقاتلون تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوما مستميتين لا يبرز منكم إليهم أحد إلا قتلوه على قتلتهم والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال له عمر بن سعد لعنه الله الرأي ما رأيت فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم وقال لو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة.
ودنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين عليه السلام فقال يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام فقال الحسين عليه السلام يا ابن الحجاج أعلي تحرض الناس أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتم عليه والله لتعلمن أينا المارق من الدين ومن هو أولى بصلي النار.
ثم حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة وانصرف عمرو وأصحابه وانقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع وقال محمد بن أبي طالب فسقط إلى الأرض وبه رمق فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام رحمك الله يا مسلم ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ثم دنا منه حبيب فقال يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم فإني أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت فقال حبيب لأنعمتك عينا ثم مات رضوان الله عليه.
قال : وصاحت جارية له يا سيداه يا ابن عوسجتاه فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله ثكلتكم أمهاتكم أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون عزكم أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة أما والذي أسلمت له لرب موقف له في المسلمين كريم لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين.
ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة فثبتوا له وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة فاقتبلوا حتى دنوا من الحسين وأصحابه فرشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وقاتلوهم حتى انتصف النهار واشتد القتال ولم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون فيشدون على الرجل يعرض وينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه فيقتلونه.
فقال ابن سعد أحرقوها بالنار فأضرموا فيها فقال الحسين عليه السلام دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم فكان كما قال عليه السلام وقيل أتاه شبث بن ربعي وقال أفزعنا النساء ثكلتك أمك فاستحيا وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد وشد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم ويقتل من أصحاب عمر العشرة فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم.
فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي فقال الحصين بن نمير إنها لا تقبل فقال حبيب بن مظاهر لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله وتقبل منك يا ختار فحمل عليه حصين بن نمير وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب  به الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه فقال الحسين عليه السلام لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله تقدما أمامي حتى أصلي الظهر فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف.
وروي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أمام الحسين فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلما أخذ الحسين عليه السلام يمينا وشمالا قام بين يديه فما زال يرمى به حتى سقط إلى الأرض وهو يقول اللهم العنهم لعن عاد وثمود اللهم أبلغ نبيك السلام عني وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك ثم مات رضوان الله عليه فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.
وقال ابن نما وقيل صلى الحسين عليه السلام وأصحابه فرادى بالإيماء ثم قالوا ثم خرج عبد الرحمن بن عبد الله اليزني وهو يقول :
أنا ابن عبد الله من آل يزن
    ديني على دين حسين وحسن
أضربكم ضرب فتى من اليمن
   أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن
ثم حمل فقاتل حتى قتل.
وقال السيد فخرج عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسين عليه السلام فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء وبالغ في خدمة سلطان السماء حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد وجمع بين سداد وجهاد وكان لا يأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده ولا سيف إلا تلقاه بمهجته فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح فالتفت إلى الحسين وقال يا ابن رسول الله أوفيت قال نعم أنت أمامي في الجنة فأقرئ رسول الله مني السلام وأعلمه أني في الأثر فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.
وفي المناقب أنه كان يقول :
قد علمت كتيبة الأنصار
   أن سوف أحمي حوزة الذمار
ضرب غلام غير نكس شاري
   دون حسين مهجتي وداري
وقال السيد ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبدا أسود فقال له الحسين أنت في إذن مني فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقنا فقال يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم والله إن ريحي لمنتن وإن حسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس علي بالجنة فتطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.
وقال محمد بن أبي طالب ثم برز للقتال وهو ينشد ويقول :
كيف يرى الكفار ضرب الأسود
 بالسيف ضربا عن بني محمد
أذب عنهم باللسان واليد
   أرجو به الجنة يوم المورد
ثم قاتل حتى قتل فوقف عليه الحسين عليه السلام وقال اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع الأبرار وعرف بينه وبين محمد وآل محمد.
وروي عن الباقر عليه السلام عن علي بن الحسين عليهما السلام أن الناس كانوا يحضرون المعركة ويدفنون القتلى فوجدوا جونا بعد عشرة أيام يفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه.
وقال صاحب المناقب كان رجزه هكذا :
كيف يرى الفجار ضرب الأسود
 بالمشرفي القاطع المهند
بالسيف صلتا عن بني محمد
    أذب عنهم باللسان واليد
أرجو بذلك الفوز عند المورد
    من الإله الأحد الموحد
إذ لا شفيع عنده كأحمد
وقال السيد ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال للحسين عليه السلام يا أبا عبد الله قد هممت أن ألحق بأصحابي وكرهت أن أتخلف وأراك وحيدا من أهلك قتيلا فقال له الحسين تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة فتقدم فقاتل حتى قتل.
قال وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره وأخذ ينادي ( يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ * وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) يا قوم لا تقتلوا حسينا ( فَيُسْحِتَكُمْ ) الله ( بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ).
وفي المناقب فقال له الحسين يا ابن سعد إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا إليك يشتمونك وأصحابك فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين قال صدقت جعلت فداك أفلا نروح إلى ربنا فنلحق بإخواننا فقال له رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها وإلى ( مُلْكٍ لا يَبْلى ) فقال السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله عليك وعلى أهل بيتك وجمع بيننا وبينك في جنته قال آمين آمين ثم استقدم فقاتل قتالا شديدا فحملوا عليه فقتلوه رضوان الله عليه.
وقال السيد فتقدم سويد بن عمرو بن أبي المطاع وكان شريفا كثير الصلاة فقاتل قتال الأسد الباسل وبالغ في الصبر على الخطب النازل حتى سقط بين القتلى وقد أثخن بالجراح فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون قتل الحسين فتحامل وأخرج سكينا من خفه وجعل يقاتل حتى قتل.
وقال صاحب المناقب فخرج يحيى بن سليم المازني وهو يرتجز ويقول :
لأضربن القوم ضربا فيصلا
    ضربا شديدا في العداة معجلا
لا عاجزا فيها ولا مولولا
    ولا أخاف اليوم موتا مقبلا
لكنني كالليث أحمي أشبلا
ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه‌ الله.
ثم خرج من بعده قرة بن أبي قرة الغفاري وهو يرتجز ويقول :
قد علمت حقا بنو غفار
    وخندف بعد بني نزار
بأني الليث لدى الغيار
  لأضربن معشر الفجار
بكل عضب ذكر بتار
     ضربا وجيعا عن بني الأخيار
رهط النبي السادة الأبرار
قال ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه ‌الله.
وخرج من بعده مالك بن أنس المالكي وهو يرتجز ويقول :
قد علمت مالكها والدودان
   والخندفيون وقيس عيلان
بأن قومي آفة الأقران  
   لدى الوغى وسادة الفرسان
مباشرو الموت بطعن آن
   لسنا نرى العجز عن الطعان
آل علي شيعة الرحمن
    آل زياد شيعة الشيطان
ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه ‌الله وقال ابن نما اسمه أنس بن حارث الكاهلي وفي المناقب ثم خرج من بعده عمرو بن مطاع الجعفي هو يقول :
أنا ابن جعف وأبي مطاع
    وفي يميني مرهف قطاع
وأسمر في رأسه لماع
    يرى له من ضوئه شعاع
اليوم قد طاب لنا القراع
   دون حسين الضرب والسطاع
يرجى بذاك الفوز والدفاع
   عن حر نار حين لا انتفاع
ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه ‌الله
وقالوا ثم خرج الحجاج بن مسروق وهو مؤذن الحسين عليه السلام ويقول :
أقدم حسين هاديا مهديا
    اليوم تلقى جدك النبيا
ثم أباك ذا الندا عليا
    ذاك الذي نعرفه وصيا
والحسن الخير الرضي الوليا
   وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد الله الشهيد الحيا
ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه‌ الله.
ثم خرج من بعده زهير بن القين رضي ‌الله‌ عنه وهو يرتجز ويقول :
أنا زهير وأنا ابن القين
    أذودكم بالسيف عن حسين
إن حسينا أحد السبطين
   من عترة البر التقي الزين
ذاك رسول الله غير المين
    أضربكم ولا أرى من شين
يا ليت نفسي قسمت قسمين
وقال محمد بن أبي طالب فقاتل حتى قتل مائة وعشرين رجلا فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه فقال الحسين عليه السلام حين صرع زهير لا يبعدك الله يا زهير ولعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير.
ثم خرج سعيد بن عبد الله الحنفي وهو يرتجز :
أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا
   وشيخك الحبر عليا ذا الندا
وحسنا كالبدر وافى الأسعدا
    وعمك القوم الهمام الأرشدا
حمزة ليث الله يدعى أسدا
    وذا الجناحين تبوأ مقعدا
في جنة الفردوس يعلو صعدا
وقال في المناقب : وقيل بل القائل لهذه الأبيات هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع قال فلم يزل يقاتل حتى قتل.
