حدثنا علي بن
أحمد [ ابن محمد ] ، عن محمد بن موسى بن داود الدقاق ، عن الحسن بن أحمد بن الليث
، عن محمد بن حميد ، عن يحيى بن أبي بكير قال : حدثنا أبو العلاء الخفاف ، عن أبي
سعيد عقيصا قال : قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام : يا ابن رسول
الله لم داهنت معاوية وصالحته ، وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟
فقال : يابا
سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه ، وإماما عليهم بعد أبي عليه السلام؟ قلت
: بلى ، قال : ألست الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي : الحسن والحسين
إمامان قاما أو قعدا؟ قلت : بلى ، قال : فأنا إذن إمام لو قمت ، وأنا إمام إذا
قعدت ، يابا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه
وآله) لبني ضمرة وبني أشجع ، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، اولئك كفار
بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل ، يابا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله
تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة ، وإن كان وجهه
الحكمة فيما أتيته ملتبسا.
ألا ترى الخضر
عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام
فعله ، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي ، هكذا أنا سخطتم علي بجهلكم بوجه
الحكمة فيه ، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل.
قال الصدوق رحمه
الله : قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب «
الفروق بين الاباطيل والحقوق » في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية
فذكر سؤال سائل عن تفسير حديث يوسف بن مازن الراسبي في هذا المعنى والجواب عنه وهو
الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال : حدثنا أبو طالب
زيد بن أحزم قال : حدثنا أبوداود قال : حدثنا القاسم بن الفضل ، قال : حدثنا يوسف
بن مازن الراسبي قال : بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه
أمير المؤمنين ، ولا يقيم عنده شهادة ، وعلى أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام
شيئا ، وعلى أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل وأولاد من قتل مع أبيه
بصفين ألف ألف درهم ، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد.
قال : وما ألطف
حيلة الحسن صلوات الله عليه في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين قال يوسف : فسمعت
القاسم بن محيمة يقول : ما وفى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشيء عاهده
عليه وإني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه وإلى
شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه.
فنقول : رحمك
الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام ومعاوية عند أهل التميز
والتحصيل تسمى المهادنة والمعاهدة ، ألا ترى كيف يقول « ما وفى معاوية للحسن بن
علي بشيء عاهده عليه وهادنه » ولم يقل بشيء بايعه عليه ، والمبايعة على ما يدعيه
المدعون على الشرائط التي ذكرناها ، ثم لم يف بها لم يلزم الحسن عليه السلام.
وأشد ما ههنا من
الحجة على الخصوم ، معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين ، والحسين عليه السلام
عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا ، إذ الامير هو الذي
يأمر فيؤتمر له.
فاحتال الحسن
صلوات الله عليه لإسقاط الائتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه والامير هو الذي
أمره مأمور من فوقه ، فدل على أن الله عزوجل لم يؤمره عليه ، ولا رسوله (صلى الله
عليه وآله) أمره عليه ، فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) : « لا يلين مفاء
على مفيء ».
يريد أن من حكمه
حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين والانصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين والانصار
بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه وحكم
قريش وأهل مكة حكم هوازن.
فمن أمره رسول
الله صلى الله عليه وآله عليهم ، فهو التأمير من الله جل جلاله ورسوله صلى الله
عليه وآله.
أو من الناس كما
قالوا في غير معاوية إن الامة اجتمعت فأمرت فلانا وفلانا وفلانا على أنفسهم فهو
أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله ولا من رسوله وهو إن لم يكن تأميرا من
الله ومن رسوله ولا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه
بنفسه.
والحسن صلوات
الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير
المؤمنين ، فلم يلزمه ذلك الائتمار له في شئ أمره به ، وفرغ صلوات الله عليه ، إذ
خلص بنفسه من الايجاب عليها الائتمار له [ عن ] أن يتخذ على المؤمنين الذين هم على
الحقيقة مؤمنون ، وهم الذين كتب في قلوبهم الايمان.
