أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
قال الشيخ
المفيد في الارشاد : روى الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة قالوا : لما
مات الحسن عليه السلام تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في
خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا
يجوز له نقضه، حتى تمضي المدة، فاذا مات معاوية نظر في ذلك.
فلما مات معاوية
وذلك لنصف من شهر رجب سنه ستين من الهجرة كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي
سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له ولا
يرخص له في التأخير عن ذلك، فأنفذ الوليد إلى الحسين في الليل فاستدعاه فعرف
الحسين عليه السلام الذي أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح، وقال
لهم : إن الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن يكلفني فيه أمرا لا اجيبه
إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي فاذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فان سمعتم
صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عني.
فصار الحسين
عليه السلام إلى الوليد بن عتبة فوجد عنده مروان بن الحكم فنعى إليه الوليد
معاوية فاسترجع الحسين ثم قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه له،
فقال الحسين عليه السلام : إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرا حتى ابايعه جهرا
فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد : أجل فقال الحسين : فتصبح وترى رأيك في ذلك،
فقال له الوليد : انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس.
فقال له مروان :
والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر
القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب
الحسين عليه السلام عند ذلك وقال : أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أم هو؟ كذبت والله
وأثمت، وخرج يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله.
قال السيد كتب
يزيد إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها وخاصة على الحسين عليه السلام ويقول
: إن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه، فأحضر الوليد مروان واستشاره في أمر
الحسين، فقال : إنه لا يقبل، ولو كنت مكانك ضربت عنقه، فقال الوليد، ليتني لم أك
شيئا مذكورا.
ثم بعث إلى
الحسين عليه السلام فجاءه في ثلاثين من أهل بيته ومواليه ـ وساق الكلام إلى أن
قال ـ : فغضب الحسين عليه السلام ثم قال : ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر
بضرب عنقي؟ كذبت والله وأثمت.
ثم أقبل على
الوليد فقال : أيها الامير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة،
وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة،
معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن تصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق
بالبيعة والخلافة، ثم خرج عليه السلام.
وقال ابن شهرآشوب
: كتب إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين عليه السلام وعبد الله بن عمر، وعبد الله
بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن يأبى عليك منهم
فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. فشاور في ذلك مروان فقال : الرأي أن تحضرهم وتأخذ
منهم البيعة قبل أن يعلموا.
فوجه في طلبهم
وكانوا عند التربة، فقال عبد الرحمن وعبد الله : ندخل دورنا ونغلق أبوابنا، وقال
ابن الزبير : والله ما ابايع يزيد أبدا وقال الحسين : أنا لابد لي من الدخول على
الوليد وذكر قريبا مما مر.
قال المفيد :
فقال مروان للوليد : عصيتني لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا فقال الوليد :
ويح غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ودنياي والله ما احب أن لي ما
طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها واني قتلت حسينا، سبحان الله أقتل
حسينا إن قال لا ابايع، والله إني لأظن أن امرءا يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان
عند الله يوم القيامة.
فقال له مروان :
فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا وهو غير الحامد له على رأيه.
قال السيد فلما
أصبح الحسين عليه السلام خرج من منزله يستمع الاخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال
له : يا أبا عبد الله إني لك ناصح، فأطعني ترشد، فقال الحسين عليه السلام : وما
ذاك؟ قل حتى أسمع، فقال مروان : إني آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين فانه خير لك في
دينك ودنياك، فقال الحسين عليه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الاسلام
السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه
وآله) يقول : الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، وطال الحديث بينه وبين مروان حتى
انصرف مروان، وهو غضبان.
فلما كان الغداة
توجه الحسين عليه السلام إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين، فأقام بها باقي
شعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة.
قال المفيد رحمه
الله : فقام الحسين في منزله تلك الليلة وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة
ستين من الهجرة، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد،
وامتناعه عليهم، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجها إلى مكة، فلما أصبح
الوليد سرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالي بني أمية في ثمانين راكبا فطلبوه
فلم يدركوه، فرجعوا.
فلما كان آخر
نهار السبت، بعث الرجال إلى الحسين عليه السلام ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن
معاوية، فقال لهم الحسين : اصبحوا ثم ترون ونرى! فكفوا تلك الليلة عنه، ولم يحلوا
عليه، فخرج عليه السلام [ من تحت ليلة ] وهي ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب
متوجها نحو مكة، ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته، وجل أهل بيته إلا محمد ابن الحنفية
رحمه الله فانه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أن يتوجه فقال له : يا
أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لاحد من الخلق إلا لك، وأنت
أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد ابن معاوية، وعن الامصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى
الناس ثم ادعهم إلى نفسك، فان بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن
اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك ولا
فضلك، إني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الامصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة
معك واخرى عليك، فيقتتلون فتكون إذا لأول الاسنة غرضا، فاذا خير هذه الامة كلها
نفسا وأبا واما أضيعها دما وأذلها أهلا.
فقال له الحسين
عليه السلام : فأين أنزل يا أخي؟ قال : انزل مكة، فان اطمأنت بك الدار بها فستنل
ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس فانك
أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الامر استقبالا.
فقال عليه السلام
: يا أخي قد نصحت وأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا.
وقال محمد بن
أبي طالب الموسوي : لما ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسين عليه السلام عظم ذلك
عليه ثم قال : والله لا يراني الله أقتل ابن نبيه ولو جعل يزيد لي الدنيا بما
فيها.
قال : وخرج
الحسين عليه السلام من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده صلى الله عليه وآله فقال
: السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي
خلفتني في امتك. فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني، وضيعوني، ولم يحفظوني،
وهذه شكواي إليك حتى ألقاك، قال : ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعا ساجدا.
قال : وأرسل
الوليد إلى منزل الحسين عليه السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا؟ فلم يصبه في
منزله، فقال : الحمد الله الذي خرج! ولم يبتلني بدمه، قال : ورجع الحسين إلى منزله
عند الصبح.
فلما كانت
الليلة الثانية، خرج إلى القبر أيضا وصلى ركعات، فلما فرغ من صلاته جعل يقول :
اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الامر ما قد علمت،
اللهم إني احب المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحق القبر
ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى، ولرسولك رضى.
قال : ثم جعل
يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فاغفي، فاذا هو
برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضم
الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال : حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا
بدمائك، مذبوحا بأرض كرب وبلاء، من عصابة من امتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى،
وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا
أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إن أباك وامك وأخاك قدموا علي وهم
مشتاقون إليك، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة.
قال : فجعل
الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول : يا جداه لا حاجة لي في الرجوع
إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك، فقال له رسول الله : لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما
قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فانك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم
القيامة في زمرة واحدة، حتى تدخلوا الجنة.
قال : فانتبه
الحسين عليه السلام من نوعه فزعا مرعوبا فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب،
فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غما من أهل بيت رسول الله ولا أكثر
باك ولا باكية منهم.