ثم برز حبيب بن مظاهر الأسدي وهو يقول :
أنا حبيب وأبي مظهر
   فارس هيجاء وحرب تسعر
وأنتم عند العديد أكثر
   ونحن أعلى حجة وأظهر
وأنتم عند الوفاء أغدر
   ونحن أوفى منكم وأصبر
حقا وأنمى منكم وأعذر
وقاتل قتالا شديدا وقال أيضا :
أقسم لو كنا لكم أعدادا
   أو شطركم وليتم الأكتادا
يا شر قوم حسبا وآدا
    وشرهم قد علموا أندادا
ثم حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع ونزل التميمي فاجتز رأسه فهد مقتله الحسين
عليه السلام فقال عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي وقيل بل قتله رجل يقال له بديل بن صريم وأخذ رأسه فعلقه في عنق فرسه فلما دخل مكة رآه ابن حبيب وهو غلام غير مراهق فوثب إليه فقتله وأخذ رأسه.
وقال محمد بن أبي طالب فقتل اثنين وستين رجلا فقتله الحصين بن نمير وعلق رأسه في عنق فرسه.  ثم برز هلال بن نافع البجلي وهو يقول :
أرمي بها معلمة أفواقها
     والنفس لا ينفعها إشفاقها
مسمومة تجري بها أخفاقها
    ليملأن أرضها رشاقها
فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه ثم ضرب يده إلى سيفه فاستله وجعل يقول :
أنا الغلام اليمني البجلي
    ديني على دين حسين وعلي
إن أقتل اليوم فهذا أملي
    فذاك رأيي وألاقي عملي
فقتل ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه وأخذ أسيرا فقام إليه شمر فضرب عنقه.
قال ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة وكانت أمه معه فقالت له أمه اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن رسول الله فخرج فقال الحسين هذا شاب قتل أبوه ولعل أمه تكره خروجه فقال الشاب أمي أمرتني بذلك فبرز وهو يقول :
أميري حسين ونعم الأمير
    سرور فؤاد البشير النذير
علي وفاطمة والداه
   فهل تعلمون له من نظير
له طلعة مثل شمس الضحى
   له غرة مثل بدر منير
وقاتل حتى قتل وجز رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام فحملت أمه رأسه وقالت أحسنت يا بني يا سرور قلبي ويا قرة عيني ثم رمت برأس ابنها رجلا فقتلته وأخذت عمود خيمته وحملت عليهم وهي تقول :
أنا عجوز سيدي ضعيفة
   خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة
   دون بني فاطمة الشريفة
و ضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين عليه السلام بصرفها ودعا لها.
وفي المناقب ثم خرج جنادة بن الحارث الأنصاري وهو يقول :
أنا جناد وأنا ابن الحارث
     لست بخوار ولا بناكث
عن بيعتي حتى يرثني وارث
   اليوم شلوي في الصعيد ماكث
قال ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمه ‌الله.
قال ثم خرج من بعده عمرو بن جنادة وهو يقول :
أضق الخناق من ابن هند وارمه
    من عامه بفوارس الأنصار
ومهاجرين مخضبين رماحهم
     تحت العجاجة من دم الكفار
خضبت على عهد النبي محمد
    فاليوم تخضب من دم الفجار
واليوم تخضب من دماء أراذل
   رفضوا القرآن لنصرة الأشرار
طلبوا بثأرهم ببدر إذ أتوا
     بالمرهفات وبالقنا الخطار
والله ربي لا أزال مضاربا
    في الفاسقين بمرهف بتار
هذا على الأزدي حق واجب
    في كل يوم تعانق وكرار
قال ثم خرج عبد الرحمن بن عروة فقال :
قد علمت حقا بنو غفار
   وخندف بعد بني نزار
لنضر بن معشر الفجار
    بكل عضب ذكر بتار
يا قوم ذودوا عن بني الأخيار
     بالمشرفي والقنا الخطار
ثم قاتل حتى قتل رحمه ‌الله.
وقال محمد بن أبي طالب وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري معه شوذب مولى شاكر وقال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع قال ما أصنع أقاتل حتى أقتل قال ذاك الظن بك فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب.
فتقدم فسلم على الحسين عليه السلام وقال يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعز علي ولا أحب إلي منك ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلت السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك وهدى أبيك ثم مضى بالسيف نحوهم.
قال ربيع بن تميم فلما رأيته مقبلا عرفته وقد كنت شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس فقلت أيها الناس هذا أسد الأسود هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم فأخذ ينادي ألا رجل ألا رجل.
فقال عمر بن سعد ارضخوه بالحجارة من كل جانب فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على الناس فوالله لقد رأيت يطرد أكثر من مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة هذا يقول أنا قتلته والآخر يقول كذلك فقال عمر بن سعد لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد حتى فرق بينهم بهذا القول.
ثم جاءه عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان فقالا يا أبا عبد الله السلام عليك إنه جئنا لنقتل بين يديك وندفع عنك فقال مرحبا بكما ادنوا مني فدنوا منه وهما يبكيان فقال يا ابني أخي ما يبكيكما فو الله إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين فقالا جعلنا الله فداك والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر على أن ننفعك فقال جزاكما الله يا ابني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين ثم استقدما وقالا السلام عليك يا ابن رسول الله فقال وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته فقاتلا حتى قتلا.
قال : ثم خرج غلام تركي كان للحسين عليه السلام وكان قارئا للقرآن فجعل يقاتل ويرتجز ويقول :
البحر من طعني وضربي يصطلي
     والجو من سهمي ونبلي يمتلي
إذا حسامي في يميني ينجلي
    ينشق قلب الحاسد المبجل
فقتل جماعة ثم سقط صريعا فجاءه الحسين عليه السلام فبكى ووضع خده على خده ففتح عينه فرأى الحسين عليه السلام فتبسم ثم صار إلى ربه رضي الله عنه.
قال ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم وكان كلما رمى قال الحسين عليه السلام اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة فحملوا عليه فقتلوه.
وقال ابن نما حدث مهران مولى بني كاهل قال شهدت كربلاء مع الحسين عليه السلام فرأيت رجلا يقاتل قتالا شديدا لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع إلى الحسين عليه السلام ويرتجز ويقول :
أبشر هديت الرشد تلقى أحمدا
     في جنة الفردوس تعلو صعدا
فقلت : من هذا فقالوا أبو عمرو النهشلي وقيل الخثعمي فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة فقتله واجتز رأسه وكان أبو عمرو هذا متهجدا كثير الصلاة.
وخرج يزيد بن مهاجر فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنشاب وصار مع الحسين عليه السلام وهو يقول :
أنا يزيد وأبي المهاجر
   كأنني ليث بغيل خادر
يا رب إني للحسين ناصر
    ولابن سعد تارك وهاجر
وكان يكنى أبا الشعشاء من بني بهدلة من كندة.
قال : وجاء رجل فقال أين الحسين فقال ها أنا ذا قال أبشر بالنار تردها الساعة قال بل أبشر برب رحيم وشفيع مطاع من أنت قال أنا محمد بن الأشعث قال اللهم إن كان عبدك كاذبا فخذه إلى النار واجعله اليوم آية لأصحابه فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب فضربه حتى قطعه ووقعت مذاكيره في الأرض فو الله لقد عجبت من سرعة دعائه.
ثم جاء آخر فقال أين الحسين فقال ها أنا ذا قال أبشر بالنار قال أبشر برب رحيم وشفيع مطاع من أنت قال أنا شمر بن ذي الجوشن قال الحسين عليه السلام الله أكبر قال رسول الله صلى الله عليه واله رأيت كأن كلبا أبقع يلغ في دماء أهل بيتي وقال الحسين رأيت كأن كلابا تنهشني وكأن فيها كلبا أبقع كان أشدهم علي وهو أنت وكان أبرص.
ونقلت من الترمذي قيل للصادق عليه السلام كم تتأخر الرؤيا فذكر منام رسول الله صلى الله عليه واله فكان التأويل بعد ستين سنة.
وتقدم سيف بن أبي الحارث بن سريع ومالك بن عبد الله بن سريع الجابريان بطن من همدان يقال لهم بنو جابر أمام الحسين عليه السلام ثم التقيا فقالا عليك السلام يا ابن رسول الله فقال عليكما السلام ثم قاتلا حتى قتلا.
ثم قال محمد بن أبي طالب وغيره وكان يأتي الحسين عليه السلام الرجل بعد الرجل فيقول السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه الحسين ويقول وعليك السلام ونحن خلفك ثم يقرأ ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) حتى قتلوا عن آخرهم رضوان الله عليهم ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته.
وهكذا يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه وموته على حياته في سبيل الله وينصر الحق وإن قتل قال سبحانه ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ).
ولما وقف رسول الله صلى الله عليه واله على شهداء أحد وفيهم حمزة رضوان الله عليه وقال أنا شهيد على هؤلاء القوم زملوهم بدمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما فاللون لون الدم والريح ريح المسك.
ولما قتل أصحاب الحسين ولم يبق إلا أهل بيته وهم ولد علي وولد جعفر وولد عقيل وولد الحسن وولده عليه السلام اجتمعوا يودع بعضهم بعضا وعزموا على الحرب فأول من برز من أهل بيته عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو يرتجز ويقول :
اليوم ألقى مسلما وهو أبي
    وفتية بادوا على دين النبي
ليسوا بقوم عرفوا بالكذب
    لكن خيار وكرام النسب
من هاشم السادات أهل الحسب
وقال محمد بن أبي طالب فقاتل حتى قتل ثمانية وتسعين رجلا في ثلاث حملات ثم قتله عمرو بن صبيح الصيداوي وأسد بن مالك.