ولان هذه الطبقة
لم يعتقدوا إمارته ووجوب طاعته على أنفسهم ، ولان الحسن عليه السلام أمير البررة
، وقاتل الفجرة ، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي عليه السلام علي أمير
البررة ، وقاتل الفجرة ، فأوجب عليه السلام أنه ليس لبر من الابرار أن يتأمر عليه
وأن التأمير على أمير الابرار ليس ببر ، هكذا يقتضي مراد رسول الله صلى الله
عليه وآله ولو لم يشترط الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية هذه الشروط ،
وسماه أمير المؤمنين.
وقد قال النبي
صلى الله عليه وآله قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها ، وفجارها لفجارها.
وكل من اعتقد من
قريش أن معاوية إمامه بحقية الامامة من الله عزوجل واعتقد الائتمار له وجوبا عليه
فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دخلا وترك أمر الله إياه إن
كان مؤمنا فقد أمر الله عزوجل المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى فقال : «
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ».
فان كان اتخاذ
مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودين الله دخلا : من البر والتقوى ، جاز على تأويلك
من اتخذه إماما وأمره على نفسه ، كما ترون التأمير على العباد.
ومن اعتمد أن
قهر مال الله على ما يقهر عليه ، ودين الله على ما يسام ، وأهل دين الله على ما
يسامون ، هو بقهر من اتخذهم خولا ، وأن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول
، والدين من الدخل ، والعباد من الخول ، علم وسلم وآمن واتقى أن البر مقهور في يد
الفاجر ، والابرار مقهورون في أيدي الفجار ، بتعاونهم مع الفاجر على الاثم
والعدوان المزجور ، عنه المأمور بضده وخلافه ومنافيه.
وقد سأل الثوري
السفيان عن « العدوان » ما هو؟ فقال : هو أن ينقل صدقة بانقياء إلى الحيرة فتفرق
في أهل السهام بالحيرة ، وببانقياء أهل السهام وأنا اقسم بالله قسما بارا أن حراسة
سفيان ومعاوية بن مرة ومالك بن معول وخيثمة بن عبد الرحمن خشبة زيد بن علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من
العدوان الذي زجر الله عزوجل عنه وأن حراسة من سميتم بخشبة زيد رضوان الله عليه ،
الداعية بنقل صدقة بانقياء إلى الحيرة.
فإن عذر عاذر
عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الامام من قبل الله عزوجل ، الذي فرض طاعته
على العباد ، على الفاجر الذي تأمر بإعانة الفجرة إياه ، قلنا : لعمري إن العاجز
معذور فيما عجز عنه ، ولكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب ، فيما فرض الله عزوجل
عليه ، وإيجابه على نفسه فرض طاعته وطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطاعة
اولي الامر ، وبأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الامر بخلاف علانيتهم ، كما لم يجز
أن يكون سريرة النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو أصل ولاة الامر وهم فرعه ،
بخلاف علانيته.
وإن الله عزوجل
العالم بالسرائر والضمائر ، والمطلع على ما في صدور العباد ، لم يكل علم ما لم
يعلمه العباد إلى العباد ، عزوجل عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم وطوقهم ، إذ ذاك
ظلم من المكلف ، وعبث منه ، وأنه لا يجوز أن يجعل جل وتقدس اختيار من يستوي سريرته
بعلانيته ، ومن لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة والغضب والظلم منه ، إلى من لا
يعلم السرائر والضمائر ، فلا يسع أحدا جهل هذه الاشياء.
وإن وسع العاجز
بعجزه ترك ما يعجز عنه ، فانه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الابرار ،
والعاجز بعجزه معذور ، والجاهل غير معذور ، فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام ،
وإن كان مقهورا في قهر الفاجر والفجار ، فمتى لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور ،
فمات ميتة جاهلية ، إذا مات وليس يعرف إمامه.
فان قيل : فما
تأويل عهد الحسن عليه السلام وشرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لا يجاب
الله عليه عزوجل إقامة الشهادة بما علمه ، قبل شرطه على معاوية [ بأن لا يقيم عنده
شهادة ] قيل : إن لإقامة الشهادة من الشاهد شرائط : وهي حدودها التي لا يجوز
تعديها لان من تعدى حدود الله عزوجل فقد ظلم نفسه ، وأوكد شرائطها إقامتها عند قاض
فصل ، وحكم عدل ، ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر بشهادته حقا ويميت بها
أثرة ، ويزيل بها ظلما ، فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة.