قال : وتهيأ
الحسين عليه السلام للخروج عن المدينة، ومضى في جوف الليل إلى قبر امه فودعها، ثم
مضى إلى قبر أخيه الحسن ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، فأقبل إليه أخوه
محمد ابن الحنفية وقال : يا أخي أنت أحب الخلق إلي وأعزهم علي ولست والله أدخر
النصيحة لاحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك لأنك مزاج مائي ونفسي وروحي وبصري
وكبير أهل بيتي، ومن وجب طاعته في عنقي، لان الله قد شرفك علي، وجعلك من سادات أهل
الجنة.
وساق الحديث كما
مر إلى أن قال : تخرج إلى مكة فان اطمأنت بك الدار بها فذاك وإن تكن الاخرى خرجت
إلى بلاد اليمن، فانهم أنصار جدك وأبيك، وهم أراف الناس وأرقهم قلوبا، وأوسع الناس
بلادا، فان اطمأنت بك الدار، وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وجزت من بلد إلى بلد،
حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين.
قال : فقال
الحسين عليه السلام : يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن
معاوية، فقطع محمد ابن الحنفية الكلام وبكى، فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة ثم
قال : يا أخي جزاك الله خيرا، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة،
وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا
أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من امورهم.
ثم دعا الحسين
عليه السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد : بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف يابن الحنفية أن
الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق
من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من
في القبور، أني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب
الاصلاح في امة جدي صلى الله عليه وآله اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر،
وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله
أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير
الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب.
قال : ثم طوى
الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل.
وقال محمد بن
أبي طالب : روى محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى، عن محمد
بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان ابن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن
أبي عبد الله عليه السلام قال : ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن
الحنفية فقال أبوعبد الله عليه السلام : يا حمزة إني سأخبرك بحديث لا تسأل عنه
بعد مجلسك هذا، إن الحسين لما فصل متوجها، دعا بقرطاس وكتب فيه : « بسم الله
الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم.
أما بعد فانه من
لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام ».
قال : وقال
شيخنا المفيد باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال : لما سار أبوعبد الله من
المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة،
فسلموا عليه، وقالوا : يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه
أمد جدك بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا، فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي
التي أستشد فيها وهي كربلا، فاذا وردتها فأتوني، فقالوا : يا حجة الله! مرنا نسمع
ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟ فقال : لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة
أو أصل إلى بقعتي.
وأتته أفواج
مسلمي الجن فقالوا : يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك، وما تشاء، فلو أمر
تنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم الحسين خيرا وقال لهم : أو ما
قرأت كتاب الله المنزل على جدي رسول الله « أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في
بروج مشيدة » وقال سبحانه : « لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم » وإذا أقمت
بماكني فبماذا يبتلي هذا الخلق المتعوس؟ وبما ذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي
بكربلاء؟ وقد اختارها الله يوم دحا الارض، وجعلها معقلا لشيعتنا، ويكون لهم أمانا
في الدنيا والآخرة ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورا الذي في آخره اقتل، ولا
يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.
فقالت الجن : نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز
لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال صلوات الله عليه لهم :
نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. انتهى
ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب.
ووجدت في بعض
الكتب أنه عليه السلام لما عزم على الخروج من المدينة أتته ام سلمة رضي الله عنها
فقالت : يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق، فاني سمعت جدك يقول : يقتل ولدي
الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلاء، فقال لها : يا اماه وأنا والله أعلم
ذلك، وإني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد وإني والله لأعرف اليوم الذي اقتل
فيه، واعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي ادفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل
بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا اماه اريك حفرتي ومضجعي.
ثم أشار عليه السلام
إلى جهة فانخفضت الارض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند
ذلك بكت ام سلمة بكاء شديدا، وسلمت أمره إلى الله، فقال لها : يا اماه قد شاء الله
عزوجل أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي
مشردين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا
ولا معينا.
وفي رواية اخرى
: قالت ام سلمة : وعندي تربة دفعها إلي جدك في قارورة، فقال : والله إني مقتول
كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا ثم أخذ تربة فجعلها في قارورة، وأعطاها
إياها، وقال : اجعلها مع قارورة جدي فإذا فاضتا دما فاعلمي أني قد قتلت.
ثم قال المفيد :
فسار الحسين إلى مكة وهو يقرأ « فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم
الظالمين » ولزم الطريق الاعظم، فقال له أهل بيته : لو تنكبت عن الطريق كما فعل
ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال : لا والله لا افارقه حتى يقضي الله ما هو قاض،
ولما دخل الحسين عليه السلام مكة، كان دخوله إياها يوم الجمعة، لثلاث مضين من
شعبان، دخلها وهو يقرأ « ولما توجه تلقاء مدين قال : عسى ربي أن يهديني سواء
السبيل ».
ثم نزلها وأقبل
أهلها يختلفون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم
جانب الكعبة، وهو قائم يصلي عندها ويطوف، ويأتي الحسين عليه السلام فيمن يأتيه،
فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة وهو عليه السلام أثقل خلق
الله على ابن الزبير [ لأنه ] قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه مادام الحسين في
البلد وأن الحسين أطوع في الناس منه وأجل.
وبلغ أهل الكوفة
هلاك معاوية، فأرجفوا بيزيد وعرفوا خبر الحسين وامتناعه من بيعته : وما كان من أمر
ابن الزبير في ذلك وخروجهما إلى مكة، فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن
صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله وأثنوا عليه، فقال سليمان : إن معاوية
قد هلك وإن حسينا قد نقض على القوم بيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة
أبيه فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه، فاكتبوا إليه فان خفتم الفشل
والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه، قالوا : لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه،
فاكتبوا إليه.
فكتبوا إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن
شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك
فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار
العنيد، الذي انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير
رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها
وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا
بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الامارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج
معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء
الله.
ثم سرحوا
بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني وعبد الله بن وأل وأمروهما بالنجا، فخرجا
مسرعين حتى قدما على الحسين بمكة لعشر مضين من شهر رمضان. ثم لبث أهل الكوفة يومين
بعد تسريحهم بالكتاب وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله وعبد الرحمان ابني
عبد الله بن زياد الارحبي وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين عليه السلام
ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والاربعة.
وقال السيد :
وهو مع ذلك يأبى ولا يجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب، وتواترت الكتب
حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب.
وقال المفيد :
ثم لبثوا يومين آخرين وسرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي
وكتبوا إليه « بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي من شيعته من المؤمنين
والمسلمين أما بعد فحي هلا فان الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثم
العجل العجل، والسلام ».
ثم كتب شبث بن
ربعي وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعروة ابن قيس، وعمر بن حجاج
الزبيدي ومحمد بن عمرو التيمي : أما بعد فقد اخضر الجنات، وأينعت الثمار، وأعشبت
الارض، وأورقت الاشجار، فاذا شئت فأقبل على جند لك مجندة، والسلام عليك ورحمة الله
وبركاته وعلى أبيك من قبلك.
وتلاقت الرسل
كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد
الله، وكانا آخر الرسل :
بسم الله الرحمن
الرحيم من الحسين بن علي إلى الملا من المؤمنين والمسلمين أما بعد فان هانئا
وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم
وذكرتم، ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق
والهدى، وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فان كتب
إلي بأنه قد اجتمع رأي ملائكم، وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به رسلكم
وقرأت في كتبكم، فاني أقدم إليكم وشيكا إن شاء الله فلعمري ما الامام إلا الحاكم
بالكتاب القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك لله، والسلام.