وقال أبو الفرج عبد الله بن مسلم أمه رقية بنت علي بن أبي طالب عليه السلام قتله عمرو بن صبيح فيما ذكرناه عن المدائني وعن حميد بن مسلم وذكر أن السهم أصابه وهو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته وجبهته ومحمد بن مسلم بن عقيل أمه أم ولد قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أبو جرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني.
وقال محمد بن أبي طالب وغيره ثم خرج من بعده جعفر بن عقيل وهو يرتجز ويقول :
أنا الغلام الأبطحي الطالبي
     من معشر في هاشم وغالب
ونحن حقا سادة الذوائب
   هذا حسين أطيب الأطايب
من عترة البر التقي العاقب
فقتل خمسة عشر فارسا وقال ابن شهرآشوب وقيل قتل رجلين ثم قتله بشر بن سوط الهمداني وقال أبو الفرج أمه أم الثغر بنت عامر العامري قتله عروة بن عبد الله الخثعمي فيما رويناه عن أبي جعفر الباقر عليه السلام وعن حميد بن مسلم.
وقالوا ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل وهو يقول :
أبي عقيل فاعرفوا مكاني
    من هاشم وهاشم إخواني
كهول صدق سادة الأقران
    هذا حسين شامخ البنيان
وسيد الشيب مع الشبان
فقتل سبعة عشر فارسا ثم قتله عثمان بن خالد الجهني.
وقال أبو الفرج وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب أمه أم ولد وقتله عثمان بن خالد بن أشيم الجهني وبشر بن حوط القابضي فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم وعبد الله الأكبر بن عقيل أمه أم ولد قتله فيما ذكر المدائني عثمان بن خالد الجهني ورجل من همدان ولم يذكر عبد الرحمن أصلا.
ثم قال ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب الأحول وأمه أم ولد قتله لقيط بن ياسر الجهني رماه بسهم ـ فيما رويناه عن المدائني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم وذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل ووصف أنه قد سمع أيضا من يذكر أنه قد قتل يوم الحرة.
وقال أبو الفرج ما رأيت في كتب الأنساب لمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا وذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة عن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أن علي بن عقيل وأمه أم ولد قتل يومئذ.
ثم قالوا وخرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو يقول :
نشكو إلى الله من العدوان
   قتال قوم في الردى عميان
قد تركوا معالم القرآن
    ومحكم التنزيل والتبيان
وأظهروا الكفر مع الطغيان
ثم قاتل حتى قتل عشرة أنفس ثم قتله عامر بن نهشل التميمي.
ثم خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر وهو يقول :
إن تنكروني فأنا ابن جعفر
    شهيد صدق في الجنان أزهر
يطير فيها بجناح أخضر
   كفى بهذا شرفا في المحشر
ثم قاتل حتى قتل من القوم ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلا ثم قتله عبد الله بن بطة الطائي.
قال أبو الفرج بعد ذكر قتل محمد وعون وإن عونا قتله عبد الله بن قطنة التيهاني وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ذكر يحيى بن الحسن فيما أخبرني به أحمد بن سعيد عنه أنه قتل مع الحسين عليه السلام بالطف.
ثم قال أبو الفرج ومحمد بن أبي طالب وغيرهما ثم خرج من بعده عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وفي أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن عليه السلام وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم فلما نظر الحسين إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما ثم استأذن الحسين عليه السلام في المبارزة فأبى الحسين أن يأذن له فلم يزل الغلام يقبل يديه ورجليه حتى أذن له فخرج ودموعه تسيل على خديه وهو يقول :
إن تنكروني فأنا ابن الحسن
     سبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن
     بين أناس لا سقوا صوب المزن
وكان وجهه كفلقة القمر فقاتل قتالا شديدا حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلا قال حميد كنت في عسكر ابن سعد فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنه كان اليسرى فقال عمرو بن سعد الأزدي والله لأشدن عليه فقلت سبحان الله وما تريد بذلك والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه قال والله لأفعلن فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه ونادى يا عماه.
قال : فجاء الحسين كالصقر المنقض فتخلل الصفوف وشد شدة الليث الحرب فضرب عمرا قاتله بالسيف فاتقاه بيده فأطنها من المرفق فصاح ثم تنحى عنه وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من الحسين فاستقبلته بصدورها وجرحته بحوافرها ووطئته حتى مات الغلام فانجلت الغبرة فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجله فقال الحسين يعز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا يعينك أو يعينك فلا يغني عنك بعدا لقوم قتلوك.
ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض وقد وضع صدره على صدره فقلت في نفسي ما يصنع فجاء حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
ثم قال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ولا تغفر لهم أبدا صبرا يا بني عمومتي صبرا يا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولا وهو الأصح أنه برز بعد القاسم وهو يقول :
إن تنكروني فأنا ابن حيدرة
    ضرغام آجام وليث قسورة
على الأعادي مثل ريح صرصرة
فقتل أربعة عشر رجلا ثم قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي فاسود وجهه قال أبو الفرج كان أبو جعفر الباقر عليه السلام يذكر أن حرملة بن كاهل الأسدي قتله وروي عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله.
ثم قال وأبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه أم ولد ـ ذكر المدائني في إسنادنا عنه عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد أن عبد الله بن عقبة الغنوي قتله ـ وفي حديث عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أن عقبة الغنوي قتله.
قالوا ثم تقدمت إخوة الحسين عازمين على أن يموتوا دونه فأول من خرج منهم أبو بكر بن علي واسمه عبيد الله وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي التميمية فتقدم وهو يرتجز :
شيخي علي ذو الفخار الأطول
    من هاشم الصدق الكريم المفضل
هذا حسين بن النبي المرسل   عنه نحامي بالحسام المصقل
تفديه نفسي من أخ مبجل
فلم يزل يقاتل حتى قتله زحر بن بدر النخعي وقيل عبيد الله بن عقبة الغنوي قال
أبو الفرج لا يعرف اسمه وذكر أبو جعفر الباقر عليه السلام في الإسناد الذي تقدم أن رجلا من همدان قتله وذكر المدائني أنه وجد في ساقية مقتولا لا يدرى من قتله.
قالوا ثم برز من بعده أخوه عمر بن علي وهو يقول :
أضربكم ولا أرى فيكم زحر     ذاك الشقي بالنبي قد كفر
يا زحر يا زحر تدان من عمر
    لعلك اليوم تبوأ من سقر
شر مكان في حريق وسعر
    لأنك الجاحد يا شر البشر
ثم حمل على زحر قاتل أخيه فقتله واستقبل القوم وجعل يضرب بسيفه ضربا منكرا وهو يقول :
خلوا عداه الله خلوا عن عمر
    خلوا عن الليث العبوس المكفهر
يضربكم بسيفه ولا يفر
     وليس فيها كالجبان المنجحر
فلم يزل يقاتل حتى قتل.
ثم برز من بعده أخوه عثمان بن علي وأمه أم البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب وهو يقول :
إني أنا عثمان ذو المفاخر
     شيخي علي ذو الفعال الظاهر
وابن عم للنبي الطاهر
  أخي حسين خيرة الأخاير
وسيد الكبار والأصاغر
     بعد الرسول والوصي الناصر
فرماه خولي بن يزيد الأصبحي على جبينه فسقط عن فرسه وجز رأسه رجل من بني أبان بن حازم ـ قال أبو الفرج قال يحيى بن الحسن عن علي بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن وعبد الله بن العباس قالا قتل عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة وقال الضحاك بإسناده إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأسقطه وشد عليه رجل من بني أبان دارم وأخذ رأسه وروي عن علي عليه السلام أنه قال إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون
أقول ولم يذكر أبو الفرج عمر بن علي في المقتولين يومئذ.
قالوا ثم برز من بعده أخوه جعفر بن علي وأمه أم البنين أيضا وهو يقول :
إني أنا جعفر ذو المعالي
    ابن علي الخير ذو النوال
حسبي بعمي شرفا وخالي
    أحمي حسينا ذي الندى المفضال
ثم قاتل فرماه خولي الأصبحي فأصاب شقيقته أو عينه.
ثم برز أخوه عبد الله بن علي وهو يقول :
أنا ابن ذي النجدة والإفضال
    ذاك علي الخير ذو الفعال
سيف رسول الله ذو النكال
   في كل قوم ظاهر الأهوال
فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي.
قال أبو الفرج : حدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن علي بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن وعبد الله بن العباس قالا قتل عبد الله بن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن خمس وعشرين سنة ولا عقب له وقتل جعفر بن علي وهو ابن تسع عشرة سنة ـ حدثني أحمد بن عيسى عن حسين بن نصر عن أبيه عن عمر بن سعد عن أبي مخنف عن عبد الله بن عاصم عن ضحاك المشرقي قال قال العباس بن علي لأخيه من أبيه وأمه عبد الله بن علي تقدم بين يدي حتى أراك وأحتسبك فإنه لا ولد لك فتقدم بين يديه وشد عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله وبهذا الإسناد أن العباس بن علي قدم أخاه جعفرا بين يديه فشد عليه هانئ بن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله ـ وقال نصر بن مزاحم حدثني عمرو بن
شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن خولي بن يزيد الأصبحي قتل جعفر بن علي عليه السلام.