ولم يكن معاوية
عند الحسن عليه السلام أميرا اقامه الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله أو
حاكما من ولاة الحكم ، فلو كان حاكما من قبل الله وقبل رسوله ، ثم علم الحسن عليه السلام
أن الحكم هو الامير ، والامير هو الحكم ، وقد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر ، حين شرط
ألا يسميه أمير المؤمنين ، فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الامرة بشرط أن لا
يسميه أمير المؤمنين ، وإذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم ، لان الامير هو
الحاكم ، وهو المقيم للحاكم ، ومن ليس له تأمير ولا تحاكم ، فحكمه هذر ، ولا تقام
الشهادة عند من حكمه هذر.
فان قال : فما
تأويل عهد الحسن عليه السلام على معاوية وشرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي
عليه السلام شيئا؟ قيل : إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل
، وسوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء ، وإن كان الله عزوجل حقنه
، وحقن ما أرادوا حقنه ، وإن كان الله عزوجل أراقه في حكمه.
فأراد الحسن
عليه السلام أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما
يتعقبه زائل مضمحل فاسد ، كما أنه أزال إمرته عنه وعن المؤمنين ، بشرط أن لا يسميه
أمير المؤمنين ، وأن إمرته زالت عنه وعنهم ، وأفسد حكمه عليه وعليهم.
ثم سوغ الحسن
عليه السلام بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة ، للمؤمنين القدوة منهم به في أن
لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير
المؤمنين ، فتكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة دانيال فيها وكدار العزيز وهو
كيوسف فيها.
فان قال :
دانيال ويوسف عليهما السلام كان يحكمان لبخت نصر والعزيز ، قلنا : لو أراد بخت
نصر دانيال والعزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد ، وعقبة بن أبي معيط ،
وشهادة أبي بردة بن أبي موسى ، وشهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن
الادبر وأصحابه رحمهم الله وأن يحكما له بأن زيادا أخوه وأن دم حجر وأصحابه مراقة
بشهادة من ذكرت ، لما جاز أن يحكما لبخت نصر والعزيز ، والحكم بالعدل يرمي الحاكم
به في قدرة عدل أو جائر ومؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطرا إلى أن يدين
للجائر الكافر ، والمبطل والمحق بحكمه.
فإن قال : ولم
خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه وإلى شيعة علي عليه السلام وقدم أمامها
قتله عبدالله بن يحيى الحضرمي وأصحابه ، وقد قتل حجرا وأصحابه وغيرهم؟ قلنا : لو
قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر وأصحابه على عبد الله بن يحيى
الحضرمي وأصحابه لكان سؤالك قائما فتقول : لم قدم حجرا على عبدالله بن يحيى
وأصحابه أهل الاخيار والزهد في الدنيا والاعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه
ابن يحيى وأصحابه من الخرق على أمير المؤمنين عليه السلام وشدة حبهم إياه ،
وإفاضتهم في ذكره وفضله ، فجاء بهم وضرب أعناقهم صبرا.
ومن أنزل راهبا
من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج قسا من ديره فيقتله لان
صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء
والارض ، فتقديم الحسن عليه السلام العباد على العباد والزهاد على الزهاد ،
ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد ، لا يتعجب منه ، بل يتعجب لو قدم في الذكر
مقصرا على مخبت ومقتصدا على مجتهد.
فان قال : ما
تأويل اختيار مال دارا بجرد على سائر الاموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع
أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين ، قيل : لدار ابجرد خطب في شأن الحسن عليه
السلام ، بخلاف جميع فارس.
وقلنا : إن
المال مالان : الفيء الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة
وعمارتها ، من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة ، ولأرزاق الاسارى ، ومال الصدقة الذي
خص به أهل السهام وقد جرى في فتوح الارضين بفارس والاهواز وغيرهما من البلدان :
فيما فتح منها صلحا ، وما فتح منها عنوة وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات ، وأسباب
وأسباب.