ودعا الحسين
عليه السلام مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله
السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله الازدي، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف، فان
رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك. فأقبل مسلم رحمه الله حتى أتى المدينة
فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وودع من أحب من أهله، واستأجر
دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق، فضلا عن الطريق، وأصابهما عطش شديد فعجزا
عن السير فأومآ له إلى سنن الطريق بعد أنلاح لهم ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، ومات
الدليلان عطشا، فكتب مسلم بن عقيل رحمه الله من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن
مسهر « أما بعد فاني أقبلت من المدينة مع دليلين لي فحازا عن الطريق فضلا، واشتد
علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة
أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيرت من توجهي هذا، فان
رأيت أعفيتني عنه وبعثت غيري، والسلام ».
فكتب إليه
الحسين عليه السلام « أما بعد فقد حسبت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي في
الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك فيه والسلام
».
فلما قرأ مسلم
الكتاب قال : أما هذا فلست أتخوفه على نفسي، فأقبل حتى مر بماء لطيء فنزل به ثم
ارتحل عنه، فاذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه، فقال
مسلم بن عقيل : نقتل عدونا إن شاء الله.
ثم أقبل حتى دخل
الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب،
وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسين
عليه السلام وهم يبكون، وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم
إلى الحسين عليه السلام يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا ويأمره بالقدوم، وجعلت
الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل ـ رحمه الله ـ حتى علم بمكانه.
فبلغ النعمان
بشير ذلك وكان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها، فصعد المنبر فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة
والفرقة، فان فيها تهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الاموال إني لا اقاتل من لا
يقاتلني، ولا آتي على من لم يأت علي، ولا انبه نائمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ
بالقرف، ولا الظنة، ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم،
وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غيره، لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي،
ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه
الباطل.
فقام إليه عبد
الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني امية فقال له : إنه لا يصلح ما ترى إلا
الغشم، وهذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين، فقال له النعمان :
إن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الاعزين في معصية الله،
ثم نزل.
وخرج عبد الله
بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية كتابا : أما بعد فان مسلم ابن عقيل قد قدم الكوفة
وبايعه الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فان يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها
رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو
يتضعف.
[ ثم كتب إليه
عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ] ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص مثل ذلك، فلما
وصلت الكتب إلى يزيد، دعا سرجون مولى معاوية فقال : ما رأيك؟ إن الحسين قد نفذ إلى
الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ فمن ترى أن
أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد، فقال له سرحون : أرأيت
لو نشر لك معاوية حيا ما كنت آخذا برأيه؟ قال : بلى، قال : فأخرج سرحون عهد عبيد
الله على الكوفة، وقال : هذا رأي معاوية مات، وقد أمر بهذا الكتاب فضم المصرين إلى
عبيد الله، فقال له يزيد : أفعل، ابعث بعهد عبيد الله بن زياد إليه.
ثم دعا مسلم بن
عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله معه « أما بعد فانه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة
ويخبرونني أن ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرء كتابي
هذا حتى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو
تنفيه والسلام » وسلم إليه عهده على الكوفة، فخرج مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد
الله البصرة، وأوصل إليه العهد والكتاب، فأمر عبيد الله بالجهاز من وقته والمسير والتهيء
إلى الكوفة من الغد ثم خرج من البصرة فاستخلف أخاه عثمان.
وقال ابن نما ـ
ره ـ : رويت إلى حصين بن عبد الرحمن أن أهل الكوفة كتبوا إليه : انا معك مائة ألف،
وعن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : بايع الحسين عليه السلام أربعون ألفا من أهل
الكوفة على أن يحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم، فعند ذلك رد جواب كتبهم يمنيهم
بالقول، ويعدهم بسرعة الوصول، وبعث مسلم بن عقيل.
وقال السيد رحمه
الله بعد ذلك : وكان الحسين عليه السلام قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتابا
مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين، يدعوهم إلى نصرته ولزوم طاعته، منهم يزيد
بن مسعود النهشلي والمنذر ابن الجارود العبدي فجمع يزيد بن مسعود تميم وبني حنظلة
وبني سعد فلما حضروا قال : يابني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ فقالوا :
بخ بخ أنت والله فقرة الظهر، ورأس حللت في
الشرف وسطا، وتقدمت فيه فرطا، قال : فاني قد جمعتكم لأمر اريد أن اشاوركم فيه،
واستعين بكم عليه، فقالو : إنما والله نمنحك النصيحة، ونحمد لك ألرأي فقل نسمع.
فقال : إن
معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا، ألا وإنه قد انكسر باب الجور والاثم،
وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن أن قد أحكمه، وهيهات
والذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور،
يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحق
موطئ قدمه.
فاقسم بالله
قسما مبرورا لجهاده على الدين، أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي ابن
رسول الله صلى الله عليه وآله ذو الشرف الاصيل والرأي الاثيل، له فضل لا يوصف،
وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الامر لسابقته وسنه وقدمته وقرابته يعطف على الصغير،
ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به
الموعظة، ولا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس
انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ونصرته، والله لا يقصر
أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده، والقلة في عشيرته، وها أنا قد لبست
للحرب لامتها، وادرعت لها بدرعها من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم
الله رد الجواب.
فتكلمت بنو
حنظلة فقالوا : أبا خالد! نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن
غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها،
ننصرك بأسيافنا، ونقيك بأبداننا، إذا شئت.
وتكلمت بنو سعد
بن زيد، فقالوا : أبا خالد! إن أبغض الاشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك، وقد كان
صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة
ويأتيك رأينا.
وتكلمت بنو عامر
بن تميم فقالوا : يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك لا نرضى إن غضبت، ولا نقطن إن
ظعنت، والامر إليك فادعنا نجبك، ومرنا نطعك، والامر لك إذا شئت.
فقال : والله يا
بني سعيد لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا، ولا زال سيفكم فيكم.
ثم كتب إلى
الحسين صلوات الله عليه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت
ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الاخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإن
الله لم يخل الارض قط من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجة الله
على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية، هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم
سعدت بأسعد طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من
الابل الظماء لورود الماء يوم خمسها وقد ذللت لك رقاب بني سعد، وغسلت درن صدورها
بماء سحابة مزن حين استحل برقها فلمع.
فلما قرأ الحسين
الكتاب قال : مالك آمنك الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش.
فلما تجهز
المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير فجزع من
انقطاعه عنه.
وأما المنذور بن
جارود، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد لان المنذر خاف أن يكون
الكتاب دسيسا من عبيد الله وكانت بحرية بنت المنذر بن جارود تحت عبيد الله بن زياد
فأخذ عبيد الله الرسول فصلبه، ثم صعد المنبر فخطب وتوعد أهل البصرة على الخلاف،
وإثارة الارجاف ثم بات تلك الليلة فلما أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد
وأسرع هو إلى قصد الكوفة.