ثم قال ومحمد الأصغر بن علي بن أبي طالب وأمه أم ولد ـ حدثني أحمد بن عيسى عن حسين بن نصر عن أبيه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام و ـ حدثني أحمد بن أبي شيبة عن أحمد بن الحارث عن المدائني أن رجلا من تميم من بني أبان بن دارم قتله رضوان الله عليه.
قال : وقد ذكر محمد بن علي بن حمزة أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه أم ولد وما سمعت بهذا عن غيره ولا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكرا ـ وذكر يحيى بن الحسن أن أبا بكر بن عبيد الله الطلحي حدثه عن أبيه أن عبيد الله بن علي قتل مع الحسين وهذا خطأ وإنما قتل عبيد الله يوم المذار قتله أصحاب المختار وقد رأيته بالمذار.
وقال كان العباس بن علي يكنى أبا الفضل وأمه أم البنين أيضا وهو أكبر ولدها وهو آخر من قتل من إخوته لأبيه وأمه فحاز مواريثهم ثم تقدم فقتل فورثهم وإياه عبيد الله ونازعه في ذلك عمه عمر بن علي فصولح على شيء أرضي به.
وكان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في الأرض وكان يقال له قمر بني هاشم وكان لواء الحسين عليه السلام معه ـ حدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن بكر بن عبد الوهاب عن ابن أبي أويس عن أبيه عن جعفر بن محمد عليه السلام قال : عبأ الحسين بن علي أصحابه فأعطى رايته
أخاه العباس ـ حدثني أحمد بن عيسى عن حسين بن نصر عن أبيه عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أن زيد بن رقاد وحكيم بن الطفيل الطائي قتلا العباس بن علي عليه السلام وكانت أم البنين أم هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها فيجتمع الناس إليها يسمعون منها فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي ـ ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة عن النوفلي عن حماد بن عيسى الجهني عن معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد عليهما السلام.
قالوا وكان العباس السقاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين عليه السلام وهو أكبر الإخوان مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم وجعل يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت رقا
    حتى أواري في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا
    إني أنا العباس أغدو بالسقا
ولا أخاف الشر يوم الملتقى
ففرقهم فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل وهو يرتجز :
والله إن قطعتم يميني
     إني أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين
     نجل النبي الطاهر الأمين
فقاتل حتى ضعف فكمن له الحكم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال :
يا نفس لا تخشي من الكفار
     وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار
    قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا رب حر النار
فضربه ملعون بعمود من حديد فقتله فلما رآه الحسين عليه السلام صريعا على شاطئ الفرات بكى وأنشأ يقول :
تعديتم يا شر قوم ببغيكم
    وخالفتم دين النبي محمد
أما كان خير الرسل أوصاكم بنا
    أما نحن من نجل النبي المسدد
أما كانت الزهراء أمي دونكم
    أما كان من خير البرية أحمد
لعنتم وأخزيتم بما قد جنيتم
     فسوف تلاقوا حر نار توقد
أقول : وفي بعض تأليفات أصحابنا أن العباس لما رأى وحدته عليه السلام أتى أخاه وقال يا أخي هل من رخصة فبكى الحسين عليه السلام بكاء شديدا ثم قال يا أخي أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسكري فقال العباس قد ضاق صدري وسئمت من الحياة وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.
فقال الحسين عليه السلام فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء فذهب العباس ووعظهم وحذرهم فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره فسمع الأطفال ينادون العطش العطش فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة وقصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات ورموه بالنبال فكشفهم وقتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتى دخل الماء.
فلما أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين وأهل بيته فرمى الماء وملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن وتوجه نحو الخيمة فقطعوا عليه
الطريق وأحاطوا به من كل جانب فحاربهم حتى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها فحمل القربة على كتفه الأيسر فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة وأريق ماؤها ثم جاءه سهم آخر فأصاب صدره فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين أدركني فلما أتاه رآه صريعا فبكى وحمله إلى الخيمة.
ثم قالوا ولما قتل العباس قال الحسين عليه السلام الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي.
قال ابن شهرآشوب ثم برز القاسم بن الحسين وهو يرتجز ويقول :
إن تنكروني فأنا ابن حيدرة
    ضرغام آجام وليث قسورة
على الأعادي مثل ريح صرصرة
    أكيلكم بالسيف كيل السندرة
وذكر هذا بعد أن ذكر القاسم بن الحسن سابقا وفيه غرابة.
قالوا ثم تقدم علي بن الحسين عليه السلام وقال محمد بن أبي طالب وأبو الفرج وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة وقال ابن شهرآشوب ويقال ابن خمس وعشرين سنة.
قالوا ورفع الحسين سبابته نحو السماء وقال اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقا ومزقهم تمزيقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض الولاة عنهم أبدا فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا.
ثم صاح الحسين بعمر بن سعد ما لك قطع الله رحمك ولا بارك الله لك في أمرك وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه واله ثم رفع الحسين عليه السلام صوته وتلا ( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ـ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).
ثم حمل علي بن الحسين على القوم وهو يقول :
أنا علي بن الحسين بن علي
   من عصبة جد أبيهم النبي
والله لا يحكم فينا ابن الدعي
     أطعنكم بالرمح حتى ينثني
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي
     ضرب غلام هاشمي علوي
فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم وروي أنه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلا ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة فقال يا أبه العطش قد قتلني وثقل الحديد أجهدني فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء فبكى الحسين عليه السلام وقال يا بني يعز على محمد وعلى علي بن أبي طالب وعلي أن تدعوهم فلا يجيبوك وتستغيث بهم فلا يغيثوك يا بني هات لسانك فأخذ بلسانه فمصه ودفع إليه خاتمه وقال امسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا فرجع إلى القتال وهو يقول :
الحرب قد بانت لها الحقائق
   وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق
    جموعكم أو تغمد البوارق
فلم يزل قتل تمام المائتين ثم ضربه منقذ بن مرة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته وضربه الناس بأسيافهم ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطعوه بسيوفهم إربا إربا.
فلما بلغت الروح التراقي قال رافعا صوته يا أبتاه هذا جدي رسول الله صلى الله عليه واله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا وهو يقول العجل العجل فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة فصاح الحسين عليه السلام وقال قتل الله قوما قتلوك ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسوله وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور وتقول يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه فسألت عنها فقيل هي زينب بنت علي عليه السلام وجاءت وانكبت عليه فجاء الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط وأقبل عليه السلام بفتيانه وقال احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.
وقال المفيد وابن نما بعد ذلك ثم رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه ونفذ إلى جبهته فسمرها به فلم يستطع تحريكها ثم انحنى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله.
وحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله وحمل عامر بن نهشل التميمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله وشد عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتله.
 وقال أبو الفرج في المقاتل حدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن بكر بن عبد الوهاب عن إسماعيل بن أبي زياد إدريس عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام أن أول قتيل قتل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه علي ـ وحدثني أحمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن غير واحد عن محمد بن أبي عمير وعن أحمد بن عبد الرحمن البصري عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن سعيد بن ثابت قال : لما برز علي بن الحسين إليهم أرخى الحسين عليه السلام عينيه فبكى ثم قال اللهم فكن أنت الشهيد عليهم فقد برز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه واله فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول يا أبه العطش فيقول له الحسين اصبر حبيبي فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله بكأسه وجعل يكر كرة بعد كرة حتى رمي بسهم فوقع في حلقه فخرقه وأقبل يتقلب في دمه ثم نادى يا أبتاه عليك السلام هذا جدي رسول الله يقرئك السلام ويقول عجل القدوم علينا وشهق شهقة فارق الدنيا.
قال أبو الفرج علي بن الحسين هذا هو الأكبر ولا عقب له ويكنى أبا الحسن وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي وهو أول من قتل في الوقعة وإياه عنى معاوية في الخبر الذي ـ حدثني به محمد بن محمد بن سليمان عن يوسف بن موسى القطان عن جرير عن مغيرة قال قال معاوية من أحق الناس بهذا الأمر قالوا أنت قال لا أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي جده رسول الله وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية وزهو ثقيف.
وقال يحيى بن الحسن العلوي وأصحابنا الطالبيون يذكرون أن المقتول لأم ولد وأن الذي أمه ليلى هو جدهم وولد في خلافة عثمان.
ثم قالوا وخرج غلام وبيده عمود من تلك الأبنية وفي أذنيه درتان وهو مذعور فجعل يلتفت يمينا وشمالا وقرطاه يتذبذبان فحمل عليه هانئ بن ثبيت فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه ولا تتكلم كالمدهوشة.
ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحدا من الرجال والتفت عن يساره فلم ير أحدا فخرج علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وكان مريضا لا يقدر أن يقل سيفه وأم كلثوم تنادي خلفه يا بني ارجع فقال يا عمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله فقال الحسين عليه السلام يا أم كلثوم خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد صلى الله عليه واله.
ولما فجع الحسين بأهل بيته وولده ولم يبق غيره وغير النساء والذراري نادى هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله هل من موحد يخاف الله فينا هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا وارتفعت أصوات النساء بالعويل فتقدم عليه السلام إلى باب الخيمة فقال ناولوني عليا ابني الطفل حتى أودعه فناولوه الصبي.
وقال المفيد دعا ابنه عبد الله قالوا فجعل يقبله وهو يقول ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم والصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه ثم رمى به إلى السماء.
وقال السيد : ثم قال هون علي ما نزل بي أنه بعين الله قال الباقر عليه السلام فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.
قالوا ثم قال لا يكون أهون عليك من فصيل اللهم إن كنت حبست عنا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا.
أقول : وفي بعض الكتب أن الحسين لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى التفت إلى الخيمة ونادى يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا أم كلثوم عليكن مني السلام فنادته سكينة يا أبه استسلمت للموت؟ فقال كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين فقالت يا أبه ردنا إلى حرم جدنا فقال هيهات لو ترك القطا لنام فتصارخن النساء فسكتهن الحسين وحمل على القوم.
وقال أبو الفرج وعبد الله بن الحسين وأمه الرباب بنت إمرئ القيس وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين :
لعمرك إنني لأحب دارا
   تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي
    وليس لعاتب عندي عتاب
وسكينة التي ذكرها ابنته من الرباب واسم سكينة أمينة وإنما غلب عليها سكينة وليس باسمها وكان عبد الله يوم قتل صغيرا جاءه نشابة وهو في حجر أبيه فذبحته ـ حدثني أحمد بن شبيب عن أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم قال دعا الحسين بغلام فأقعده في حجره فرماه عقبة بن بشر فذبحه وحدثني محمد بن الحسين الأشناني بإسناده عمن شهد الحسين قال كان معه ابن له صغير فجاء سهم فوقع في نحره قال فجعل الحسين يمسح الدم من نحر لبته فيرمي به إلى السماء فما رجع منه شيء ويقول اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل.
ثم قالوا ثم قام الحسين عليه السلام وركب فرسه وتقدم إلى القتال وهو يقول :
كفر القوم وقدما رغبوا
    عن ثواب الله رب الثقلين
قتلوا القوم عليا وابنه
    حسن الخير كريم الأبوين
حنقا منهم وقالوا أجمعوا
   احشروا الناس إلى حرب الحسين
يا لقوم من أناس رذل
    جمع الجمع لأهل الحرمين
ثم ساروا وتواصوا كلهم
    باجتياحي لرضاء الملحدين
لم يخافوا الله في سفك دمي
    لعبيد الله نسل الكافرين
وابن سعد قد رماني عنوة
    بجنود كوكوف الهاطلين
لا لشيء كان مني قبل ذا
    غير فخري بضياء النيرين
بعلي الخير من بعد النبي
     والنبي القرشي الوالدين
خيرة الله من الخلق أبي
     ثم أمي فأنا ابن الخيرين
فضة قد خلصت من ذهب
     فأنا الفضة وابن الذهبين
من له جد كجدي في الورى
    أو كشيخي فأنا ابن العلمين
فاطم الزهراء أمي وأبي
     قاصم الكفر ببدر وحنين
عبد الله غلاما يافعا
     وقريش يعبدون الوثنين
يعبدون اللات والعزى معا
    وعلي كان صلى القبلتين
فأبي شمس وأمي قمر
    فأنا الكوكب وابن القمرين
وله في يوم أحد وقعة
    شفت الغل بفض العسكرين
ثم في الأحزاب والفتح معا
     كان فيها حتف أهل الفيلقين
في سبيل الله ما ذا صنعت
     أمة السوء معا بالعترتين
عترة البر النبي المصطفى
    وعلي الورد يوم الجحفلين
ثم وقف عليه السلام قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيسا من الحياة عازما على الموت
وهو يقول :
أنا ابن علي الطهر من آل هاشم
     كفاني بهذا مفخرا حين أفخر
وجدي رسول الله أكرم من مضى
     ونحن سراج الله في الخلق نزهر
وفاطم أمي من سلالة أحمد
     وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله أنزل صادقا
     وفينا الهدى والوحي بالخير يذكر
ونحن أمان الله للناس كلهم
    نسر بهذا في الأنام ونجهر
ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا
    بكأس رسول الله ما ليس ينكر
وشيعتنا في الناس أكرم شيعة
     ومبغضنا يوم القيامة يخسر
أقول : روي في الإحتجاج أنه لما بقي فردا ليس معه إلا ابنه علي بن الحسين عليه السلام وابن آخر في الرضاع اسمه عبد الله أخذ الطفل ليودعه فإذا بسهم قد أقبل حتى وقع في لبة الصبي فقتله فنزل عن فرسه وحفر للصبي بجفن سيفه ورمله بدمه ودفنه ثم وثب قائما وهو يقول إلى آخر الأبيات.
وقال محمد بن أبي طالب وذكر أبو علي السلامي في تاريخه أن هذه الأبيات للحسين عليه السلام من إنشائه وقال ليس لأحد مثلها :
فإن تكن الدنيا تعد نفيسة
     فإن ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للموت أنشئت
     فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا
     فقلة سعي المرء في الكسب أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها
    فما بال متروك به المرء يبخل
ثم إنه دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من دنا منه من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة عظيمة ثم حمل عليه السلام على الميمنة وقال : " الموت خير من ركوب العار " ثم على الميسرة وهو يقول :
أنا الحسين بن علي
    آليت أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي
    أمضي على دين النبي
قال المفيد والسيد وابن نما رحمهم ‌الله واشتد العطش بالحسين عليه السلام فركب المسناة يريد الفرات والعباس أخوه بين يديه فاعترضه خيل ابن سعد فرمى رجل من بني دارم الحسين عليه السلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف فانتزع عليه السلام السهم وبسط يده تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم ثم رمى به وقال اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك ثم اقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه وكان المتولي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي وحكيم بن الطفيل السنبسي فبكى الحسين لقتله بكاء شديدا.
قال السيد ثم إن الحسين عليه السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو في ذلك يقول :
القتل أولى من ركوب العار
     والعار أولى من دخول النار
قال بعض الرواة فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشا منه وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ألفا فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال ابن شهرآشوب ومحمد بن أبي طالب ولم يزل يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلا سوى المجروحين فقال عمر بن سعد لقومه الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب وكانت الرماة أربعة آلاف فرموه بالسهام فحالوا بينه وبين رحله.
وقال ابن أبي طالب وصاحب المناقب والسيد فصاح بهم ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعرابا فناداه شمر فقال ما تقول يا ابن فاطمة قال أقول أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا فقال شمر لك هذا ثم صاح شمر إليكم عن حرم الرجل فاقصدوه في نفسه فلعمري لهو كفو كريم قال فقصده القوم وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم حتى أحلوه عنه.
وقال ابن شهرآشوب وروى أبو مخنف عن الجلودي أن الحسين عليه السلام حمل على الأعور السلمي وعمرو بن الحجاج الزبيدي وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة وأقحم الفرس على الفرات فلما أولغ الفرس برأسه ليشرب قال عليه السلام أنت عطشان وأنا عطشان والله لا ذقت الماء حتى تشرب فلما سمع الفرس كلام الحسين عليه السلام شال رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام فقال الحسين عليه السلام فأنا أشرب فمد الحسين عليه السلام يده فغرف من الماء فقال فارس يا أبا عبد الله تتلذذ بشرب الماء وقد هتكت حرمك فنفض الماء من يده وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة.
قال أبو الفرج قال وجعل الحسين عليه السلام يطلب الماء وشمر يقول له والله لا ترده أو ترد النار فقال له رجل ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون الحيتان والله لا تذوقه أو تموت عطشا فقال الحسين عليه السلام اللهم أمته عطشا قال والله لقد كان هذا الرجل يقول اسقوني ماء فيؤتى بماء فيشرب حتى يخرج من فيه ثم يقول اسقوني قتلني العطش فلم يزل كذلك حتى مات.
فقالوا ثم رماه رجل من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي بسهم فوقع السهم في جبهته فنزعه من جبهته فسالت الدماء على وجهه ولحيته فقال عليه السلام اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على وجه الأرض منهم أحدا ولا تغفر لهم أبدا.
ثم حمل عليهم كالليث المغضب فجعل لا يلحق منهم أحدا إلا بعجه بسيفه فقتله والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره ويقول يا أمة السوء بئسما خلفتم محمدا في عترته أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد الله فتهابوا قتله بل يهون عليكم عند قتلكم إياي وايم الله إني لأرجو أن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون.
قال فصاح به الحصين بن مالك السكوني فقال يا ابن فاطمة وبما ذا ينتقم لك منا قال يلقي بأسكم بينكم ويسفك دماءكم ثم يصب عليكم العذاب الأليم ثم لم يزل يقاتل حتى أصابته جراحات عظيمة.