وقد كتب ابن عبد
العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وهو عامله على العراق : أيدك الله هاش في
السواد ما يركبون فيه البراذين ، ويتختمون بالذهب ، ويلبسون الطيالسة وخذ فضل ذلك
فضعه في بيت المال.
وكتب ابن الزبير
إلى عامله « جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر والقناطر فانه سحت » ،
فقصر المال عما كان ، فكتب إليهم « ما للمال قد قصر »؟ فكتبوا إليه إن أمير
المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر والقناطر ، فلذلك قصر المال ، فكتب إليهم : «
عودوا إلى ما كنتم عليه » هذا بعد قوله : « إنه سحت ».
ولا بد أن يكون
أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيء ومال
المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام. وقد قال سول الله صلى الله عليه وآله في
الصدقة « قد امرت أن آخذها من أغنياءكم وأردها في فقرائكم » بالكاف والميم ، ضمير
من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة ، ومن وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام
أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ولا أكل صدقة كثير منهم ، إذ
كانت غسالة ذنوبهم ، ولم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم.
روى بهز بن حكيم
بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله
قال : في كل أربعين من الابل ابنة لبون ولا تفرق إبل عن حسابها ، من أتانا بها
مؤتجرا فله أجرها ومن منعناها أخذناها منه وشرط إبله عزمة من عزمات ربنا وليس
لمحمد وآل محمد فيها شئ ، وفي كل غنيمة خمس أهل الخمس بكتاب الله عزوجل وإن منعوا.
فخص الحسن عليه السلام
ما لعله كان عنده أعف وأنظف من مال أردشير خره ولأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ
المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع وعمارات ، ثم ميزوها من جملة ما فتحوها
بنوع من الحكم وبين الاصطخر الاول والاصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو
الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف.
فقد روي عن
النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في تفسير قوله عزوجل : « وقفوهم إنهم مسئولون
» أنه لا يجاوز قدما عبد حتى يسأل عن أربع : عن ثيابه فيما أبلاه وعمره فيما أفناه
، وعن ماله من أين جمعه ، وفيما أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت وكان الحسن والحسين
عليهما السلام يأخذان من معاوية الآمال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما ولا على
عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها.
قال شيبة بن
نعامة : كان علي بن الحسين عليهما السلام ينحل فلما مات نظروا فإذا
هو يعول في
المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه.
فان قال : فان
هذا محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال : حدثنا أبو بشر الواسطي قال : حدثنا
خالد بن داود ، عن عامر قال : بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم
ويحارب من حارب ، ولم يبايعه على أنه أمير المؤمنين.
قلنا : هذا حديث
ينقض آخره أوله ، وأنه لم يؤمره ، وإذا لم يؤمره لم يلزمه الائتمار له إذا أمره ،
وقد روينا من غير وجه ما ينقض قوله : « يسالم من سالم ، ويحارب من حارب » فلا نعلم
فرقة من الامة أشد على معاوية من الخوارج وخرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع
أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن : اخرج إليهم وقاتلهم ، فقال :
يأبى الله لي بذلك ، قال : فلم؟
أليس هم أعداؤك
وأعدائي؟ قال : نعم يا معاوية ، ولكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده
، فأسكت معاوية.
ولو كان ما رواه
أنه بايع على أن يسالم من سالم ، ويحارب من حارب ، لكان معاوية لا يسكت على ما حجه
به الحسن عليه السلام ولأنه يقول له : قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من
كان ، وتسالم من سالمت كائنا من كان ، وإذا قال عامر في حديثه : « ولم يبايعه على
أنه أمير المؤمنين » قد ناقض لان الامير هو الآمر والزاجر ، والمأمور هو المؤتمر
والمنزجر ، فأبى تصرف الآمر ، فقد أزال الحسن عليه السلام في موادعته معاوية الائتمار
له ، فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين.