وقال ابن نما :
كتب الحسين عليه السلام كتابا إلى وجوه أهل البصرة، منهم الاحنف بن قيس، وقيس بن
الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي وبعث الكتاب مع زراع السدوسي
وقيل مع سليمان المكنى بأبي رزين فيه : « إني أدعوكم إلى الله وإلى نبيه، فان
السنة قد اميتت، فان تجيبوا دعوتي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد » فكتب الاحنف
إليه : أما بعد فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، ثم ذكر أمر
الرجلين مثل ما ذكره السيد رحمهما الله إلى أن قال : فلما أشرف على الكوفة نزل
حتى أمسى ليلا فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام ودخلها مما يلي النجف فقالت
امرأة : الله اكبر ابن رسول الله ورب الكعبة، فتصايح الناس قالوا : إنا معك أكثر
من أربعين ألفا، وازدحموا عليه حتى أخذوا بذنب دابته وظنهم أنه الحسين، فحصر
اللثام، وقال : أنا عبيد الله فتساقط القوم، ووطئ بعضهم بعضا ودخل دار الامارة،
وعليه عمامة سوداء.
فلما أصبح قام
خاطبا، وعليهم عاتبا، ولرؤسائهم مؤنبا، ووعدهم بالإحسان على لزوم طاعته، وبالإساءة
على معصيته والخروج عن حوزته، ثم قال : يا أهل الكوفة إن أمير المؤمنين يزيد ولاني
بلدكم، واستعملني على مصركم، وأمرني بقسمة فيئكم بينكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم،
وأخذ الحق لضعيفكم من قويكم، والاحسان للسامع المطيع، والتشديد على المريب،
فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقي غضبي. ونزل، يعني بالهاشمي مسلم بن عقيل
رضي الله عنه.
وقال المفيد :
وأقبل ابن زياد إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الاعور الحارثي
وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم
إقبال الحسين عليه السلام فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا
: مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه،
فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا : تأخروا هذا الامير عبيد الله ابن زياد.
وسار حتى والى
القصر بالليل ومعه جماعة قد التفوا به، لا يشكون أنه الحسين عليه السلام فأغلق
النعمان بن بشير عليه وعلى خاصته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب فاطلع
عليه النعمان وهو يظنه الحسين فقال : أنشدك الله إلا تنحيت والله ما أنا بمسلم
إليك أمانتي ومالي في قتالك من إرب، فجعل لا يكلمه، ثم إنه دنا وتدلى النعمان من
شرف القصر، فجعل يكلمه فقال : افتح لا فتحت فقد طال ليلك، وسمعها إنسان خلفه، فنكص
إلى القوم الذين اتبعوه من أهل الكوفة على أنه الحسين عليه السلام فقال : يا قوم!
ابن مرجانة والذي لا إله غيره، ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس
وانفضوا.
وأصبح فنادى في
الناس : الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :
أما بعد فان أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم
وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من
ترك أمري وخالف عهدي، فليتق امرء على نفسه، الصدق ينبي [ ء ] عنك لا الوعيد ثم
نزل.
وأخذ العرفاء
بالناس أخذا شديدا فقال : اكتبوا إلي العرفاء! ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين،
ومن فيكم من أهل الحرورية، وأهل الريب الذين شأنهم الخلاف والنفاق والشقاق، فمن
يجئ لنا بهم فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من في عرافته أن لا يخالفنا
منهم مخالف، ولا يبغي علينا باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله،
أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب
داره والغيت تلك العرافة من العطاء.
ولما سمع مسلم
بن عقيل رحمه الله مجئ عبيد الله إلى الكوفة، ومقالته التي قالها، وما أخذ به
العرفاء والناس، خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ ابن عروة فدخلها،
فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستر واستخفاء من عبيد الله، وتواصوا
بالكتمان، فدعا ابن زياد مولى له يقال له : معقل فقال : خذ ثلاثة آلاف درهم، واطلب
مسلم بن عقيل والتمس أصحابه فاذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة
آلاف درهم، وقل لهم : استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم فانك لو قد
أعطيتهم إياها لقد اطمأنوا إليك ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئا من امورهم وأخبارهم،
ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم ابن عقيل، وتدخل عليه.
فعل ذلك، وجاء
حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الاسدي في المسجد الاعظم، وهو يصلي فسمع قوما يقولون :
هذا يبايع للحسين، فجاء وجلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته ثم قال : يا عبد الله إني
امرء من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل البيت وحب من أحبهم وتباكى له وقال : معي
ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول
الله (صلى الله عليه وآله) فكنت اريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه، ولا أعرف
مكانه فاني لجالس في المسجد الان إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون : هذا رجل له
علم بأهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدخلني على صاحبك فاني أخ
من إخوانك، وثقة عليك، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه.
فقال له ابن
عوسجة : احمد الله على لقائك إياي، فقد سرني ذلك، لتنال الذي تحب، ولينصرن الله بك
أهل بيت نبيه عليه وعليهم السلام ولقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الامر قبل أن
يتم مخافة هذه الطاغية وسطوته، فقال له معقل : لا يكون إلا خيرا خذ البيعة علي!
فأخذ بيعته وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من ذلك مارضي به ثم
قال له : اختلف إلي أياما في منزلي فاني طالب لك الاذن على صاحبك، وأخذ يختلف مع
الناس فطلب له الاذن فأذن له وأخذ مسلم بن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي
بقبض المال منه وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضا، ويشتري لهم به
السلاح، وكان بصيرا وفارسا من فرسان العرب، ووجوه الشيعة، وأقبل ذلك الرجل يختلف
إليهم فهو أول داخل وآخر خارج، حتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم، فكان
يخبره به وقتا فوقتا.
وقال ابن شهر
آشوب : لما دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيب فبايعه اثنا عشر ألف رجل،
فلما دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ في جوف الليل ودخل في أمانه
وكان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة وعشرون ألف رجل فعزم على الخروج، فقال هانئ : لا
تعجل وكان شريك بن الاعور الهمداني جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد فمرض فنزل
دار هانئ أياما ثم قال لمسلم : إن عبيد الله يعودني وإني مطاوله الحديث، فاخرج
إليه بسيفك فاقتله، وعلامتك أن أقول : « اسقوني ماء » ونهاه هانئ عن ذلك. فلما دخل
عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه، وطال سؤاله ورأى أن أحدا لا يخرج فخشي أن يفوته
فأخذ يقول : [ شعر ] :
ما الانتظار
بسلمى أن تحييها
كأس
المنية بالتعجيل اسقوها
فتوهم ابن زياد
وخرج، فلما دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب أخذه من يدي عبد الله بن
يقطر فاذا فيه : للحسين بن علي عليهما السلام أما بعد فاني اخبرك أنه قد بايعك من
أهل الكوفة كذا فاذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل فان الناس كلهم معك، وليس لهم في
يزيد رأي ولا هوى، فأمر ابن زياد بقتله وقال ابن نما فلما خرج ابن زياد دخل مسلم،
والسيف في كفه، قال له شريك : ما منعك من الامر؟ قال مسلم : هممت بالخروج فتعلقت
بي امرأة وقالت : نشدتك الله إن قتلت ابن زياد في دارنا، وبكت في وجهي، فرميت
السيف وجلست هانئ : يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فررت منه وقعت فيه.