وقال صاحب المناقب والسيد حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة وقال ابن شهرآشوب قال أبو مخنف عن جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام قال وجدنا بالحسين ثلاثا وثلاثين طعنة وأربعا وثلاثين ضربة وقال الباقر عليه السلام أصيب الحسين عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضع وعشرون طعنة برمح وضربة بسيف أو رمية بسهم وروي ثلاثمائة وستون جراحة وقيل ثلاث وثلاثون ضربة سوى السهام وقيل ألف وتسعمائة جراحة وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ وروي أنها كانت كلها في مقدمه.
قالوا فوقف عليه السلام يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع السهم في صدره وفي بعض الروايات على قلبه فقال الحسين عليه السلام بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ورفع رأسه إلى السماء وقال إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب فوضع يده على الجرح فلما امتلأت رمى به إلى السماء فما رجع من ذلك الدم قطرة وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين عليه السلام بدمه إلى السماء ثم وضع يده ثانيا فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته وقال هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول يا رسول الله قتلني فلان وفلان.
ثم ضعف عن القتال فوقف فكلما أتاه رجل وانتهى إليه انصرف عنه حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن اليسر فشتم الحسين عليه السلام وضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس فامتلأ دما فقال له الحسين عليه السلام لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتم عليها وقد أعيا وجاء الكندي وأخذ البرنس وكان من خز فلما قدم بعد الوقعة على امرأته فجعل يغسل الدم عنه فقالت له امرأته أتدخل بيتي بسلب ابن رسول الله اخرج عني حشى الله قبرك نارا فلم يزل بعد ذلك فقيرا باسوأ حال ويبست يداه وكانتا في الشتاء ينضحان دما وفي الصيف تصيران يابستين كأنهما عودان.
وقال المفيد والسيد فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به فخرج عبد الله بن الحسن بن علي عليهم السلام وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب بنت علي عليه السلام لتحبسه فقال الحسين عليه السلام احبسيه يا أختي فأبى وامتنع امتناعا شديدا وقال لا والله لا أفارق عمي وأهوى أبجر بن كعب وقيل حرملة بن كاهل إلى الحسين عليه السلام بالسيف فقال له الغلام ويلك يا ابن الخبيثة أتقتل عمي فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة فنادى الغلام يا أماه فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إليه وقال يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين قال السيد فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه الحسين عليه السلام.
ثم إن شمر بن ذي الجوشن حمل على فسطاط الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح ثم قال علي بالنار أحرقه على من فيه فقال له الحسين عليه السلام يا ابن ذي الجوشن أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي أحرقك الله بالنار وجاء شبث فوبخه فاستحيا وانصرف.
قال وقال الحسين عليه السلام ابعثوا إلي ثوبا لا يرغب فيه أجعله تحت ثيابي لئلا أجرد فأتي بتبان فقال لا ذاك لباس من ضربت عليه بالذلة فأخذ ثوبا خلقا فخرقه وجعله تحت ثيابه فلما قتل جردوه منه ثم استدعى الحسين عليه السلام بسراويل من حبرة ففزرها ولبسها وإنما فزرها لئلا يسلبها فلما قتل سلبها أبجر بن كعب وتركه عليه السلام مجردا فكانت يد أبجر بعد ذلك ييبسان في الصيف كأنهما عودان ويترطبان في الشتاء فينضحان دما وقيحا إلى أن أهلكه الله تعالى.
قال ولما أثخن بالجراح وبقي كالقنفذ طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته طعنة فسقط عليه السلام عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن ثم قام صلوات الله عليه.
قال وخرجت زينب من الفسطاط وهي تنادي وا أخاه وا سيداه وا أهل بيتاه ليت السماء أطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السهل وقال وصاح الشمر ما تنتظرون بالرجل فحملوا عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك على كتفه وضرب الحسين زرعة فصرعه وضربه آخر على عاتقه المقدس بالسيف ضربة كبا عليه السلام بها لوجهه وكان قد أعيا وجعل عليه السلام ينوء ويكبو فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته ثم انتزع الرمح فطعنه في بواني صدره ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط عليه السلام وجلس قاعدا فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعا وكلما امتلأتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول هكذا حتى ألقى الله مخضبا بدمي مغصوبا على حقي.
فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه انزل ويحك إلى الحسين فأرحه فبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليجتز رأسه فأرعد فنزل إليه سنان بن أنس النخعي فضربه بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول والله إني لأجتز رأسك وأعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أبا وأما ثم اجتز رأسه المقدس المعظم صلى الله عليه وسلم وكرم.
وروي أن سنانا هذا أخذه المختار فقطع أنامله أنملة أنملة ثم قطع يديه ورجليه وأغلى له قدرا فيها زيت ورماه فيها وهو يضطرب.
وقال صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب ولما ضعف عليه السلام نادى شمر ما وقوفكم وما تنتظرون بالرجل قد أثخنته الجراح والسهام احملوا عليه ثكلتكم أمهاتكم فحملوا عليه من كل جانب فرماه الحصين بن تميم في فيه وأبو أيوب الغنوي بسهم في حلقه وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه وكان قد طعنه سنان بن أنس النخعي في صدره وطعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته فوقع عليه السلام إلى الأرض على خده الأيمن ثم استوى جالسا ونزع السهم من حلقه ثم دنا عمر بن سعد من الحسين عليه السلام.
قال حميد وخرجت زينب بنت علي عليه السلام وقرطاها يجولان بين أذنيها وهي تقول ليت السماء انطبقت على الأرض يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته وهو يصرف وجهه عنها والحسين عليه السلام جالس وعليه جبة خز وقد تحاماه الناس فنادى شمر ويلكم ما تنتظرون به اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم فضربه زرعة بن شريك فأبان كفه اليسرى ثم ضربه على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يكبو مرة ويقوم أخرى.
فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه وقال لخولي بن يزيد اجتز رأسه فضعف وارتعدت يده فقال له سنان فت الله عضدك وأبان يدك فنزل إليه شمر لعنه الله وكان اللعين أبرص فضربه برجله فألقاه على قفاه ثم أخذ بلحيته فقال الحسين عليه السلام أنت الأبقع الذي رأيتك في منامي فقال أتشبهني بالكلاب ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السلام وهو يقول :
أقتلك اليوم ونفسي تعلم
     علما يقينا ليس فيه مزعم
ولا مجال لا ولا تكتم
    إن أباك خير من تكلم
وروى في المناقب بإسناده عن عبد الله بن ميمون عن محمد بن عمرو بن الحسن قال كنا مع الحسين بنهر كربلاء ونظر إلى شمر بن ذي الجوشن وكان أبرص فقال الله أكبر الله أكبر ( صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) قال رسول الله كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دم أهل بيتي.
ثم قال فغضب عمر بن سعد لعنه الله ثم قال لرجل عن يمينه انزل ويحك إلى الحسين فأرحه فنزل إليه خولي بن يزيد الأصبحي لعنه الله فاجتز رأسه وقيل بل جاء إليه شمر وسنان بن أنس والحسين عليه السلام بآخر رمق يلوك لسانه من العطش ويطلب الماء فرفسه شمر لعنه الله برجله وقال يا ابن أبي تراب ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبه فاصبر حتى تأخذ الماء من يده ثم قال لسنان اجتز رأسه قفاء فقال سنان والله لا أفعل فيكون جده محمد صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم خصمي.
فغضب شمر لعنه الله وجلس على صدر الحسين وقبض على لحيته وهم بقتله فضحك الحسين عليه السلام فقال له أتقتلني ولا تعلم من أنا فقال أعرفك حق المعرفة أمك فاطمة الزهراء وأبوك علي المرتضى وجدك محمد المصطفى وخصمك العلي الأعلى أقتلك ولا أبالي فضربه بسيفه اثنتي عشرة ضربة ثم جز رأسه صلوات الله وسلامه عليه ولعن الله قاتله ومقاتله والسائرين إليه بجموعهم.
وقال ابن شهرآشوب روى أبو مخنف عن الجلودي أنه كان صرع الحسين عليه السلام فجعل فرسه يحامي عنه ويثب على الفارس فيخبطه عن سرجه ويدوسه حتى قتل الفرس أربعين رجلا ثم تمرغ في دم الحسين عليه السلام وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال ويضرب بيديه الأرض.
وقال السيد رضي ‌الله‌ عنه فلما قتل صلوات الله عليه ارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لا ترى فيها عين ولا أثر حتى ظن القوم أن العذاب قد جاءهم فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم.
وروى هلال بن نافع قال إني لواقف مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ صارخ أبشر أيها الأمير فهذا شمر قد قتل الحسين قال فخرجت بين الصفين فوقفت عليه وإنه ليجود بنفسه فو الله ما رأيت قط قتيلا مضمخا بدمه أحسن منه ولا أنور وجها ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيبته عن الفكرة في قتله فاستسقى في تلك الحالة ماء فسمعت رجلا يقول لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها فسمعته يقول أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها بل أرد على جدي رسول الله صلى الله عليه واله وأسكن معه في داره ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) وأشرب ( مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) وأشكو إليه ما ركبتم مني وفعلتم بي قال فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئا فاجتزوا رأسه وإنه ليكلمهم فتعجبت من قلة رحمتهم وقلت والله لا أجامعكم على أمر أبدا.