ولو انتبه
معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه ، لقال له : يا با محمد أنت مؤمن
وأنا أمير ، فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا وهذه حيلة منك تزيل
أمري عنك ، وتدفع حكمي لك وعليك ، فلو كان قوله « يحارب من حارب » مطلقا ولم يكن
شرطه « إن قاتلك من هو شر منك قاتلته ، وإن قاتلك من هو مثلك في الشر وأنت أقرب
منه إليه لم اقاتله » ولان شرط الله على الحسن وعلى جميع عباده التعاون على البر
والتقوي ، وترك التعاون على الاثم والعدوان ، وإن قتال من طلب الحق فأخطأه ، مع من
طلب الباطل فوجده ، تعاون على الاثم والعدوان.
فان قال : هذا
حديث ابن سيرين يرويه محمد بن إسحاق بن خزيمة قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن ابن
عون ، عن أنس بن سيرين قال : حدثنا الحسن بن علي يوم كلم فقال : ما بين جابرس
وجابلق رجل جده نبي غيري وغير أخي وإني رأيت أن اصلح بين امة محمد ، وكنت أحقهم
بذلك ، فانا بايعنا معاوية ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
قلنا : ألا ترى
إلى قول أنس كيف يقول : « يوم كلم الحسن » ولم يقل : « يوم بايع » إذ لم يكن عنده
بيعة حقيقة ، وإنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله وأعدائه ، لا مبايعة
تكون بين أوليائه وأوليائه فرأى الحسن عليه السلام رفع السيف مع العجز بينه وبين
معاوية ، كما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله رفع السيف بينه وبين أبي سفيان
وسهيل بن عمرو ، ولو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة والموادعة لما فعل.
فان قال : قد
ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين سهيل وأبي سفيان مدة ، ولم يجعل
الحسن بينه وبين معاوية مدة ، قلنا : بل ضرب الحسن عليه السلام أيضا بينه وبين معاوية
مدة وإن جهلناها ولم نعلمها ، وهي ارتفاع الفتنة وانتهاء مدتها ، وهو متاع إلى
حين.
فإن قال : فان
الحسن قال لجبير بن نفير (!) حين قال له : إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال
: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ، ويسالمون من سالمت ، تركتها
ابتغاء وجه الله ، وحقن دماء امة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز؟.
قلنا : إن جبيرا
كان دسيسا إلى الحسن عليه السلام دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الاثارة؟
وكان جبير يعلم أن الموادعة التي وداع معاوية غير مانعة من الاثارة التي اتهمه بها
، ولو لم يجز للحسن عليه السلام مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير
يعلم ذلك ، فلا يسأله ، لأنه يعلم أن الحسن عليه السلام لا يطلب ما ليس له طلبه ،
فلما اتهمه بطلب ما له طلبه ، دس إليه دسيسه هذا ليستبرئ برأيه وعلم أنه الصادق
وابن الصادق وأنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فانه وفي بوعده
، صادق في عهده.
فلما مقته قول
جبير قال له : يا تياس أهل الحجاز ، والتياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام ، وأما
قوله « بيدي جماجم العرب » فقد صدق عليه السلام ولكن كان من تلك الجماجم الاشعث
بن قيس في عشرين ألفا ويزهدونهم.
قال الاشعث يوم
رفع المصاحف : ووقع تلك المكيدة : « إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا
يمانيان بسهم ، ولم يطعن يمانيان برمح ، ولا يضرب يمانيان بسيف » وأومأ بيده إلى
أصحابه أبناء الطمع وكان في تلك الجماجم شيث بن ربعي تابع كل ناعق ، ومثير كل فتنة
، وعمرو بن حريث الذي ظهر على علي صلوات الله عليه وبايع ضبة احتوشها مع الاشعث
والمنذر بن الجارود الطاغي الباغي.
وصدق الحسن
صلوات الله عليه أنه كان بيده هذه الجماجم ، يحاربون من حارب ولكن محاربة منهم
للطمع ، ويسالمون من سالم لذلك ، وكان من حارب لله عزوجل ، وابتغى القربة إليه
والحظوة منه قليلا ، وليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله ، والنزاع لأولياء الله ،
واستمداد كل مدد وكل عدد ، وكل شدة على حجج الله عزوجل.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 1 ]
تاريخ النشر : 2026-08-02