وقال أبو الفرج
في المقاتل : قال هانئ لمسلم : إني لا احب أن يقتل في داري، قال : فلما خرج مسلم
قال له شريك : ما منعك من قتله؟ قال : خصلتان : أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل
في داره، وأما الاخرى فحديث حد ثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله أن
الايمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، فقال لها هانئ : أما والله لو قتلته لقتلت
فاسقا فاجرا كافرا.
ثم قال المفيد :
وخاف هانئ بن عروة عبيد الله على نفسه، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض، فقال ابن
زياد : لجلسائه ما لي لا أرى هانئا؟ فقالوا : هو شاك، فقال : علمت بمرضه لعدته،
ودعا محمد بن الاشعث، وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي وكانت رويحة بنت
عمرو تحت هانئ بن عروة وهي ام يحيى بن هانئ فقال لهم : ما يمنع هانئ بن عروة من
إتياننا؟ فقالوا : ما ندري وقد قيل إنه يشتكي قال : قد بلغني أنه قد برئ وهو يجلس
على باب داره فالقوه ومروه أن لا يدع ما عليه من حقنا، فاني لا احب أن يفسد عندي
مثله من أشراف العرب.
فأتوه حتى وقفوا
عليه عشية وهو جالس على بابه، وقالوا له : ما يمنعك من لقاء الامير؟ فانه قد ذكرك
وقال : لو أعلم أنه شاك لعدته فقال لهم : الشكوى تمنعني فقالوا : قد بلغه أنك تجلس
كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمل السلطان، أقسمنا عليك
لما ركبت معنا، فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلته فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن
نفسه أحست ببعض الذي كان، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة : يا ابن الاخ إني والله
لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال : يا عم والله ما أتخوف عليك شيئا، ولم تجعل على
نفسك سبيلا؟ ولم يكن حسان يعلم في أي شيء بعث إليه عبيد الله.
فجاء هانئ حتى دخل على عبيد الله بن زياد وعنده
القوم، فلما طلع قال عبيد الله : أتتك بحائن رجلاه.
فلما دنا من ابن
زياد وعنده شريح القاضي، التفت نحوه فقال :
اريد حباءه
ويريد قتلي
عذيرك
من خليلك من مراد
وقد كان أول ما
مقدم مكرما له ملطفا، فقال له هانئ : وما ذاك أيها الامير؟
قال : إيه يا
هانئ بن عروة ما هذه الامور التي تربص في دارك لامير المؤمنين وعامة المسلمين؟ جئت
بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له الجموع، والسلاح والرجال في الدور حولك،
وظننت أن ذلك يخفى علي؟ قال : ما فعلت ذلك وما مسلم عندي قال : بلى قد فعلت، فلما
كثر بينهما وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء
حتى وقف بين يديه وقال : أتعرف هذا؟ قال : نعم، وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا
عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم فاسقط في يده ساعة.
ثم راجعته نفسه،
فقال : اسمع مني وصدق مقالتي، فو الله ما كذبت، والله ما دعوته إلى منزلي، ولا
علمت بشيء من أمره حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من رده وداخلني من ذلك ذمام
فضيفته وآويته، وقد كان من أمره ما بلغك، فان شئت أن اعطيك الآن موثقا مغلظا أن لا
أبغيك سوءا ولا غائلة ولآتينك حتى أضع يدى في يدك وإن شئت أعطيتك رهينة تكون في
يدك حتى آتيك وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الارض فأخرج من
ذمامه وجواره.
فقال له ابن
زياد : والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال : لا والله لا أجيئك به أبدا
أجيئك بضيفي تقتله؟ قال : والله لتأتيني به قال : والله لا آتيك به، فلما كثر الكلام
بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره فقال : أصلح
الله الامير خلني وإياه حتى اكلمه فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه بحيث
يراهما فاذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان.
فقال له مسلم :
يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك، وأن تدخل البلاء في عشيرتك، فوالله إني لأنفس بك
عن القتل، إن هذا ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليهم فانه ليس
عليكم بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، فقال هانئ : والله إن علي في
ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير
الاعوان، والله لو لم يكن لي إلا واحد ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخذ
يناشده وهو يقول : والله لا أدفعه إليه أبدا.
فسمع ابن زياد
لعنه الله ذلك فقال : ادنوه مني، فأدنوه منه، فقال : والله لتأتيني به أو لأضربن
عنقك، فقال هانئ : إذا والله تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد : والهفاه عليك،
أبالبارقة تخوفني؟ وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه ثم قال : ادنوه مني فادني منه،
فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسال الدماء
على وجهه ولحيته، ونثر لحم جبينه وخذه على لحيته، حتى كسر القضيب، وضرب هانئ يده
على قائم سيف شرطي وجاذبه [ الرجل ] ومنعه.
فقال عبيد الله
: أحروري سائر اليوم قد حل دمك جروه، فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا
عليه بابه، فقال : اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام إليه حسان بن أسماء فقال :
أرسل غدر سائر اليوم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به هشمت أنفه ووجهه،
وسيلت دماءه على لحيته، وزعمت أنك تقتله؟ فقال له عبيد الله : وإنك لههنا؟ فأمر به
فلهز وتعتع وأجلس ناحية فقال محمد بن الاشعث : قد رضينا بما رأى الامير، لنا كان
أم علينا، إنما الأمير مؤدب.
وبلغ عمرو بن
الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، وقال : أنا
عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة، وقد بلغهم
أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله بن زياد : وهذه فرسان مذحج بالباب؟!
فقال لشريح القاضي : ادخل على صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل،
فدخل شريح فنظر إليه فقال هانئ : لما رأى شريحا يالله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي
أين أهل الدين أين أهل المصر، والدماء اتسيل على لحيته، إذ سمع الضجة على باب
القصر، فقال : إني لأظنها أصوات مذحج، وشيعتي من المسلمين، إنه إن دخل علي عشرة
نفر أنقذوني. فلما سمع كلامه شريح خرج إليهم فقال لهم : إن الامير لما بلغه كلامكم
ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم واعرفكم
أنه حي وأن الذي بلغكم من قتله باطل، فقال له عمرو بن الحجاج وأصحابه : أما إذ لم
يقتل فالحمد لله، ثم انصرفوا.
فخرج عبيد الله
بن زياد فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه، فقال : أما بعد أيها الناس
فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا
وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر، والسلام. ثم ذهب لينزل فما نزل عن
المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل باب التمارين يشتدون ويقولون : قد جاء ابن
عقيل، فدخل عبيد الله القصر مسرعا وأغلق أبوابه، فقال عبد الله بن حازم : أنا
والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما فعل هانئ، فلما ضرب وحبس ركبت فرسي فكنت
أول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عبر
تاه يا ثكلاه، فدخلت على مسلم فأخبرته الخبر، فأمرني أن انادي في أصحابه وقد ملا
بهم الدور حوله، كانوا فيها أربعه آلاف رجل فقال : ناد : « يا منصور أمت » فناديت
فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا عليه.