قال ثم أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام فأخذ قميصه إسحاق بن حوية الحضرمي فلبسه فصار أبرص وامتعط شعره وروي أنه وجد في قميصه مائة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنة وضربة وقال الصادق عليه السلام وجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة وأخذ سراويله أبجر بن كعب التيمي وروي أنه صار زمنا مقعدا من رجليه وأخذ عمامته أخنس بن مرسد بن علقمة الحضرمي وقيل جابر بن يزيد الأودي فاعتم بها فصار معتوها وفي غير رواية السيد فصار مجذوما وأخذ درعه مالك بن بشير الكندي فصار معتوها.
فقال السيد وأخذ نعليه الأسود بن خالد وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي فقطع إصبعه عليه السلام مع الخاتم وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط في دمه حتى هلك وأخذ قطيفة له عليه السلام كانت من خز قيس بن الأشعث وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد فلما قتل عمر بن سعد وهبها المختار لأبي عمرة قاتله وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأزدي ويقال رجل من بني تميم يقال له الأسود بن حنظلة وفي رواية ابن سعد أنه أخذ سيفه القلافس النهشلي وزاد محمد بن زكريا أنه وقع بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بديل وهذا السيف المنهوب ليس بذي الفقار وإن ذلك كان مذخورا ومصونا مع أمثاله من ذخائر النبوة والإمامة وقد نقل الرواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه.
قال وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين عليه السلام فقال لها رجل يا أمة الله إن سيدك قتل قالت الجارية فأسرعت إلى سيدتي وأنا أصيح فقمن في وجهي وصحن قال وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول وقرة عين الزهراء البتول حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها وخرجن بنات الرسول وحرمه يتساعدن على البكاء ويندبن لفراق الحماة والأحباء.
وروى حميد بن مسلم قال رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام فسطاطهن وهم يسلبونهن أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط فقالت يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله لا حكم إلا لله يا ثارات رسول الله فأخذها زوجها وردها إلى رحله.
قال ثم أخرجوا النساء من الخيمة وأشعلوا فيها النار فخرجن حواسر مسلبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلة وقلن بحق الله إلا ما مررتم بنا على مصرع الحسين فلما نظرت النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن.
قال فوالله لا أنسى زينب بنت علي عليه السلام وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب وا محمداه صلى عليك مليك السماء هذا حسين مرمل بالدماء مقطع
الأعضاء وبناتك سبايا إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى حمزة سيد الشهداء وا محمداه هذا حسين بالعراء يسفي عليه الصبا قتيل أولاد البغايا يا حزناه يا كرباه اليوم مات جدي رسول الله يا أصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا.
وفي بعض الروايات يا محمداه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليهم ريح الصبا وهذا حسين مجزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء بأبي من عسكره في يوم الإثنين نهبا بأبي من فسطاطه مقطع العرى بأبي من لا هو غائب فيرتجى ولا جريح فيداوى بأبي من نفسي له الفداء بأبي المهموم حتى قضى بأبي العطشان حتى مضى بأبي من شيبته تقطر بالدماء بأبي من جده رسول إله السماء بأبي من هو سبط نبي الهدى بأبي محمد المصطفى بأبي خديجة الكبرى بأبي علي المرتضى بأبي فاطمة الزهراء سيدة النساء بأبي من ردت عليه الشمس حتى صلى.
قال فأبكت والله كل عدو وصديق ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين عليه السلام فاجتمع عدة من الأعراب حتى جروها عنه قال ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره فانتدب منهم عشرة وهم إسحاق بن حوية الذي سلب الحسين عليه السلام قميصه وأخنس بن مرثد وحكيم بن الطفيل السنبسي وعمرو بن صبيح الصيداوي ورجاء بن منقذ العبدي وسالم بن خيثمة الجعفي وواحظ بن ناعم وصالح بن وهب الجعفي وهانئ بن ثبيت الحضرمي وأسيد بن مالك فداسوا الحسين عليه السلام بحوافر خيلهم حتى رضوا ظهره وصدره.
قال وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد فقال أسيد بن مالك أحد العشرة شعر:
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر
    بكل يعبوب شديد الأسر
فقال ابن زياد من أنتم فقالوا نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا جناجن صدره فأمر لهم بجائزة يسيرة.
قال أبو عمرو الزاهد فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعا أولاد زنا وهؤلاء أخذهم المختار فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا.
أقول : المعتمد عندي ما سيأتي في رواية الكافي أنه لم يتيسر لهم ذلك.
وقال صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب قتل الحسين عليه السلام باتفاق الروايات يوم عاشوراء عاشر المحرم سنة إحدى وستين وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف قالا وأقبل فرس الحسين عليه السلام وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ فوضع ناصيته في دم الحسين عليه السلام ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة حتى مات فلما نظر أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد رفعن أصواتهن بالبكاء والعويل ووضعت أم كلثوم يدها على أم رأسها ونادت وا محمداه وا جداه وا نبياه وا أبا القاسماه وا علياه وا جعفراه وا حمزتاه وا حسناه هذا حسين بالعراء صريع بكربلاء مجزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء ثم غشي عليها.
فأقبل أعداء الله لعنهم الله حتى أحدقوا بالخيمة ومعهم شمر فقال ادخلوا فاسلبوا بزتهن فدخل القوم لعنهم الله فأخذوا ما كان في الخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم أخت الحسين عليه السلام فأخذوه وخرموا أذنها حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تغلب عليه وأخذ قيس بن الأشعث لعنه الله قطيفة الحسين عليه السلام فكان يسمى قيس القطيفة وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود ثم مال الناس على الورس والحلي والحلل والإبل فانتهبوها.
أقول : رأيت في بعض الكتب أن فاطمة الصغرى قالت كنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابي مجزرين كالأضاحي على الرمال والخيول على أجسادهم تجول وأنا أفكر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أمية أيقتلوننا أو يأسروننا فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه وهن يلذن بعضهن ببعض وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة وهن يصحن وا جداه وا أبتاه وا علياه وا قلة ناصراه وا حسناه أما من مجير يجيرنا أما من ذائد يذود عنا قالت فطار فؤادي وارتعدت فرائصي فجعلت أجيل بطرفي يمينا وشمالا على عمتي أم كلثوم خشية منه أن يأتيني.
فبينا أنا على هذه الحالة وإذا به قد قصدني ففررت منهزمة وأنا أظن أني أسلم منه وإذا به قد تبعني فذهلت خشية منه وإذا بكعب الرمح بين كتفي فسقطت على وجهي فخرم أذني وأخذ قرطي ومقنعتي وترك الدماء تسيل على خدي ورأسي تصهره الشمس وولى راجعا إلى الخيم وأنا مغشي علي وإذا أنا بعمتي عندي تبكي وهي تقول قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل فقمت وقلت يا عمتاه هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظار فقالت يا بنتاه وعمتك مثلك فرأيت رأسها مكشوفة ومتنها قد أسود من الضرب فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نهبت وما فيها وأخي علي بن الحسين مكبوب على وجهه لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع والعطش والأسقام فجعلنا نبكي عليه ويبكي علينا.
وقال المفيد رحمه ‌الله : قال حميد بن مسلم : فانتهينا إلى علي بن الحسين عليهما السلام وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا له ألا نقتل هذا العليل فقلت سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هذا صبي وإنه لما به فلم أزل حتى دفعتهم عنه وجاء عمر بن سعد فصاحت النساء في وجهه وبكين فقال لأصحابه لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النساء ولا تعرضوا لهذا الغلام المريض فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهن ليستترن به فقال من أخذ من متاعهم شيئا فليرده فو الله ما رد أحد منهم شيئا فوكل بالفسطاط وبيوت النساء وعلي بن الحسين جماعة ممن كان معه وقال احفظوهم لئلا يخرج منهم أحد ولا يساء إليهم.
وقال محمد بن أبي طالب ثم إن عمر بن سعد سرح برأس الحسين عليه السلام يوم عاشوراء مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم إلى ابن زياد ثم أمر برؤوس الباقين من أهل بيته وأصحابه فقطعت وسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن إلى الكوفة وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء فلما ارتحلوا إلى الكوفة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فصلوا عليهم ودفنوهم وقال ابن شهرآشوب وكانوا يجدون لأكثرهم قبورا ويرون طيورا بيضا.
وقال محمد بن أبي طالب وروي أن رءوس أصحاب الحسين وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأسا واقتسمتها القبائل ليتقربوا بذلك إلى عبيد الله وإلى يزيد فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الأشعث وجاءت هوازن باثني عشر رأسا وفي رواية ابن شهرآشوب بعشرين وصاحبهم شمر لعنه الله وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا وفي رواية ابن شهرآشوب بتسعة عشر وجاءت بنو أسد بستة عشر رأسا وفي رواية ابن شهرآشوب بتسعة رءوس وجاءت مذحج بسبعة رءوس وجاءت سائر الناس بثلاثة عشر رأسا وقال ابن شهرآشوب وجاء سائر الجيش بتسعة رءوس ولم يذكر مذحج قال فذلك سبعون رأسا ثم قال وجاءوا بالحرم أسارى إلا شهربانويه فإنها أتلفت نفسها في الفرات.