فعقد مسلم رحمه الله
لرؤس الارباع كندة ومدحج وتميم وأسد ومضر وهمدان وتداعى الناس واجتمعوا فما لبثنا
إلا قليلا حتى امتلا المسجد من الناس والسوق وما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق
بعبيد الله أمره ونكان أكثر عمله أن يمسك باب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلا من
الشرط، وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته وخاصته، وأقبل من نأى عنه من أشراف
الناس يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من في القصر مع ابن زياد
يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم ويفترون على عبيد الله
وعلى امه فدعا ابن زياد كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيمن أطاعه في مذحج، فيسير في
الكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد
بن الاشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاء من الناس،
وقال مثل ذلك للقعقاع الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر السلمي وشمر بن
ذي الجوشن العامري، وحبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من
الناس.
فخرج كثير بن
شهاب يخذل الناس عن مسلم، وخرج محمد بن الاشعث حتى وقف عند دور بني عمارة فبعث ابن
عقيل إلى محمد بن الاشعث عبد الرحمن بن شريح الشيباني، فلما رأى ابن الاشعث كثرة
من أتاه، تأخر عن مكانه، وجعل محمد بن الاشعث وكثير بن شهاب والقعقاع بن ثور
الذهلي وشبث بن ربعي يردون الناس عن اللحوق بمسلم، ويخوفونهم السلطان، حتى اجتمع
إليهم عدد كثير من قومهم وغيرهم، فصاروا إلى ابن زياد من قبل دار الروميين، ودخل
القوم معهم.
فقال كثير بن
شهاب : أصلح الله الامير! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل
بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد الله وعقد لشبث ابن ربعي لواء وأخرجه،
وأقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عبيد الله إلى
الاشراف فجمعهم ثم أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا
أهل المعصية الحرمان والعقوبة واعلموهم وصول الجند من الشام إليهم.
وتكلم كثير بن
شهاب حتى كادت الشمس أن تجب، فقال : أيها الناس الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر،
ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فان هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى
الله الامير عهدا لئن تممتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم، أن يحرم ذريتكم
العطاء، ويفرق مقاتليكم في مفازي الشام، وأن يأخذ البريء منكم بالسقيم، والشاهد
بالغائب، حتى لا يبقى له بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جنت أيديها،
وتكلم الاشراف بنحو من ذلك.
فلما سمع الناس
مقالتهم أخذوا يتفرقون وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول : انصرف! الناس
يكفونك، ويجيئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ويقول : غدا تأتيك أهل الشام، فما تصنع
بالحرب والشر؟ انصرف! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل، وصلى
المغرب وما معه إلا ثلاثون نفسا في المسجد.
فلما رأى أنه قد
أمسى وليس معه إلا اولئك النفر، وخرج متوجها إلى أبواب كندة فلم يبلغ الابواب إلا
ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان يدله، فالتفت فاذا هو لا يحس
أحدا يدله على الطريق، ولا يدله على منزله، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو، فمضى
على وجهه متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب؟ حتى خرج إلى دور بني جبلقة من
كندة، فمضى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة ام ولد كانت للأشعث بن قيس،
وأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس، وامه
قائمة تنتظره.
فسلم عليها ابن
عقيل فردت عليه السلام فقال لها : يا أمة الله اسقيني ماء فسقته وجلس ودخلت ثم
خرجت فقالت : يا عبد الله ألم تشرب؟ قال : بلى قالت : فاذهب إلى أهلك، فسكت، ثم
أعادت مثل ذلك، فسكت، ثم قالت في الثالثة : سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله
إلى أهلك فانه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا احله لك، فقام وقال : يا أمة الله
ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة، فهل لك في أجر ومعروف، ولعلي مكافيك بعد هذا
اليوم، قالت : يا عبد الله وما ذاك؟ قال : أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم،
وغروني وأخرجوني، قالت : أنت مسلم؟! قال : نعم، قالت : ادخل.
فدخل إلى بيت
دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، ولم يكن
بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه، فقال لها : والله
إنه ليريبني كثرة دخولك إلى هذا البيت وخروجك منه، منذ الليلة، إن لك لشأنا قالت
له : يا بني اله عن هذا قال : والله لتخبريني قالت له : أقبل على شأنك، ولا تسألني
عن شيء، فألح عليها فقالت : يا بني لا تخبرن أحدا من الناس بشيء مما اخبرك به قال
: نعم، فأخذت عليه الايمان فحلف لها، فأخبرته فاضطجع وسكت.
ولما تفرق الناس
عن مسلم بن عقيل رحمه الله، طال على ابن زياد وجعل لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا
كما كان يسمع قبل ذلك، فقال لأصحابه : أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا؟ فأشرفوا
فلم يجدوا أحدا، قال : فانظروهم لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم فنزعوا تخاتج
المسجد، وجعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم وينظرون، وكانت أحيانا تضيء لهم وتارة
لا تضيء لهم كما يريدون فدلوا القناديل وأطنان القصب تشد بالحبال ثم يجعل فيها
النيران ثم تدلى حتى ينتهي إلى الارض ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها
حتى فعل ذلك بالظلة التي فيها المنبر فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد بتفرق
القوم.
ففتح باب السدة
ألتي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه معه وأمرهم فجلسوا قبيل العتمة
وأمر عمر بن نافع فنادى : ألا برئت الذمة من رجل من الشرط أو العرفاء والمناكب أو
المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد فلم يكن إلا ساعة حتى امتلا المسجد من الناس،
ثم أمر مناديه فأقام الصلاة وأقام الحرس خلفه وأمرهم بحراسته ومن أن يدخل إليه من
يغتاله، وصلى بالناس.
ثم صعد المنبر
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم
من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته،
اتقوا الله عباد الله، وألزموا الطاعة وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
يا حصين بن
نمير! ثكلتك امك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، وخرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد
سلطتك على دور أهل الكوفة. فابعث مراصد على أهل الكوفة ودورهم، وأصبح غدا واستبرء
الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل، وكان الحصين بن نمير على شرطه، وهو من
بني تميم، ثم دخل ابن زياد القصر وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس.
فلما أصبح جلس
مجلسه وأذن للناس، فدخلوا عليه وأقبل محمد بن الاشعث فقال : مرحبا بمن لا يستغش
ولا يتهم، ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد
بن الاشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند امه، فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو
عند ابن زياد فساره فعرف ابن زياد سراره فقال له ابن زياد بالقضيب في جنبه : قم
فأتني به الساعة، فقام وبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصاب فيهم
مثل مسلم بن عقيل. فبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس حتى
أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل رحمه الله فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات
الرجال علم أنه قد اتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم
بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك، فاختلف هو وبكر بن حمران
الاحمري ضربتين فضرب بكر فم مسلم، فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت
له ثنيتاه وضرب مسلم في رأسه ضربة منكرة وثناه بأخرى على حبل العاتق، كادت تطلع
إلى جوفه.
فلما رأوا ذلك
أشرفوا عليه من فوق البيت، وأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يرمونها عليه من فوق البيت، فلما
رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقال محمد بن الاشعث : لك الامان لا تقتل
نفسك وهو يقاتلهم ويقول :
أقسمت لا اقتل
إلا حرا
وإن
رأيت الموت شيئا نكرا
ويخلط البارد
سخنا مرا
رد
شعاع الشمس فاستقرا
كل امرئ يوما
ملاق شرا
أخاف
أن اكذب أو اغرا
فقال له محمد بن
الاشعث : إنك لا تكذب ولا تغر ولا تخدع إن القوم بنوا عمك، وليسوا بقاتليك، ولا
ضائريك، وكان قد اثخن بالحجارة، وعجز عن القتال فانتهز واستند ظهره إلى جنب تلك
الدار فأعاد ابن الاشعث عليه القول : لك الامان، فقال : آمن أنا؟ قال : نعم، فقال
للقوم الذين معه ألي الامان؟ قال القوم له : نعم، إلا عبيد الله بن العباس السلمي
فانه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل ثم تنحى.
فقال مسلم : أما
لو تأمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فأتى ببغلة فحمل عليها، واجتمعوا حوله ونزعوا
سيفه، وكأنه عند ذلك يئس من نفسه، فدمعت عيناه ثم قال : هذا أول الغدر، فقال له
محمد بن الاشعث : أرجو أن لا يكون عليك بأس قال : وما هو إلا الرجاء؟ أين أمانكم؟
إنا لله وإنا إليه راجعون، وبكى، فقال له عبيد الله بن العباس : إن من يطلب مثل
الذي طلبت إذا ينزل به مثل ما نزل بك لم يبك، قال : والله إني ما لنفسي بكيت، ولا
لها من القتل أرثي، وإن كنت لم احب لها طرفة عين تلفا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين،
إني أبكي للحسين وآل الحسين عليه السلام.
ثم أقبل على
محمد بن الاشعث فقال : يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير :
تستطيع أن تبعث من عند رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فاني لا أراه إلا وقد خرج
اليوم أو خارج غدا وأهل بيته، ويقول له : إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في يد
القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك : ارجع فداك أبي وامي بأهل بيتك ولا
يغررك أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل
الكوفة قد كذبوك وليس لمكذوب رأي، فقال ابن الاشعث : والله لأفعلن ولأعملن ابن
زياد أني قد أمنتك.
وقال محمد بن
شهر آشوب : أنفذ عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي ومحمد بن الاشعث في سبعين رجلا
حتى أطافوا بالدار، فحمل مسلم عليهم وهو يقول :
هو الموت فاصنع
وبك ما أنت صانع
فأنت
لكأس الموت لا شك جارع
فصبر لأمر الله
جل جلاله
فحكم
قضاء الله في الخلق ذائع
فقتل منهم أحدا
وأربعين رجلا.
وقال محمد بن
أبي طالب : لما قتل مسلم منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن زياد، أرسل إلى محمد بن
الاشعث يقول : بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به، فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف
إذا أرسلناك إلى غيره؟ فأرسل ابن الاشعث : أيها الامير أتظن أنك بعثتني إلى بقال
من بقالي الكوفة، أو إلى جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ أو لم تعلم أيها الامير أنك
بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الانام، فأرسل إليه
ابن زياد أعطه الأمان فإنك لا تقدر عليه إلا به.
أقول : روي في
بعض كتب المناقب عن علي بن أحمد العاصمي ، عن إسماعيل ابن أحمد البيهقي ، عن والده
، عن أبي الحسين بن بشران ، عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل بن إسحاق ، عن الحميدي
، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : أرسل الحسين عليه السلام مسلم بن
عقيل إلى الكوفة وكان مثل الاسد ، قال عمرو وغيره : لقد كان من قوته أنه يأخذ
الرجل بيده ، فيرمي به فوق البيت.
رجعنا إلى كلام
المفيد رحمه الله قال : وأقبل ابن الاشعث بابن عقيل إلى باب القصر ، واستأذن ،
فأذن له ، فدخل على عبيد الله بن زياد ، فأخبره خبر ابن عقيل ، وضرب بكر إياه ،
وما كان من أمانه له ، فقال له عبيد الله : وما أنت والامان؟ كأنا أرسلناك لتؤمنه
، إنما أرسلناك لتأتينا به ، فسكت ابن الاشعث وانتهى بابن عقيل إلى باب القصر ،
وقد اشتد به العطش ، وعلى باب القصر ناس جلوس ، ينتظرون الاذن ، فيهم عمارة بن
عقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن حريث ، ومسلم بن عمرو وكثير بن شهاب وإذا قلة باردة
موضوعة على الباب.
فقال مسلم :
اسقوني من هذا الماء! فقال له مسلم بن عمرو : أتراها ما أبردها لا والله لا تذوق
منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم ، فقال له ابن عقيل : ويحك من أنت؟
فقال : أنا الذي عرف الحق إذا أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششته وأطاعه إذ خالفته ،
أنا مسلم بن عمرو الباهلي فقال له ابن عقيل : لامك الثكل ما أجفاك وأقطعك وأقسى
قلبك ، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني.
ثم جلس فتساند
إلى حائط وبعث عمرو بن حريث غلاما له فأتاه بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء
فقال له : اشرب فأخذ كلما شرب امتلا القدح دما من فمه ، ولا يقدر أن يشرب ، ففعل
ذلك مرتين ، فلما ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح ، فقال : الحمد الله
لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته ، وخرج رسول ابن زياد فأمر بإدخاله إليه.
فلما دخل لم
يسلم عليه بالإمرة ، فقال له الحرسي : ألا تسلم على الامير؟ فقال : إن كان يريد
قتلي فما سلامي عليه ، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه ، فقال له ابن
زياد : لعمري لتقتلن ، قال : كذلك؟ قال : نعم ، قال : فدعني اوصي إلى بعض قومي ،
قال : افعل! فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله بن زياد ، وفيهم عمر بن سعد بن أبي
وقاص فقال : يا عمر إن بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة وقد يجب لي عليك نجح
حاجتي ، وهي سر ، فامتنع عمر أن يسمع منه ، فقال له عبيد الله بن زياد : لم تمتنع
أن تنظر في حاجة ابن عمك؟ فقام معه فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد ، فقال له : إن
علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبع مائة درهم ، فبع سيفي ودرعي فاقضها
عني وإذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن زياد فوارها ، وابعث إلى الحسين عليه السلام
من يرده فاني قد كتبت إليه اعلمه أن الناس معه ، ولا أراه إلا مقبلا.
فقال عمر لابن
زياد : اتدري أيها الامير ما قال لي؟ إنه ذكر كذا وكذا فقال ابن زياد : إنه لا
يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن أما ماله فهوله ، ولسنا نمنعك أن تصنع به ما
أحب ، وأما جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها ، وأما حسين فانه إن لم
يردنا لم نرده.
ثم قال ابن زياد
: إيه ابن عقيل : أتيت الناس وهم جمع فشتت بينهم ، وفرقت كلمتهم ، وحملت بعضهم على
بعض ، قال : كلا لست لذلك أتيت ، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم ، وسفك
دماءهم ، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل ، وندعو إلى الكتاب ،
فقال له ابن زياد : وما أنت وذاك يا فاسق؟ لم لم تعمل فيهم بذلك إذ أنت بالمدينة
تشرب الخمر؟ قال مسلم : أنا أشرب الخمر؟ أما ـ والله ـ إن الله ليعلم أنك غير صادق
، وأنك قد قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت ، وأنك أحق بشرب الخمر مني ، وأولى بها
من يلغ في دماء المسلمين ولغا ، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها ، ويسفك الدم
الذي حرم الله على الغصب والعداوة ، وسوء الظن ، وهو يلهو ويلعب ، كان لم يصنع
شيئا.