وقال ابن شهرآشوب وصاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب اختلفوا في عدد المقتولين من أهل البيت عليهم السلام فالأكثرون على أنهم كانوا سبعة وعشرين سبعة من بني عقيل مسلم المقتول بالكوفة وجعفر وعبد الرحمن ابنا عقيل ومحمد بن مسلم وعبد الله بن مسلم وجعفر بن محمد بن عقيل ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل وزاد ابن شهرآشوب عونا ومحمدا ابني عقيل وثلاثة من ولد جعفر بن أبي طالب : محمد بن عبد الله بن جعفر وعون الأكبر بن عبد الله وعبيد الله بن عبد الله ومن ولد علي عليه السلام تسعة الحسين عليه السلام والعباس ويقال وابنه محمد بن العباس وعمر بن علي وعثمان بن علي وجعفر بن علي وإبراهيم بن علي وعبد الله بن علي الأصغر ومحمد بن علي الأصغر وأبو بكر شك في قتله وأربعة من بني الحسن أبو بكر وعبد الله والقاسم وقيل بشر وقيل عمر وكان صغيرا وستة من بني الحسين مع اختلاف فيه علي الأكبر وإبراهيم وعبد الله ومحمد وحمزة وعلي وجعفر وعمر وزيد وذبح عبد الله في حجره ولم يذكر صاحب المناقب إلا عليا وعبد الله وأسقط ابن أبي طالب حمزة وإبراهيم وزيدا وعمر.
وقال ابن شهرآشوب ويقال لم يقتل محمد الأصغر بن علي عليه السلام لمرضه ويقال رماه رجل من بني دارم فقتله وقال أبو الفرج جميع من قتل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلا وقال ابن نما رحمه الله قالت الرواة كنا إذا ذكرنا عند محمد بن علي الباقر عليه السلام قتل الحسين عليه السلام قال قتلوا سبعة عشر إنسانا كلهم ارتكض في بطن فاطمة يعني بنت أسد أم علي عليهم السلام.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف :  العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 45 / صفحة [ 1 ] 

Untitled Document
دعاء يوم السبت
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، بِسْمِ اللهِ كَلِمَةُ الْمُعْتَصِمينَ وَمَقالَةُ الْمُتَحَرِّزينَ، وَاَعُوذُ بِاللهِ تَعالى مِنْ جَوْرِ الْجائِرينَ، وَكَيْدِ الْحاسِدينَ وَبَغْيِ الظّالِمينَ، وَاَحْمَدُهُ فَوْقَ حَمْدِ الْحامِدينَ. اَللّـهُمَّ اَنْتَ الْواحِدُ بِلا شَريكِ، وَالْمَلِكُ بِلا تَمْليك، لا تُضادُّ فى حُكْمِكَ وَلا تُنازَعُ فى مُلْكِكَ. أَسْأَلُكَ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَنْ تُوزِعَنى مِنْ شُكْرِ نُعْماكَ ما تَبْلُغُ بي غايَةَ رِضاكَ، وَاَنْ تُعينَني عَلى طاعَتِكَ وَلُزُومِ عِبادَتِكَ، وَاسْتِحْقاقِ مَثُوبَتِكَ بِلُطْفِ عِنايَتِكَ، وَتَرْحَمَني بِصَدّي عَنْ مَعاصيكَ ما اَحْيَيْتَني، وَتُوَفِّقَني لِما يَنْفَعُني ما اَبْقَيْتَني، وَاَنْ تَشْرَحَ بِكِتابِكَ صَدْري، وَتَحُطَّ بِتِلاوَتِهِ وِزْري، وَتَمْنَحَنِيَ السَّلامَةَ في ديني وَنَفْسي، وَلا تُوحِشَ بي اَهْلَ اُنْسي وَتُتِمَّ اِحْسانَكَ فيما بَقِيَ مِنْ عُمْرى كَما اَحْسَنْتَ فيما مَضى مِنْهُ، يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

زيارات الأيام
زيارةِ النّبيِّ صلى الله عليه وآله في يَومِه وهو يوم السبت
اَشْهَدُ اَنْ لا اِلـهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ رَسُولُهُ وَاَنَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسالاتِ رَبِّكَ وَنَصَحْتَ لِاُمَّتِكَ وَجاهَدْتَ فى سَبيلِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَاَدَّيْتَ الَّذى عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ وَاَنَّكَ قَدْ رَؤُفْتَ بِالْمُؤْمِنينَ وَغَلَظْتَ عَلَى الْكافِرينَ وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً حَتّى أتاكَ اليَقينُ فَبَلَغَ اللهُ بِكَ اشَرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمينَ اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي اسْتَنْقَذَنا بِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَالضَّلالِ. اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاجْعَلْ صَلَواتِكَ وَصَلَواتِ مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ وَاَنْبِيائِكَ الْمـُرْسَلينَ وَعِبادِكَ الصّالِحينَ وَاَهْلِ السَّماواتِ وَالْاَرَضينَ وَمَنْ سَبَّحَ لَكَ يا رَبَّ الْعالَمينَ مِنَ الْاَوَّلينَ وَالاخِرينَ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُوِلِكَ وَنَبِيِّكَ وَاَمينِكَ وَنَجِيبِكَ وَحَبيبِكَ وَصَفِيِّكَ وَ صَفْوَتِكَ وَخاصَّتِكَ وَخالِصَتِكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَاَعْطِهِ الْفَضْلَ وَالْفَضيلَةَ وَالْوَسيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفيعَةَ وَابْعَثْهُ مَقاماً مَحَمْوُداً يَغْبِطُهُ بِهِ الْاَوَّلُونَ وَالاخِرُونَ. اَللّـهُمَّ اِنَّكَ قُلْتَ وَلَوْ اَنَّهُمْ اِذْ ظَلَمُوا اَنْفُسَهُمْ جاؤوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحيماً اِلـهى فَقَدْ اَتَيْتُ نَبِيَّكَ مُسْتَغْفِراً تائِباً مِنْ ذُنُوبى فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ وَ اْغِفْرها لي، يا سَيِّدَنا اَتَوَجَّهُ بِكَ وَبِاَهْلِ بَيْتِكَ اِلَى اللهِ تَعالى رَبِّكَ وَرَبّى لِيَغْفِرَ لى. ثمّ قل ثلاثاً: اِنّا للهِ وَاِنّا اِلَيْهِ راجِعُونَ ثمّ قل: اُصِبْنا بِكَ يا حَبيبَ قُلُوبِنا فَما اَعْظَمَ الْمُصيبَةَ بِكَ حَيْثُ انْقَطَعَ عَنّا الْوَحْيُ وَحَيْثُ فَقَدْناكَ فَاِنّا للهِ وَاِنّا اِلَيْهِ راجِعُونَ يا سَيِّدَنا يا رَسُولَ اللهِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ بَيْتِكَ الطّاهِرينَ هذا يَوْمُ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمُكَ وَاَنَا فيهِ ضَيْفُكَ وَجارُكَ فَاَضِفْنى وَاجِرْنى فَاِنَّكَ كَريمٌ تُحِبُّ الضِّيافَةَ وَمَأْمُورٌ بِالْاِجارَةِ فَاَضِفْني وَأحْسِنْ ضِيافَتى وَاَجِرْنا وَاَحْسِنْ اِجارَتَنا بِمَنْزِلَةِ اللهِ عِنْدَكَ وَعِنْدَ آلِ بَيْتِكَ وَبِمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ وَبِما اسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ عِلْمِهِ فَاِنَّهُ اَكْرَمُ الْاَكْرَمينَ. كيف يُصلّى على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : يقول مؤلّف كتاب مفاتيح الجنان عبّاس القُمّي عُفى عَنْه: انّي كلّما زرته (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الزّيارة بَدَأت بزيارته عَلى نحو ما علّمه الامام الرّضا (عليه السلام) البزنطي ثمّ قرأت هذِهِ الزّيارة، فَقَدْ رُوي بسند صحيح إنّ ابن أبي بصير سأل الرّضا (عليه السلام) كيف يُصلّى على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسلّم عليه بَعد الصلاة فأجابَ (عليه السلام) بقوله: اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ بْنَ عَبْدِ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيَرَةَ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبيبَ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا صِفْوَهَ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَمينَ اللهِ اَشْهَدُ اَنَّكَ رَسُولُ اللهِ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ نَصَحْتَ لِاُمَّتِكَ وَجاهَدْتَ فى سَبيلِ رَبِّكِ وَعَبَدْتَهُ حَتّى أتاكَ الْيَقينُ فَجَزاكَ اللهُ يا رَسُولَ اللهِ اَفْضَلَ ما جَزى نَبِيّاً عَنْ اُمَّتِهِ اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مَحَمِّد وآلِ مُحَمِّد اَفْضَلَ ما صَلَّيْتَ عَلى اِبْرهِيمَ وَآلِ إبراهيمَ اِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.