فقال له ابن
زياد : يا فاسق إن نفسك منتك ما حال الله دونه ، ولم يرك الله له أهلا فقال مسلم :
فمن أهله إذا لم نكن نحن أهله؟ فقال ابن زياد : أمير المؤمنين يزيد ، فقال مسلم :
الحمد لله على كل حال ، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم فقال له ابن زياد : قتلني
الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام من الناس ، فقال له مسلم : أما
إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن وإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث
السيرة ولؤم الغلبة ، لا أحد أولى بها منك ، فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين
وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه.
ثم قال ابن زياد
: اصعدوا به فوق القصر ، فاضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده فقال مسلم رحمه الله :
والله لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني ، فقال ابن زياد : أين هذا الذي ضرب ابن
عقيل رأسه بالسيف ، فدعا بكر بن حمران الاحمري فقال له : اصعد فليكن أنت الذي تضرب
عنقه ، فصعد به ، وهو يكبر ويستغفر الله ويصلي على رسول الله صلى الله عليه
وآله ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وخذلونا.
وأشرفوا به على
موضع الحذائين اليوم ، فضرب عنقه وأتبع رأسه جثته.
وقال السيد ،
ولما قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه محمد بن الاشعث : يا مسلم لك الامان ، فقال
مسلم : وأي أمان للغدرة الفجرة ثم أقبل يقاتلهم ، ويرتجز بأبيات حمران بن مالك
الخثعمي يوم القرن « أقسمت لا اقتل إلا حرا » إلى آخر الابيات ، فنادى إليه إنك لا
تكذب ، ولا تغر ، فلم يلتفت إلى ذلك ، وتكاثروا عليه بعد أن اثخن بالجراح ، فطعنه
رجل من خلفه فخر إلى الارض فاخذ أسيرا فلما دخل على عبيد الله لم يسلم عليه ، فقال
له الحرسي : سلم على الامير ، فقال له : اسكت يا ويحك ، والله ما هولي بأمير ،
فقال ابن زياد : لا عليك سلمت أم لم تسلم فانك مقتول فقال له مسلم : إن قتلتني
فلقد قتل من هو شر منك من هو خير مني ثم قال ابن زياد : يا عاق ويا شاق ، خرجت على
إمامك وشققت عصا المسلمين وألقحت الفتنة ، فقال مسلم : كذبت يا ابن زياد إنما شق
عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد ، وأما الفتنة فإنما ألقحها أنت وأبوك زياد بن
عبيد عبد بني علاج من ثقيف وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر بريته.
ثم قال السيد
بعد ما ذكر بعض ما مر : فضرب عنقه ونزل مذعورا ، فقال له ابن زياد : ما شأنك؟ فقال
: أيها الامير رأيت ساعة قتلته رجلا أسود سيئ الوجه حذائي عاضا على أصبعه أو قال
شفتيه ، ففزعت فزعا لم أفزعه قط! فقال ابن زياد :لعلك دهشت.
وقال المسعودي :
دعا ابن زياد بكير بن حمران الذي قتل مسلما فقال : أقتلته؟ قال : نعم قال : فما
كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال : كان يكبر ويسبح ويهلل ويستغفر الله ،
فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا
وقتلونا ، فقلت له : الحمد لله الذي أقادني منك وضربته ضربة لم تعمل شيئا فقال لي
: أو ما يكفيك في خدش مني وفاء بدمك؟ أيها العبد ، قال ابن زياد وفخرا عند الموت؟
قال : وضربته الثانية فقتلته.
وقال المفيد :
فقام محمد بن الاشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلمه في هانئ بن عروة ، فقال : إنك قد
عرفت موضع هانئ من المصر ، وبيته في العشيرة ، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك
وأنشدك الله لما وهبته لي فاني أكره عداوة المصر وأهله ، فوعده أن يفعل ، ثم بداله
وأمر بهانئ في الحال فقال : أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه ، فاخرج هانئ حتى اتي
به إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم ، وهو مكتوف فجعل يقول : وامذحجاه ولا
مذحج لي اليوم ، يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج؟
فلما رأى أن
أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال : أما من عصا أو سكين أو حجارة أو
عظم يحاجز به رجل عن نفسه؟ ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل له : امدد عنقك فقال :
ما أنا بها بسخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي ،
يقال له رشيد بالسيف ، فلم يصنع شيئا فقال له هانئ : إلى الله المعاد اللهم إلى
رحمتك ورضوانك ، ثم ضربه اخرى فقتله. وفي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمهما الله
يقول عبد الله بن الزبير الاسدي :
فان كنت لا
تدرين ما الموت فانظري
إلى
هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم
السيف وجهه
وآخر
يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر
اللعين فأصبحا
أحاديث
من يسري بكل سبيل
ترى جسدا قد غير
الموت لونه
ونضح
دم قد سال كل مسيل
فتى كان أحيا من
فتاة حيية
وأقطع
من ذي شفرتين صقيل
أيركب أسماء
الهماليج آمنا
وقد
طالبته مذحج بذحول
تطيف حواليه
مراد وكلهم
على
رقبة من سائل ومسؤول
فإن أنتم لم
تثأروا بأخيكم
فكونوا
بغايا ارضيت بقليل
ولما قتل مسلم
بن عقيل وهانئ بن عروة رحمة الله عليهما بعث ابن زياد برأسيهما مع هانئ بن أبي حية
الوادعي والزبير بن الاروح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه أن يكتب إلى
يزيد بما كان من أمر مسلم وهانئ فكتب الكاتب وهو عمرو بن نافع فأطال فيه وكان أول
من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيد الله كرهه وقال : ما هذا التطويل وهذه الفضول
اكتب : أما بعد الحمد لله الذي أخذ لامير المؤمنين بحقه ، وكفاه مؤنة عدوه اخبر أمير
المؤمنين أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي وإني جعلت عليهما
المراصد والعيون ودسست إليهما الرجال ، وكدتهما حتى أخرجتهما وأمكن الله منهما ،
فقد متهما وضربت أعناقهما وقد بعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي
والزبير بن الاروح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسألهما أمير
المؤمنين عما أحب من أمرهما ، فان عندهما علما وورعا وصدقا والسلام.
فكتب إليه يزيد
: أما بعد فانك لم تعد أن كنت لما احب علمت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط
الجأش ، وقد أغنيت وكفيت ، وصدقت ظني بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك ، وسألتهما
وناجيتهما ، فودجتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت ، فاستوص بهما خيرا ، وإنه قد
بلغني أن حسينا قد توجه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح ، واحترس واحبس على
الظنة ، واقتل على التهمة واكتب إلي في كل يوم ما يحدث من خبر إنشاء الله.
وقال ابن نما :
كتب يزيد إلى ابن زياد : قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة ، وقد ابتلى به
زمانك من بين الازمان ، وبلدك من بين البلدان ، وابتليت به من بين العمال ، وعندها
تعتق أو تعود عبدا ، كما تعبد العبيد.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 335 ]